|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 حزيران 2008 |
|
إذا كانت المعاهدة مبرمة فلتكن بشروط العراق
كتابات - حسن العاشور
لا شك أن كل التوصيفات التي تقلل من وطأة الاحتلال الأمريكي للعراق تذهب هباءا أمام معطيات الواقع الذي يرسم الصورة حادة الوضوح دونما أية رتوش من خلال أحدى أكبر السفارات في العالم، والتي تبلغ مساحتها 104 هكتار، إضافة إلى ما يخطط له الأمريكان من تواجد طويل الأمد إن لم يكن دائم، تنظم حركته من خلال الإستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تتلخص في تجميع هذه القوات في معسكرات قليلة العدد كبيرة المساحة وبعيدة عن المدن، قد تختصر في أربعة قواعد كبيرة ، قاعدة في وسط العراق وأخرى في الغرب وثالثة في الشمال ورابعة في الجنوب، وهذا ما يفترض به أن ينجز من خلال معاهدة تهدف إلى وضع الأطر الدائمة لوجود عسكري أمريكي بعد انسحاب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية من البلاد، وقد أُعلن في نوفمبر 2007 عن مذكرة تفاهم بين الجانبين الأمريكي والعراقي للشروع في أجراء مباحثات من اجل الوصول إلى صيغة تحدد شكل الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد انتهاء مدة بقائه المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن المرقم 1790 والصادر في 18/9/2007 . على ما يبدو أن الحكومة العراقية تميل إلى إبرام معاهدة بدلا عن الاتفاقية، وقد وضع المجلس السياسي للأمن الوطني العراقي المكَوَّن من زعماء الكتل السياسية بالإضافة إلى مجلس الرئاسة ورئاسة الوزراء والبرلمان جملة شروط تؤكد على تركيز المعاهدة على الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية إضافة إلى التأكيد على عدم إنشاء قواعد دائمة أو تقديم العراق أية تسهيلات عسكرية أو حصانة للمتجاوزين على النظام العام من منتسبي هذه القوات، والأمر الذي أود أن أتوقف عنده في هذا الصدد هو دور الحكومة وموقفها من هذا كله، والذي أرى أن أتناوله من خلال مستويين هما : أولا : المستوى السياسي، فالمؤكد في هذا السياق أن الحكومة العراقية لم تأت من فراغ وإنما هي حكومة تمثل إرادة جماهيرية تستند إلى ممارسة ديمقراطية أملت، إلى حد ما، شكل هذه الحكومة وتوجهاتها ومشروعها، من خلال انتخابات شارك فيها معظم العراقيين، وعليه فان الحكومة من الناحية السياسية مخولة ببمارسة مهامها الإجرائية عبر تنفيذها لإرادة جماهيرية كبيرة، على أن يتم هذا من خلال موافقة مجلس النواب . ثانيا : المستوى الوطني، وقد أثبتت تجربة ما يزيد على السنتين، التي عاشها العراق مع حكومة المالكي، صدق هذه الحكومة التي أظهرت وطنيته عراقية خالصة من خلال عدم انحيازها إلى أية طائفة أو قومية بل هي منحازة وبامتياز إلى العراق، بكل تنوعه والقومي والديني والمذهبي. وبعد هذا أجدني مضطرا إلى تساؤل مفاده: ما الذي يجعل الموقف من الحكومة المنبثقة عن إرادة سياسة سليمة أفضت بها إلى ممارسة وطنية صادقة على هذا القدر من التناقض؟ فكيف نستطيع أن نفسر كونها حكومة معبرة عن إرادة سياسية تستند إلى إرادة جماهير عريضة، وهي في الوقت نفسه متصادمة مع هذه الإرادة بإصرارها على توقيع معاهدة مع المحتل لا تحقق المصلحة الوطنية العراقية خاصة؟ وهو ما يستشف من مواقف الجماعات السياسية الرافضة لهذه المعاهدة، مع العلم ان موقف حزب الدعوة الإسلامية، حزب رئيس الحكومة، يؤكد على التزام جميع الكتل السياسية بطرح نتائج المفاوضات على مجلس النواب العراقي لمناقشة المعاهدة في حال التوصل إليها، وطرحها على الشعب العراقي قبل المصادقة عليها من اجل الاطلاع عليها، وإبداء المقترحات بشأنها لتحقيق مصلحة الشعب الوطنية. لا اعرف كيف تفسر ملابسات الموقف من هذه المعاهدة التي يبدو أن حكومة المالكي ذاهبة في اتجاه إبرامها، وان كنا نعرف التوجه العام لتلك المعاهدة من خلال معرفة توجهات المالكي نفسه، فهو وبكل تأكيد لن يتنازل عن أي جزء سيادة العراق واستقلاله وكرامة شعبه لما عرف عنه من وطنية شهد لها الجميع . وعودا على السؤال الذي أثرناه أرى أن الإجابة عنه لا تخلو من تعقيد، وربما من جهد يجب أن يبذل في محاولة لقراءة صدق النوايا، وهذه القراءة يمكن أن تكون عبر السؤال: ما هي دوافع المعارضين لمعاهدة تنوي حكومة المالكي ذات المشروعية الجماهيرية إبرامها مع الجانب الأمريكي ، أهي حقا دوافع وطنية؟ وان كانت وطنية، فهل هي دوافع واقعية؟ بمعنى هل لهذه الدوافع أن تقدم بديلا عن المعاهدة؟ الدلائل قد تشير إلى إمكانية التسليم بكون الدوافع وطنية، ولكن ليس هناك ما يشير إلى قدرة أصحاب هذه الدوافع إلى تقديم أي بديل واقعي، وان انعدام واقعية هكذا دوافع يعيدنا إلى المربع الأول، مربع الشك بصدق نوايا الذين يرفضون إبرام المعاهدة مع المحتل الأمريكي، فالكلام الغائم والعام الذي لا يكاد أن يلمس منه شيء، والذي يطالب الحكومة برفض توقيع هذه المعاهدة هو في تقديري كلام لا يفهم إلا في سياق توظيف الخطابات السياسية لإغراض أخرى، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الموقف الوطني المطلوب الآن، وهذا الموقف لا يمكن تصوره إلا داعما للحكومة، يؤمن لها الغطاء الجماهيري الذي يمكنها من انتزاع اكبر قدر ممكن من المكتسبات في هذه المعاهدة المنتظرة، التي تفترض أمريكا أن تحقق من خلالها مصالح إستراتيجية. فالمسلم به أن موضوع المفاوضات الجارية في سياق إبرام المعاهدة المنتظرة هو موضوع وطني لا يخص الحكومة وحدها أو أي حزب من الأحزاب والكيانات السياسية وإنما يخص كل مكونات الشعب العراقي، والمطلوب في هذا الظرف بالذات بلورة خطاب وطني يغلب مصلحة العراق على كل المصالح الأخرى ليعزز من ثقل الحكومة التفاوضي بهدف الوصول إلى معاهدة بشروط العراق وإلا ستكون المعاهدة بالشروط الأمريكية واعتقد أن إضعاف الحكومة ألان هو دفع في اتجاه ظروف معاهدة بالشروط الأمريكية والعكس صحيح، وعلى الحكومة أن لا تدخر جهدا من اجل تكريس مواطن قوتها الكثيرة وتجاوز نقاط ضعفها القليلة، وهذه مهمة سيكون للإعلام دور بارز فيها. أما في ما يتعلق بمواقف بعض الدول الإقليمية من الاتفاقية، وبالتحديد إيران التي تخشى من أن تكون الاتفاقية واحدة من الوسائل التي ترجح الكفة الأمريكية في الصراع معها، والأمر في ما يبدو مختلف، إذ هناك تأكيد وإجماع وطني على رفض أن تجر هذه المعاهدة العراق إلى التصادم مع أي كان بما في ذلك إيران خدمة للمصلحة الأمريكية فحزب الدعوة الإسلامية، وهو حزب أمينه العام المالكي، شدد في بيان صحفي له على عدم استخدام الأراضي العراقية بأي شكل من الأشكال للقيام بإعمال عسكرية ضد دول الجوار من قبل القوات الأجنبية، وعلى ضرورة التأكيد على السيادة الكاملة للعراق وشعبه وحكومته على أرضه وسمائه ومياهه، وعدم المساس بهذه السيادة أو الانتقاص منها والعمل الجاد على إنهاء تواجد القوات الأجنبية على الأراضي العراقية بأسرع وقت ممكن وعدم توفير قواعد عسكرية دائمة أو طويلة الأمد لهذه القوات، فالموقف الإيراني، والذي يفترض به أن يكون موقفا وطنيا إيرانيا يهدف إلى تحقيق مصلحة الشعب الإيراني، يجب أن يكون داعما للحكومة العراقية في اتجاه إبرام معاهدة بالشروط العراقية، لأن إضعاف الحكومة العراقية الآن في ظل أجواء إقليمية ضاغطة في اتجاه أهداف بعيدة كل البعد عن مصلحة العراق سوف يتمخض عن معاهدة بشروط أمريكية، يظهر الإيرانيون رفضهم العلني لها. والكلمة الأخيرة هي تمن أن لا توقع المعاهدة بالشروط الأمريكية مهما كانت الظروف، لان التاريخ قاض، عادل وقاس.
|