الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

5  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

المربد سوق بيع الحمير الذي صار سوقا لشراء الشعراء

 

كتابات - عبد الاله الصائغ

 

الى الكاتب الكبير جاسم المطير

 

يقول اوغسطين انبئني كيف تتعامل مع الزمن انبئك من انت ! ويقول غاستون باشلار انبئني كيف تتعامل مع المكان انبئك من انت ! وعند مقولة باشلار يعن لي ان اتلبث مع المربد بوصفه اسطبلا لبيع البغال والحمير والجمال فتفتقت عبقرية البيت الاموي لتغيير وظيفته من بيع الحيوانات الى بيع المروءات ومن تزاكَط الحمير ورغاء الاباعر الى تشاتم الشعراء ! وكانت الغاية كما يقول غوستاف لوبون في حضارة العرب هي تفتيت المجتمع حتى ينشغل بجروحه وتوافهه عن محاسبة الساسة ! وكان للامويين ما ارادوا فشقوا وحدة الخطاب الثقافي وشغلوا الناس بسفساف الحياة عن هموم الناس وما ازيدها ! وقد استجاب المجتمع البصري وكان عهد ذاك ممثلا للخطابر العراقي فلم تكن بغداد قد بنيت او عرفت بعد ولم تستطع الكوفة الممصرة بذات الوقت مع تمصير البصرة لاسباب كثيرة بينها الاتجاه العروبي للمسلمين والادباء في الكوفة بقيادة كبار الكوفيين نظير الامام النعمان بن ثابت والكسائي والفراء وثعلب والمتنبي ! بينا ساد البصرة نفس فارسي حاول تصفية حساباته مع البيت الاموي العروبي على ارض البصرة ! ذلك لقرب البصرة من فارس من جهة وللارث التي استلمته البصرة عن ميناء الأُبُلَّة الجاهلي حيث كانت الابلة متوفرة على اقلية هندية كبيرة بسبب اعتماد راس المال العراقي عليهم كأيدي عاملة رخيصة وخضيعة ! كانت البصرة على نحو ما عاصمة العراق الثقافية والتجارية  والنحوية والإثنية والسياسية ! حتى قالت الحكماء العراق عين العرب والبصرة عين العراق وهو قول له دلالته الكبيرة ! لكن للسياسة حسابات لا علاقة لها بالابداع فالابداع قداسة والسياسة نجاسة ! والمربد كان الاسطبل الجدير بصناعة خلطة كريهة هي الابداع السياسي ! فظهر ضرب من النفاق القولي لم يكن مألوفا عند العرب ! وبات الدين خضوع الرعية للراعي بعد ان فسر النافقون المتأسلمون قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  .النساء 59 بأن المقصود بأولي الأمر هم الحكام السياسيون ! كما نسب الكذابون قولا الى النبي الامين ص يقول فيه (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)  وزعموا ان اي خليفة واي والي واي وزير واي عامل هو امير يمثل النبي فلايجوز معارضته ! فكانت الناس تقبل يد عامل البصرة من المزارع الى القاضي الى الشاعر الى التاجر بوصفه ظل الله في ارضه ! وحين ابتكر الامويون المنافرة الشعرية ( النقيضة ) ظن الناس ان اؤلي الامر هم ادرى ان كانت المنافرة الشعرية حلالا ام حراما ! وقد غضب النبي الامين اشد الغضب بسبب عقابيل المنافرات التي اصطنعها الجاهليون والمنافرة حرب بين طائفتين قوامها الكلمات وفي هذه الحرب ثمة حكام وجمهور يعد بالآلاف وهتك للاعراض ولعل اشهر منافرة هي منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل فحرم النبي المنافرات واطاع الناس تحريم النبي لكن مكر الامويين ابتكر المنافرة الشعرية وقال ان النبي حرم المنافرة النثرية ولم يحرم المنافرة الشعرية وهذا قول فيه تدليس وافتئأت ! وقد شب ضرام المنافرات الشعرية بحيث كان الناس لاينامون حتى يسمعوا آخر اشعار الهتيكة ! وقد كان المربد مسرحا لفاحشي القول ولمرتزقة السلطة وصنائع التجار ! واغرب من الغريب ان عقلية النظام البعثي تفتقت عن بعث رفات اسطبل المربد وظن البعض ان ذلك تكريم لثغر العراق البصرة الفيحاء ! وما مر بخاطر المرحبين ببعث المربد لماذا لم تختر حكومة البعث اسما بصريا مثل مؤتمر الفراهيدي او الجاحظ  او اخوان الصفاء او الأُبُلَّة او السياب والقائمة طويلة فقد كانت البصرة ومازالت ولودا للعبقريات ! ولكن وراء الأكمة ما وراءها ! فدشن المربد بواكيره بدعوة مرتزقة العرب والعراقيين وكانت سور المديح تتنزل في صدام حسين والبعث ! وكان مجرد ان يفتح كاتب فمه مقترحا تغيير اسم المربد حتى تنهال عليه اللعنات والتهديدات واقلها انه فارسي مجوسي شعوبي حاقد ! بل ان احد شعراء المربد البعثيين اجتمع بالأدباء العراقيين وقال لهم بالحرف الواحد ان الذي يعترض على شغلنا الثقافي سوف يمتليء فمه دخانا واشار الى مسدسه ! فما المطلوب منا اليوم ؟ المطلوب شيء من الشجاعة والتجاوب من السلطة الثقافية في العراق وهي قسمة بين وزارة الاعلام ذات الحصة الاكبر واتحاد الادباء العراقيين ذي الحصة الصغرى ! من اجل احترام الفكر العراقي والاصغاء الى عشرات المقالات التي حذرت من ابتلاع الطعم الاموي البعثي لصناعة ثقافة موبوءة !

مالذي اسسه المربد الاموي ؟ حتى نعتز به الى درجة ان يعدم راس النظام البعثي ويبقى المنجز البعثي متداولا بيننا بما يوجع الذاكرة الجمعية للثقافة العراقية !

نماذج من اخلاقيات شعراء المربد :

يمكن القول ان الامويين وجدو في الشاعر جرير بن عطية الخطفي ولد في اليمامة سنة 653 م من اب وضيع خامل بخيل وام شعثاء تدعى حقة الكلبية وقد تقرب من عبد الملك بن مروان حين حدس رغبة ابن مروان في الحصول على ولاء شاعر مطيع وقد شجعه عبد الملك على هحجاء خصوم البيت الاموي هجاء مشينا فهجا جرير عبد الله بن الزبير فاجازه عبد الملك بالف الف درهم وبعد وفاة عبد الملك اتصل بولده الوليد وقد شجعه الوليد على هجاء عدي بن الرقاع شاعر الوليد مستغلا انتماء جرير لمضر وانتماء عدي لقحطان وهكذا ثارت فتنة مهلكة بين قبيلتي مضر وقحطان ! ومن خلال الوليد بن عبد المطلب اتصل جرير بالحجاج بن يوسفر والي العراق وكان الحجاج يعطي جريرا قائمة بخصومه السياسيين واسماء بناتهم واخواتهم وزوجاتهم لكي يطعن في اعراضهم وكان جرير مخلصا في تلبية رغبات الحجاج المهلكة وقد نال الناس على يدي جرير ظلم كبير ولا احد يستطيع الرد على جرير خشية غضب الحجاج ولكن موت الحجاج المفاجيء جعل جرير يندب حظه فلقد مات عبد الملك بن مروان ثم مات ولده الوليد بن عبد الملك ثم مات الحجاج الثقفي فالى اين يمضي وحين بويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة امتدحه جرير بقصيدة ويذكر المؤرخون ان عمرا لم يكتف بان قال لجرير كف عن مديحي ولم يعطه اية عطية بل امر حجابه بطرده وعدم السماح له بالدخول ثانية وهلك جرير بعد ان بلغ التسعين والدرس الوجودي ان جرير والفرزدق ماتا في ذات العام وهو 110 وقد بلغ الغرور بجرير مبلغا مشينا حتى انه قال امام عبد الملك بن مروان :

انا الموت الذي اتي اليكم   فليس لهارب مني نجاء

وفي موضع ثان يصف جرير خصومه بالاباعر الجرباء فيقول :

داويت بالقطران عر جلودهم   حتى برأن وكن غير براء

قرنتهم فتقطعت انفاسهم    ويبصبصون اذا رفعت حدائي

خزي الفرزدق والاخيطل قبله والبارقي وراكب القصواء

ولأعوري نبهان كأس مرة  ولتيم برزة قد قضيت قضائي

وبنو البعيث ذكرت حمرة امهم   فشفيت نفسي من بني الحمراء .

واصغ الى جرير وهو يشجع الحجاج على حمامات الدم والفتك بالعراقيين :

دعا الحجاج مثل دعاء نوح   فاسمع ذا المعارج فاستجابا

صبرلات النفس يا ابن ابي عقيل  محافظة فكيف ترى الثوابا

ولو لم يرض ربك لم ينزل   مع النصر الملائكة الغضابا

اذا سعر الخليفة نار حرب   رأى الحجاج اثقبها شهابا

عفاريت العراق شفيت منهم   فامسوا خاضعين لك الرقابا

وانظر الى جرير يهجو قبيلة صبير بن يربوع بتوجيه من الخليفة فيقول :

اما صبير فان قلوا وان لؤموا   فلست هاجيهمو ما حنت النيب

اما الرجال فجعلان ونسوتهم   مثل القنافذ لاحسن ولا طيب

ولبني حنيفة يقول هكذا :

ابني حنيفة احكموا سفهاءكم  اني اخاف عليكمو ان اغضبا

ولقد اثار جرير الغطفي فتنة شعواء بين السنة والشيعة ذهب ضحيتها المئات وبين الامويين والبيت العباسي وبين المسلمين والمسيح ! وكان الاخطل شاعرا مسيحيا وقد وجه الخليفة جريرا ليهجوه ويهجو ديانته وكان الاخطل مهذبا لايرد شتائم جرير للمسيح بمثلها وهكذا حرض جرير المربد الناس ضد المسيح !!

تعذرت ياخنزير تغلب بعدما   علقت بحبلي ذي معاسرة شغب

الم تر قيسا قيس عيلان دمروا   خنازير بين الشرعبية والدرب

ستعلم ما يغني الصليب اذا غدت   كتائب قيس كالمهنأة الجرب

لعلك خنزير الكناسة فاخر  اذا مضر منها تسامى بنو الحرب

تصليت بالنار التي يصطلي بها   فارداك فيها وافتدى بك من حربي

قفيرة حزب للنصارى وجعثن   وامسى الكرام الغالبون وهم حزبي

وقال :

قبح الاله وجوه تغلب كلما   حج الحجيج ةوكبروا اهلالا

عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد   وبجبرئيل وكذبوا ميكالا

وانظر الى البذاءات التي صارت لغة الشارع المربدي

قتل الزبير وانت عاقد حبوة   قبحا لحبوتك التي لم تحلل

لاتذكروا حلل الملوك فانكم   بعد الزبير كحائض لم تغسل

او قوله

والتغلبي اذا تنحنح للقرى   حك استه وتمثل الامثالا

ولم ينج الزنج وكانوا اكثرية في البصرة فهو لايهجوهم لانهم في زعمه اقل من الهجاء بل يجعلهم مضرب المثل في الاصل غير الكريم

لاتطلبن خؤولة من تغلب    فالزنج اكرم منهمو اخولا

فائــــدة

وجاء في الفصل الرابع من كتابنا الخطاب الابداعي الجاهلي القدامة وتحليل النص وعنوانه  حوار الاسواق القديمة مع  الابداع ص 188 طبعة المركز الثقافي العربي بيروت 1997 المربد زنة المنبر سوق بصري مشهور بعد الإسلام ولعله ورث جمهور سوق الابلة  الجاهلي وأُبُلَّة   اسم البصرة قبل تمصيرها وكان المربد زريبة وسوقا لبيع الحمير والبغال والابل والاغنام ! وقد تخرب مرات ومرات كانه يحاكي خرابات البصرة .  وقد ارتاده شعراء البصرة بخاصة وشعراء العراق بعامة مثل الفرزدق وجرير والاخطل وذي الرمَّة والراعي النميري والخبز ارزي وابن لنكك  دخل نصر الحميري على ابي الحسين بن المثنى فقال له يا ابا القاسم ماقلت في حريق المربد فقال له ما قلت شيئا ولكني ارتجل لك ها الشعر :

فيامربديون ناشدتكم   على انني منكمو مجهد

جرى نفسي صعدا نحوكم   فمن اجله احترق المربد

ودخل بدوي سوق المربد فتقزز منه وقال :

هل الله في واد ببصرة مخرجي   فاصبح لاتبدو لعيني قصورها

واصبح قد جاوزت سيحان سالما  واسلمني اسواقها وجسورها

ومربدها المذري علينا ترابه   اذا سحجت ابغالها وحميرها

فنضحي بها غبر الرؤوس كاننا  اناسي موتى نبشتها قبورها

الخلاصة : ثمة الكثير الذي يكون ملفا من آلاف الصفحات التي تؤكد ان فكرة المربد فكرة سلطوية تسعى الى بث الفرقة والتجهيل وتصفية كرامات رجال المعارضة هذا في سالف الزمان اما في عهد البعث فحدث ولا حرج ولست ادري مسوغ تشبث المسؤولين باسم المربد ونرجح تسميته مهرجان البصرة او الجاحظ او اخوان الصفاء او الفراهيدي او السياب او البريكان او محمد خضير وقائمة المبدعين طويلة . وغريب حقا ان يروق المربد لنزار قباني ويبتلع الطعم فيرى المربد نموذجا عاليا والله في خلقه شؤون :

كسر المربد  هذا العام  عمود الشعر

وضع النقطة فوق السطر

كسر الشكل المعماريّ

وكسر الإيقاع الحجري

وكسر الطرب التقليدي

وأوقف هز البطن .. وهز الخصر

طرد الشعرَ الواقفَ كالبهلول على باب السلطان

ألغى البيعَ .. وألغى الرهن ..

وألغى استئجار الكلمات

يا سادة:

ليس هنالك شعر يخرج من جيب الحكام

أو ثمةَ سوق سوداء ..

تتعاطى بيع الرأي ِ ، وبيعَ الأحرف ِ، والأقلامْ

يا سادة :

كيف يقول العربُ الشعرَ؟

وقد سرقوا منا الأحلام ؟

فنظامٌ يكسر ُ أضلعنا

ونظام يكسر أرجلنا

ونظام يأخذ منا الصوفَ ،

ويحلبنا مثلَ الأغنام ..

أصحيح أنّا من أحفاد المتنبي ؟

أو أنّا من أحفاد أبي تمام؟

فلماذا يمشي غيري فوق الورد ..

وأمشي ما بين الألغام ؟

رحم الله القباني وسواه من مدمني مهرجانات المربد ! فقد كانوا يزورون العراق فتتشكل لجان لمرافقتهم والانفاق عليهم فهم معذورون اذا كانوا يجهلون الكثير عن فضائح المربد .

 

مشيغن المحروسة

الرابع من جون حزيران 2008.