|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية في ترشيد السياسة البشرية - 5 الشخصية بين المدرسة الوضعية و المدرسة الإيمانية
كتابات - د.علي التميمي
كانت أبحاث المدرسة الوضعية في بداية البحث عن الشخصية منذ أيام بندار و هو شاعر غنائي ملحمي يوناني (522-443 ق.م). حيث دارت أبحاث المدرسة الوضعية منذ ذلك التاريخ حول هوميروس و الألياذة و الأورنيسة و الشاعر الملحمي ديمودوكس الذي فقد بصره و منحته ربات الفنون بصيرة الشعراء الإلهية .
و يوضح السينوس موهبة ديمودوكس الشعرية حيث يقول :" ادعوا إلينا أيها الشاعر الإلهي ديمودوكس لأن الرب منحك زيادة على كل الآخرين موهبة الإنشاد ليمتع الناس بشعره أيا ما كان مجال إنشائه .
و لكن هذه الهبة الربانية لم تستثمر في المدرسة الوضعية بمنهج علمي بحثي عن الوجود في كل مراتبه و طبقاته و طبيعة العلاقة فيه , و إنما انغمس الباحثون في اللون الشعري و ألوان الفنون الأخرى بحيث لم يوفقوا حتى لإعطاء اصطلاح كلمة الفن معناها العلمي و سياقها الجمالي بمعنى آخر إن المدرسة الوضعية كان يقودها الشعر إلى حيث يريد في تهويماته و لم تفوده هي الى حيث الحقيقة القائمة على الفكر و التجربة كما فعلت المدرسة الايمانية .
فزهير بن أبي سلمى الذي عاصر ولادة المدرسة الرسالية على يد الرسول محمد (ص) انقاد لتلك المدرسة المباركة و انبهر بها , فكتب يقول :
نبئت أن رسول الله أوعدني و الوعد عند رسول الله مأمول
إن النبي لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
وفي المدرسة الوضعية انتقلت عدوى السطحية في الفنون الى سياق التقليد الذي وقعت فيه الشعوب الضعيفة و المتخلفة و المغلوب على أمرها و لم يعرفوا أن هذا الاصطلاح دخل الى الساحة الثقافية دخولا مرتبكا و متسرعا و على أيدي طلاب و أصحاب المدرسة الوضعية دون حجة فلسفية قوية و بدون أي برهان معرفي بالعلاقة بين الخالق و المخلوق و دون علم بنظرية الأخلاط في مبناها الإيماني و صومعتها العلمية التي أسس أركانها داعي الحق و معلم الإنسانية بعد رسول الله (ص) ذلك هو علي بن أبي طالب لذي قال :" سلوني قبل أن تفقدوني فاني أعلم بطرق السماوات من طرق الأرض" و الذي قال كذلك:" لو شئت لاهتديت الى مصفى العسل و لب القمح!!".
و عيب المدرسة الوضعية أنها ظلت مغلقة على نفسها و على منهجها من أيام الاغريق مرورا بكل مراحل المم الأوروبية التي اختطفها الفكر الوضعي و لم تستقر فيها دعوات موسى و عيسى لأن دعوات الأنبياء (ع) ظهرت في الشرق و حركة الأمم و الناس الذين واكبوا تلك الدعوات لم يتسن لهم الإستقرار و استيعاب تلك الأفكار و الرسائل النبوية السماوية و عناد بني اسرائيل و لجاجتهم هي التي أفسدت أجواء و مناخات تلك المرحلة على الناس أجمع بالاضافة الى غواية الأمم الأخرى التي مرت بها الرسائل السماوية مثل عاد و ثمود و قوم لوط و أصحاب مدين .
و يمكن متابعة هذا الشريط الحركي من خلال التسلسل التاريخي لدعوات الأنبياء:
1-قال تعالى :" لقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ". الآية 59- الأعراف.
و قال تعالى :" فكذبوه فأنجيناه و الذين معه في الفلك و أغرقنا الذين كذبوا بآيتنا إنهم كانوا قوما عمين" الآية 64- الأعراف.
2- " والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون " الآية 65- الأعراف.
3- " و الى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم فذروها تأكل في أرض الله و لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " الآية 73- الأعراف .
4- "فعقروا الناقة و عتوا عن أمر ربهم و قالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين " الآية 77-الأعراف.
5-"ولوطا اذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين"الآية 80-الأعراف
6-"والى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم ان كنتم مؤمنين" الآية 85-الأعراف.
7-" فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" الآية 91- الأعراف.
8-" و قال موسى يا فرعون اني رسول من رب العالمين " الآية 104- الأعراف.
9-" حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني اسرائيل " الآية 105- الأعراف.
10-" وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين " الآية 132- الأعراف.
11-" فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين" الآية 133- الأعراف.
12-"و تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات و أيدناه بروح القدس و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله ما اقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد" الآية 253- البقرة.
هذه المحطات الواسعة للتجربة الانسانية في المعرفة و في العلاقة بين السماء و الأرض منذ آدم (ع) الى نوح و محطة الطوفان الفاصلة الى ابراهيم الذي كان أمة في الناس الى لوط و مدين و ثمود و إرم ذات العماد و الذين جابوا الصخرة بالواد .
ومع تلك المحطات و في تلك التجارب لماذا لا ندرس الإبداع و طبيعة الشخصية و لماذا لا نتعرف على العبقرية باعتبارها صناعة موقف و صناعة انتاج و لماذا تبتعد الدراسات الغربية الأوروبية عن آفاق تلك التجارب .
هل لأن الروح الصهيونية واكبت حركتها منذ البداية و لماذا يذهب الدارسون الى ربات الجمال و الأساطير الاغريقية و تهويمات الشعراء التي لا ترسو على قاعدة انتاج فكري و عقائدي صحيح تطمئن له النفس و ينفتح له القلب دون التوقف عند لحظة الاهتزاز العاطفي و الطربي الذي لا ينتج موقفا معرفيا عن الكون و الحياة؟
كما يحلو للبعض في العراق اليوم حيث تنتهز السطحية الوقف المرتبك للإرهاب و الملطخ و بالدماء و المختزل للخوف , فتحاول أن تتمسك بتهويمات عاطفية لا تزيد الاجتماع العراقي الا ضياعا و تخلفا في الركب الحضاري.
إن اختطاف العالم الى حيث الإلهام غير الحقيقي و الابتعاد عن الالهام الحقيقي الذي مصدره السماء و الذي وضع على أسس موضوعية علمية , فالملائكة هم وجود حقيقي ودورهم في ايصال المعرفة الى مجتمع الأرض هو دور معرفي حقيقي و الأنبياء شهود على ذلك و الكتب السماوية هي العالمة الموضوعية التي بين أيدينا .
قال تعالى :" الحمد لله فاطر السماوات و الأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير " الاية1-سورة فاطر.
والى اللقاء في الحلقة القادمة حول الشخصية المقارنة بين المدرستين الوضعية و الايمانية.
|