الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

5  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

طبائع الشاعر : وكأني قد أضعت الأرض في مشيتها

 

كتابات - عبد الكريم كاظم

 

توطئة ...

أنا لا أستطيع الكتابة عن الشعر بالمطلق النقدي، وأنا أفصل تماماً بين تعاملي مع الشاعر والنص الذي أنظر إليه من الناحية الفنية، ومن زاوية التلقيّ، وإذا أردت أن أكتب عن الشعر انطلاقاً من إحساسي الذاتي وأسلوب استقبالي واستجابتي وطريقة تعاملي مع كل من تجربة الشاعر والنص، وهذا الأخير هو بالنسبة لي مجموعة أشياء متباينة تخلق الدهشة والغبطة والمتعة، لا أستطيع أن أقول أن الشعر ينتهي بموت الشاعر، يبقى للشعر دوره حتى بعد غياب الشاعر، وهو دور هام، ربما على المستوى الفني، لأنه ما زال مصدر إغناء للفنون الأخرى، وللذوق العام، على المستويين الفني والفكري، فهو يزوّدها بأفق يغنيها . حين نقرأ شعراً جاداً ومعرفياً، ويتحلى بجماليات مختلفة عن الجماليات السطحية، وحين يُكتب مثل هذا الشعر المختلف بجمالياته والقادر على إيجاد الإيقاع الروحي والمعرفي والممتع بين الشاعر والمتلقي، فإن ذلك سيكون شبيهاً بمحاولة إحياء الشعر وسيكون أيضاً البديل عن هذا التردي الشعري الذي تفرضه الكتابة الشعرية السائدة وتُغرقنا فيه، وأنا عندما أقول شعر جاد ومعرفي، فإني أحاول أن أضع الشعر في إطار أوسع وجديد، لأن كل تجديد في الكتابة الشعرية، إنما يدخل في إطار الرد على المستهلك والتقليدي والزائف الذي نغرق فيه، وربما الرد على النسيان المتعمد والإهمال المنظّم لبعض الشعراء المبدعين .

تأمل الأسلوب اللغوي وطرقه في أداء وظائفه الشعرية ...

الكتابة الشعرية الحديثة عبارة تظهر كثيراً في الآونة الأخيرة في وسائل النقد والتنظير الشعري وفي طرق التوصيف أيضاً وهي تُستخدم في الخطاب النقدي للدلالة على مجموعة معينة من الكتابات الشعرية التي يحفل بها النقد وقد لا يحفل متعمداً بما فيها تلك التي شكلت يوماً ما جزءاً مهماً من الخارطة الشعرية العربية منذ ظهور مجلة شعر اللبنانية وحتى وقتنا الحاضر وقد ينعكس هذا التجديد في إنتاج شعري يدخل ضمن بيئته المغايرة والمتجاوزة التي تسلط الضوء على آلية تطويع الكتابة الحديثة من خلال إعادة النظر في كيفية استخدام مختلف المعارف الثقافية والفكرية والفنية التي تؤطر لنص شعري ما قد يرضي جموح الشاعر أو خيال المتلقي في تمييز هذا الإنجاز الشعري عن غيره ويحقق في ذات الوقت امتيازاً وتفرداً في طرق وأداء الكتابة الشعرية . قد لا أكون مبالغاً في الحكم على شاعرية كمال سبتي وتطريزه اللفظي أو نصاعة النص الذي يكتبه فقد قرأت كل ما كتبه الشاعر منذ بداياته وحتى لحظة رحيله عنا مرات ومرات دون أن يزيدني ذلك إلا يقيناً بأن الشعر هو الحاضر الأكبر في أغلب النصوص التي كتبها، وهكذا بدت نصوصه الشعرية معرفية ورشيقة وملونة الصور مثلما تمتلك الجمالية والسيولة وحرارة التعبير وتدفقه .

هذه المقدمة الموجزة تقودنا لقراءة مجموعته الشعرية المعنونة (صبراً قالت الطبائع الأربع) . رغم أن عمله الشعري الأخير لكنه ينهض أساساً على نوع شعري ترد فيه قيمة فنية مغايرة تظهر لنا بشكل أساسي داخل البناء الشعري العام ويتم هذا الكشف منذ ملاحظتنا للعنوان، ولعل عنوان هذه المجموعة يدل على كبرى الطباع التي التصقت بكتاباته الشعرية وحياته وسلوكياته في المراحل المبكرة وحرصه على أن يكون الشعر لعباً فنياً ومعرفياً في الجوهر والأسلوب، ولا ننسى ضمن هذا السياق النقدي الإحالات الرمزية والاستعارات التراثية والتضمينات الدينية الفقهية، خصوصاً في قصائده المعنونة (ألمأموم/صخر/خيمياء جابر وجعفر) إضافة إلى بعض الإيماءات القرآنية الموجودة في بعض النصوص من قبيل (ولم تكُ"كما قالوا" بغياً) أو (قل إي وربي) تناسباً مع الآية 53 من سورة يونس كما وردت بعض الاستخدامات اللغوية النادرة في القرآن الكريم مثل(ويكأن) فيقول: (ويكأني قد أضعت الأرض في مشيتها أو قد أضاعتني سريعاً) وهي تلقي بظلالها الجمالية أو سياقها الفكري الذي ينتهي إلى طرح هذا السؤال المركب الموجود في آخر إحدى قصائده: (أنّى كيف، أنّى أين أو أنّى متى) حتى استحالت طباع الشاعر وأسئلته المختلفة إلى نتاج شعري متعدد الأغراض . إن أبرز ما يميز تجربة الشاعر كمال سبتي في هذه المجموعة هو محاولته الجادة لكتابة النص المغاير الذي ينطوي شكلاً ومضموناً على كل المعارف الجمالية التي تستهدف تقويض الأشكال والأطر التقليدية الجاهزة انطلاقاً من رغبته وحرصه الشديدين لكتابة نصوص شعرية تعوّل كثيراً على المعرفة وصفاء المخيلة، ولو دققنا ملياً في قصائد (جلسة قبل الحرب/تلك السعادة غائبة/قصيدة عن الجمال) لاكتشفنا إصراره الجامح على تجاوز كل الأساليب المكرسة التي تدور في فلك السائد والتقليدي .

تتسم نصوص هذه المجموعة بالسمة التجريدية ذات الدلالة المعرفية الصرفة، فأغلب معطياتها وعناصرها وصورها مجردات فكرية تكاد لا تخلو من أي تجربة ذاتية حية أو أي نبضة حسية مفرطة وتحديداً في قصيدة (مروان الحمار، ومروان هذا هو مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين الذي لقب بالحمار لصبره) وقصيدة (ابن رشد) التي يقول فيها: ( فيا أبا الوليد، نحن إذن صنوان في النفي والسعادة) وعليه سنحاول، أيضاً، أن ننطلق في قراءتنا لمجموعته هذه من استنطاق عنوانها "صبراً قالت الطبائع الأربع" الذي ينتهي بتماهٍ مقصود بين الشاعر وطباعه ولنسأل أيضاً: هل هي طبائع الشاعر أم الشعر أم الحياة؟ لنؤسس على هذه الأسئلة موقفاً نقدياً منسجماً وصادقاً مع الخطاب الشعري وعمقه وإلى ما هنالك من أغراض فنية أو تأويله تعبر عن رؤية تتجاوز المستقر والثابت والمحدود .

لا أخفي أن قراءتي الثانية لهذه المجموعة دفعتني إلى إقامة تجوال نقدي في كل المنجز الشعري للشاعر وذلك في محاولة مني لاستيعاب تجربته الشعرية أو استدراك ما فاتني منها فالمفردة الشعرية هنا تعبر عن ظاهرة، تُمثلها، وبالتالي تختزن مضمونها الجمالي والمضمون هنا لا يضرب بجذوره في اللغة الشعرية وحسب إنما يمدها في مجالات أرحب منها تتعلق بالجانب الفكري والفني فضلاً عما تلعبه هذه المفردات من عملية ترميز مكثف لأوضاع وحالات وطبائع تتعلق أيضاً بالترابط الشعري بلغة "جاكوبسون" وهو ترابط التشابه الفني بالمعنيين المجازي والبلاغي ما دفع كمال إلى أن يرى الشعر قابلا وغير قابلاً للتحليل وفق طريقته في الكتابة، ففي هذه المجموعة يأخذنا الشاعر إلى مناطق شعرية جديدة يحاول فيها التقرب من تفاصيلها الأكثر شفافية ورهبة لكنني، في الوقت ذاته، لست أخاله بلغ الرضا الشعري فيما انتهت إليه نصوصه، في هذه المجموعة بالذات، فربما حصل عكس ذلك فالمناطق الشعرية التي أرتحل إليها وفيها تحمل على الحيرة أو على استطراد التجريب الشعري الذي لا حدود له والذي يشكل في الوقت عينه نوعاً مغايراً لا غنى عنه من أجل الممكن من الصفاء الشعري فنياً وجمالياً .

مفهوم الكتابة الشعرية الحديثة لا يخرج عن إطار القصيدة والشاعر عبر تبادل الأدوار بينهما وعلى ضوء هذا الفهم نطرح السؤال التالي: من يمثل الآخر في إطار الكتابة، وهل يمكن كتابة قصيدة واحدة من هذا النوع؟ أنها فكرة شعرية، في الوقت عينه، لا يمكن تحقيقها في الشعر إلا إذا توفرت المعرفة الكاملة بخفايا الكتابة الشعرية، أدواتها ومتطلباتها الفنية وبهذا يعطينا هذا الجواب تحديداً واضحاً لطبيعة الجهد الشعري الذي يمارسه كمال منذ بواكيره الأولى، والواقع أن النص الشعري الذي يكتبه يصهر نفسه ويصبها في قالب جديد أو برؤى الخيال والصور والتنسيق الذي يشكل واحداً من الشروط اللغوية التي تضيف بدورها بعضاً من رهافة الحس الشعري لتعطي لنا، في نهاية الأمر، مضموناً متكاملاً وجريئاً نجمع فيه ما بين عفوية المفردة الرشيقة ومهارة الصنعة الشعرية إذ يجد القارئ المتفحص في نصوص هذه المجموعة نوعاً من الإيهام والمفارقة والتوتر وحتى المقاربة وهذه جميعاً عوامل ذات صلة بالشاعر تسمح لنا أن نتقرى خصائص اللغة الشعرية لديه وتحولها إلى معانٍ كي تتوحد القصيدة لاحقاً وتصبح بناء فنياً يعبر عن موقف الشاعر إزاء اللغة الشعرية ذاتها وبدلاً من طريقة القراءة النقدية التي من شأنها أن تحدد السبيل إلى المعاني ذات الصلة بالموقف الشعري المتكامل ذاته كما يؤكد "رولان بارت" بقوله: (أن التبصر بآفاق النص لا يتأتى إلا من حركته، وبصورة أدق من معرفة المعنى الأساسي، للنص، في صيرورة هذا التبصر القائم على المرويات الذاتية الطافحة بالتجارب) ولست أعتقد أن هناك ما يبعث على الظن بأن الأساس المعرفي الذي قامت عليه نصوص هذه المجموعة يتضمن خرقاً لطبيعة المفردة، الشطر أو الجملة الشعرية للتعبير عن معان مجردة وبهذه الطريقة عمّقَ الشاعر تأثيره الخاص في الكتابة الشعرية، لذلك تتسع القراءة دائماً لكل ما يدفعنا له النقد ولكننا كلما توغّلنا أكثر في شعره كلما تعرَّفنا أكثر إلى حواره وأدركنا مع من يحاور في شعره الحوار الجديَّ المعرفي وهكذا يمضي كمال في مسيرته الشعرية ليقدم لنا، قبل رحيله المفجع، ديواناً جديداً لنمط مغاير للشعر السائد الذي أصاب الكثير من شعراء العربية، وما القصيدة المختلفة سوى الولادة الجديدة التي لا تكتفي بالمعاني بل تتحرك نحو البناء اللغوي الرصين وتسير مع نهجه الإبداعي المتمثل بلغة بليغة فيها متانة السبك وجزالة التعبير وحتى ارتقاءه في طرح الموضوعات والأسئلة وهو القائل: (أنا أتحرى المعاني مثلما أدقق بلغة النص) وحينها ستأتي اللحظة التي سيخرج بها النص خالياً من الزوائد والإحالات الرمزية الغير مبررة التي لا تخدم النص أيضاً ذاك لأنه يندفع بفورة شعرية أنيقة تتفجر في داخله، يقوض بها أركان نصه حتى وأن أستخدم اللغة أو الرمز والتاريخ استخداما ذاتياً خاصاً في معظم نتاجاته الشعرية الأخيرة حيث يصنع منها صوره الذاتية الخاصة ويشحنها بتجربته لينشئ بين مفردات النص علاقات متبادلة تثير الدهشة مثلما تثير الحيرة أيضاً .

في هذه المجموعة، تحديداً، يدفع الشاعر المتلقي أن يتقدم إلى النص الشعري المكتوب مصحوباً بلهيب المخيلة وتفرد الصورة الشعرية وهندسة التناسق الموسيقي الداخلي وكأنه يشعر بمعنى الموسيقى أو كما قال "بودلير": (إنها موسيقى المعنى) فالإيقاع الشعري في هذه المجموعة له مداه المخزون في صداه الموسيقي بين الأوزان المتحررة من عبودية الوزن الخليلي ولكنه في ذات الوقت عمل على بعض الأوزان ـ الكامل والبسيط ـ التي تتناسب مع موسيقاه النفسية وارتباطاتها الداخلية الساخنة حيث الانسياب الإيقاعي يقدم أسباب موسيقى غنائية ومثلما تداخلت الموسيقى الغنائية في ثنايا نصوصه تداخلت الأوزان وهذا الأمر نستطيع التقاطه بمنتهى الدقة في قصيدة (تلك السعادة غائبة/جلسة قبل الحرب) وكأنه يريد أن لا يوهم القارئ بالعودة إلى بعض البدايات في الكتابة الشعرية السائدة التي تستند إلى الوزن فقط، أن هذا العمل الذي قام به الشاعر في مجموعته هذه مرده كما يبدو إلى الرغبة في الإتيان بالإيقاع الموسيقي إلى النص الشعري لمساءلته، فنياً، واستعادة ما هو مكبوت بالشعر وأعتقد أن بعض هذه النصوص قد عمق تجربته في تقديم محاولات شعرية متعددة تجعل من الإيقاع الموسيقي ذاته جزءاً من نسيج النص ومن تركيبته بالقياس إلى القصائد الموزونة الموجودة في شعر الآخرين، وربما كان هذا الأمر جديداً أو فيه شئ جديد، من هنا نستطيع القول أن الشاعر كان على درجة من الثقافة الشعرية أو المعرفة التي تجعل من الشاعر في الوقت عينه أن يرفع الكلفة مع الأشياء المحيطة به وقد انعكست هذه الثقافة وتلك المعرفة على شعره ليس عكساً متعمداً وإنما عكساً ظهر بالتناص كما يقول البنيويون لتنعكس لاحقاً في شعره بصورة واضحة، لنقرأ هذا المقطع الذي يدور في فلك غنائي محض: (جلس الجميع على الأريكة متعبين/الليل والأشجار والجندي والقمر الحزين) .

أحياناً تتعدد القراءات الشعرية التي تمارس سلطانها على النص وهذا التعدد سيولد الحيرة، كما أسلفنا، القائمة في أصل القراءة النقدية بين الطرفين أو سلطتين، سلطة القارئ وسلطة النص فقد يتمدد النص ويتوسع وينتشر حتى يتجاوز المخيلة ويطلق العنان للخيال ليخترق، تالياً، نسيج المعنى الذي يبحث عنه القارئ الأمر الذي يحول النص برمته إلى سلطة أخرى قابضة على المعنى ومتوغلة في نسيجه ومثلما يتحرر الخيال يتحرر الشعر، ألم يقل "بيرغسون": (أن الشعر هو الخيال المتحرر) من هنا نشير إلى امتلاء المخيلة بالصور والمعاني وظلال الألفاظ والجمل الشعرية الباذخة التي تتوالى في النصوص بين إشارة لرمز أو حدث أو تجربة فردية .

 

هوامش:

صبراً قالت الطبائع الأربع/شعر كمال سبتي/دار الجمل/2006

قراءة جديدة للبلاغة القديمة/رولان بارت/أفريقيا الشرق/الدار البيضاء/ط1/1994