|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية في ترشيد السياسة البشرية - 4 ظاهرة الإنفعال في الفكر البشري و علاقتها بنظرية الأخلاط
كتابات - د.علي التميمي
الإنفعال هو ظاهرة نفسية وعقلية في آن واحد , فهو تعبير عن الدهشة تارة و تعبير عن الاعجاب الشديد تارة أخرى , وهي كذلك تعبير عن العصبية و التوتر . فالدهشة و الإعجاب تحدث تجاه الأشياء و المظاهر الجميلة, الجذابة و المفاجئة و هي تتعلق بالجانب الجمالي الذوقي ذي الخلفيات المعرفية التي تدغدغ الخيال و الحس الجمالي الذوقي لدى الانسان .
فالقصيدة الشعرية الجميلة التي تحرك المشاعر تجلب الدهشة و الاعجاب , و اللوحة الفنية في الرسم كذلك و المناظر الطبيعية الخلابة لها نفس التأثير , بينما السلوك غير الطبيعي و الحوارات العقيمة هي منشأ للتوتر و العصبية ولاسيما التناقضات الفكرية الحادة , و لذلك يقول الشاعر :" أدهى المصائب في الدنيا و أعظمها عقل يرى الشيء مقلوبا و معكوسا ".
و يقول الله تعالى :" ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم ".
والإختلاف في تفاصيل الموقف الحياتي هو نصيب الذين لم يتمكنوا من البناء النفسي و تقويم الشخصية على قاعدة الخلاط و ضوابطها في العقل .
فالتركيب البشري للشخصية يحتوي على نسبة بشكل رمزي من الطين اللازب و الحمأ المسنون و هي أخلاط الطبقات الأرضية كافة , و هذه الأخلاط هي التعبير الرمزي عن محتوى الشخصية.
فالسباخ نوع من أنواع الأرض التي كثرت أملاحها و قل خصبها , فهي غير منتجة. و الرمل هي الطبقة من الأرض الرخوة التي تذروها الرياح فهي متحركة ولا تثبيت فيها إلا للقليل و التربة الطينية الغنية بالمعادن و العناصر هي مكان الخصب و الزرع و النماء إذا توفرت لها الأسباب من ماء و شمس و هواء. و الكلس هو نوع من الأرض الصلبة التي لا ينمو فيها إلا النادر من النباتات و الشجر . فمن الصلابة إلى الرخاوة و الهشاشة الى السباخ تتنوع جبلة الانسان , فيصبح الرخو بفضل العقل متماسكا قويا , و يصبح الصلد الجامد بفضل العقل طريا لينا و هذا مما يسبق نظريات علم النفس المعاصر التي شبهت أنواع الشخصية تجاه الحدث الصعب و سمته لهيب العمل .
فلهيب العمل لدى أصحاب النظرية الوضعية قد يصل بالشخصية الى حد الإعياء و الإجهاد و الإحباط ثم الوقوع باليأس و الأمراض النفسية و هي كثيرة , و يضربون لذلك الأمثلة الآتية :
دمى من حديد , دمى من زجاج , دمى من اسفنج , فعندما نضرب الأولى ترجع صدى الرنين و الصلابة و التحمل و عندما نضرب الثانية تتهشم و تتكسر أمام شدة الضربات و عندما نضرب الثالثة تمتص الضربة . و النظرية الإيمانية في التحليل النفسي التي تستعمل نظرية الأخلاط تعتمد على أصل علمي تكويني واقعي و على أسس موضوعية .
فالعقل أساس موضوعي واقعي حاصل بالتربية و المران و التعلم , و حاصل في أصل التكوين و الكشف عنه يحتاج الى خبرة و تجربة و عمل و ليس أمرا افتراضيا وهميا. و العمل على هذا الأساس ينتج لنا مادة للسلوك و للأخلاق و للعلاقات و للمعرفة.
فالعقل هو صمام الأمان في الحفاظ على تركيب الشخصية و خط سيرها و يعطيها دورا في مسار الحياة الذي يمكن اكتسابه بالمعرفة . و تعفيه من مهمة الولوج في الغيب و علومه , فالعمل من خلال نظرية الخلق و الشرافة الإلهية و الاستخلاف في إعمار الأرض و إدارة الحياة الاجتماعية تضع الشوط ضمن شروط فيها المعاناة و فيها تفاصيل الوظيفة التكوينية و هي العبادة:" ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون"
و فيها تفاصيل الحياة الدنيا و تفاصيل الحياة الأخروية و فيها الجزاء و العقاب و الثمن المرتجى, ووضوح هذه الأبعاد و تلك المعاني يجعل من الحياة و المسؤولية فيها أمرا معروفا مرتبطا بأصل العمل و طبيعته. و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هي حالة معرفية و تعبير عن تحمل المسؤولية و البناء الحقيقي يبدأ من هذه المشارف .
وما يغيب عن الانسان في هذا الصدد هو عزم الأمور أحسنها و أخلصها و أصفاها في الحياة , فهو استقامة وهو جهاد و هو مشترك اجتماعي مع الكل .
و عزم الأمور هو قول للحقيقة و نهج للصلاح و هو ليس تزويرا للانتخابات و لا حكرا للسلطة و لا تفضيل الحواشي و المقربين لأن عزم الأمور في الشخصية السوية هو بناء و تقدم و معرفة بالخلق و بالخالق , و عندما تتوفر الشخصية على مستوى من عزم الأمور لا يبقى فيها شك و لا أرق و لا خوف و لا قلق و لا كآبة و لا خيانة ولا شراهة ولا أنانية و لا حسد و لا بغضاء .
ومن هنا تكون المشاريع السياسية لدى الشخصية صاحبة عزم الأمور هي مشاريع ناجحة قريبة الى نفوس الناس.
ومن هنا نرى ان عزم الأمور هو صناعة جديدة للشخصية العالمية حيث يكون لهيب العمل كسلاح في سبيل الله و مشاركة الآخرين في السراء و الضراء. ومن خلال عزم الأمور نعرف أسباب تفكك المجتمعات و تأخرها و أسباب تقدمها و عزم الأمور أن لا تخضع لسطوة السلطات و لا تخشى الدكتاتوريات و أهل الجبروت و لكنك تحتاط منهم و تتحاشى بطشهم و ذلك من خلال خطة واعدة:" و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة"
و عزم الأمور هو ان تكون صاحب هدف و لديك خطة للعمل و الإنجاز و لديك تنظيم لأمورك و أمور الناس و المجتمع الذي تعيش فيه :" من أصبح و أمسلى لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"
و اهل العلم يقولون :" ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط"
و عند هذه المحطات لا يعود هناك إجهاد في العمل أو يأس او لهيب محرق و انما يتحول لهيب العمل الى أمل و خطة و هدف و هذا الأصل لا يغادر نفس و عقل صاحب العمل لأنه يعمل في إطار المجتمع المخلوق من قبل الله و يعمل في محيط الكون المصنع من قبل الله وماضي الى حياة أخرى مصنوعة من قبل الله , فهو يعيش الإطمئنان لأن الله معه في كل الأحوال و الحالات في الممكنات و في الواقعيات الفعلية و في الحال و الاستقبال و هذا الشعور يجعل العامل هو كادح نحو الأفضل و مطمئن بالأمل الذي يغمره حقيقية فلا خيبة و لا تشاؤم و لا كآبة فلهيب العمل عند الشخصية الايمانية هو إجهاد للعضلات و الفسلجة فقط التي يمكن مساعدتها بالراحة و الاستراحة .
يقول الامام علي (ع): " روحوا أنفسكم فإنها تكل كما تكل الأبدان " و راحة النفس بالسياحة في ملكوت السماوات و الأرض و بالرجوع الى الله في كل الحالات و بالمعرفة بالعمل و بالرزق و بالأجل و بالله اولا و أخيرا.
"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي " .
والى اللقاء في الحلقة القادمة.
|