|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 حزيران 2008 |
|
يوم الظلة
كتابات - برهان المفتي
لا يُذكر ذلك التاريخ أبداً، ولكن المؤكد أن الجميع قد أتخذوا القرار نفسه، أن يركضوا جميعاً. كان قراراً غير مسبوق. وقال الناس في أسبابه أقوالا كثيرة. ربما كانوا يركضون لأختزال زمن الوصول، وربما حب التغيير دفعهم إلى ذلك، او لئلا ينتبه أحد إلى الآخر جيداً. ولكن ما لم يقله الناس أنهم فعلوا ذلك كي يهربوا من ظلهم اللصيق. فقبل هذا القرار، تلبست الناس - هناك – ظلالهم التي كانوا صناعها، كانوا يصنعونها في أحيان كثيرة أكبر من حجمهم ويتيهون فيها. بل أنهم في مرات كصيرة شاهدوا غير واحد منهم في الظل نفسه، ولم يفطن أحدهم في أي ظل كان يسير. كانوا بارعين في تلك الصناعة الذاتية، حتى أنك لا تعرف أحقيقة هي حياتهم أم وهم وظلال؟ تلك كانت ميزتهم التي – ربما – تسببت في الوصول إلى النهاية. لقد أضاع الناس أنفسهم.. ظلهم لا أعلم. ولكن الذي نقل إلينا ما حدث – إن كان صادقاً – قال: عندما كان أولئك الناس ينتظرون قرص الشمس أن يطلع عليهم ليروا حجوم ظلالهم وما صنعوا فيها في امسهم لكي يجعلوها أكبر، في ذلك الصباح الغائب كانت الأرض كلها ظلالاً وقد تشلبكت الظلال فيما بينها وأصبحت ظلاً واحداص لا يعرف صاحبه وكلّ يدّعي أنه له، فكان ذلك القرار. الكل يهرب.. يهرب لكي يثبت عائدية الظل الذي يلازمه. ولأن الظل واحد، لم يستطع أحد التحرر منه، أبتلعهم جميعاً في ظلمة واحدة وأصبح الظل ظلاماً والكل يحاول النجاة هروباً. تصادما فيما بينهم وأزدات سرعتهم ولم يكن بوسع أحدهم أن يمّيز نفسه من الآخر، او حقيقته من الظل، وأصبحت سرعتهم كبيرة جدا وغير مرئيين، والأرض يغلفها ظلام ظلالهم. أصبحوا غيمة تصعد شيئاً فشيئاً إلى السماء، اقتربوا من قرص الشمس. وعندما أحاطوا بها إحاطة كاملة، كان الظل هو الحقيقة.
نشرت في بغداد جريدة الإعلام 14/3/2001
|