|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 حزيران 2008 |
|
قراءة نقدية : في قصيــدتـــين للشاعر ( حميد قــاسم )
كتابات - حسين سرمك حسن
تبقى لقصيدة (حميد قاسم) نكهة شعرية خاصة مستمدّة من بصمته الشعرية الخاصة التي قلت وأقول بلا تردد أن حميدا قد رسمها على جسد الخارطة الشعرية العراقية - راجع دراستنا الطويلة عن قصيدته ( كآبة بغداد ) والتي نشرت في صحيفة الزمان الشهر الماضي -. ومنذ قصائده الأولى كشف هذا الشاعر عن فهم مقتدر لاشتراطات قصيدة النثر التي تتعرض - من وجهة نظري - للامتهان والابتذال من قبل الكثيرين ممن يكتبونها الآن ، فحوّلوها الى قصيدة أبيات ( أو بيت صورة )منضدة الواحد فوق الآخر فسقطوا في ما كانوا يعيبونه على القصيدة العمودية . ومثلما كان بامكاننا أن نقدم ونؤخر في أبيات القصيدة العمودية فإن بمقدورنا أن نتلاعب بأبيات قصيدة النثر التي يكتبها الكثيرون الآن دون أن يحصل خلل جوهري في بنائها . لكن قصيدة حميد محكمة النسيج ..ومن غير الممكن التلاعب بتسلسل أبياتها دون أن نكون قد قرّرنا إهارة معمارها تماما. والعامل الأساسي في ذلك هو استثمار قوة الروح السردية في إحكام الصلات بين أجزاء النص .ثم هذه الرشاقة في قصيدة حميد -وهذا ما يتضح في ( قصيدتان )، الصباح الجديد 6/آيار /2008- حيث كل مفردة محسوبة وفي موضعها بلا استطالات أو ( لغوة ) شعرية زائدة أصابتنا بالغثيان الشعري هذه الأيام . في ( كنت أوشك ) تظهر الصنعة والروح الاحترافية العالية لدى حميد .يستهلها بالقول ( الناس يفكرون بالفالنتين -كلهم يفكرون به -وأنا أفكر بك )فيضعنا في قلب مقابلة مربكة ،إذ ما هو المضاف والمغاير حين يفكر الناس بالفالنتين في الوقت الذي يفكر فيه الشاعر بحبيبته ؟ تأتي المفارقة أولا من الثقل الزمني فهو يفكر فيها منذ سبعة أيام طويلة أمضاها وهو يفكر ( بالقبلة ) التي أوشك أن يباغت شفتيها بها .. ثم يتصاعد إيقاع المفارقة الجارح من خلال لعبة ( التضاد ) التي برع بها حميد كثيرا حيث تتضاعف طعنات الخيبة حين يفعّل أسى الشفتين اليابستين بغشاوة الدمع المغلفة للنظرة الكسيرة المتعاطفة .. إن هذا الإنجراح الموغل في الأذى ..يتضاعف حتى لو لم يكن أحد من المتلقين يعرف ماهو مضمون أغنية ( بوب مارلي ) ..يكفي أنها كانت تجرح الفضاء آنذاك : (بالقبلة التي أوشكت أن أباغت شفتيك بها - وأنت تنظرين إلى شفتي اليابستين - بعينين يغشاهما الدمع - فيما أغنية بوب مارلي تجرح الفضاء )..فما الذي يربط الشاعر بالناس الذين يفكرون بالفالنتين ؟ لا شيء .. بل على العكس من أجواء العشق الرخيّة التي نتوقعها مرتبطة بهذا الطقس عادة تحل على مشاعرنا خيمة اكتئاب سوداء خانقة ..القصيدة بأكملها مبنية من حجارة الإحباط ..حجر خيبة أسود فوق حجر خيبة أسود آخر ..وكل أماني الشاعر ورغباته هي مشروعات مجهضة يسوقها الفعل ( أوشك ) ويقوّض اندفاعتها الملتهبة الحرف المميت ( لولا ) الذي ييسّر دوره النحويون حين يصفونه ببساطة : ( لولا هي حرف امتناع لوجود فإذا قلت : لولا المطر ليبس الزرع فإن هذا يعني امتناع يبس الزرع لوجود المطر ..الخ )..لولا هنا هي خلاصة كل جلال تلك الطعنة المميتة التي أودت بالحفزة الغرامية التي لم تتعد أصلا ساحة النوايا البيضاء المسمومة ..( كنت أوشك أن أميل برأسي نحوك - لولا أن امرأة أخرى كانت تحدّق في عينيك - تفكر ببيتها الذي ينأى بعيدا .. مع الأغنية ). وتتحقق الصنعة من خلال لعبة (التفكير) ..فمن الناس الذين يفكرون بالفالنتين ..كلهم يفكرون به ..مرورا بتفكير الشاعر بالقبلة المباغتة .. فالتعبير المجازي الهائل الذي يحول النظرة المنذهلة المغلفة بغشاوة الدمع الى عملية ( تفكيرية )..ثم تفكير الشاعر بأن يميل نحو حبيبته برأسه ..وانتهاء بانتقال عملية التفكير من سماء التجريد القلقة إلى أرضية التفكير كفعل صادم لا هوادة فيه يؤسّس للخيبة الماحقة ..لتختصر المقابلة الفعلية بين الناس الذين يفكرون ، كلهم ، بالفالنتين في انتظار لحظات استرخاء وتحلّل ومداورة مشاعر وبين تلك المرأة التي تفكر ببيتها الذي سينأى بعيدا ..ليس مع الأغنية -كما يؤكد الشاعر في مناورة ماكرة حاول تمريرها من خلال الحرف ( لولا ) - ولكن مع نداء الغريزة ..غريزته .. غريزة الشاعر الآثم .. ذلك النداء الذي ( أوشك ) أن يتمظهر من خلال القبلة التي أوشك أن يطبعها على شفتي المرأة المنافسة ..والتفكير بالشيء في اللاشعور مساو لتنفيذه ،وهذا ما يتحقق بصورة مضلّلة في القصيدة الثانية : ( وداع ) التي يصمّم الشاعر عنوانها بذكاء ودراية ليس مثل قصيدته السابقة ( كنت أوشك ) التي حكمتها النزعة ( الوشيكة ) والنوايا التفكيرية من بدايتها حتى نهايتها بل مثل أغلب قصائده التي يكون عنوانها هو مفتاح مخططها التفصيلي . والوداع في هذه القصيدة مرير ومميت ..فهو يأتي بعد تمهيد رومانسي يفتتح بتلك الروح التحرّشية التي تحدثت عنها في دراستي السابقة ، روح تحرّشية وصمت السلوك الشعري لجيل مخلفات الحروب الشعري :( لست أقل مهارة من الله -حين تمدّين يدك إلى الكأس - وتسألينني عن الرقص ) . ومن الله إلى (الدغل)الذي ( يسمع ) الشاعر نموّه أسفل بطن حبيبته .. خالقا إيحاءات باهضة باللذة تشتبك فيها رموز الخصب المستقاة من روح الدور الأنثوي : الدغل ، المطر ، بطن الأنثى ،الكأس ،لتشكّل صورة استدراجية أخّاذة ،تنصب لاستجابة المتلقي كمينا إدراكيا محكما ..يغوي الوحش الغريزي النائم بنهضة جامحة يكتسح بها الدغل النامي ببطء تحت المطر.. لكن شبح الخراب والموت والوداع والخواء الذي يلاحق حميدا أينما حلّ ؛ في بغداد أوفي أبي ظبي أو في الجنة .. مكتوب عليه أن يكون وكيلا لأحزان جيل .. وليس غريبا أن حميدا لا يمتلك أي قصيدة ذات نهاية مفرحة حسب متابعتي لمنجزه الشعري ( ولو كانت لديه قصيدة مفرحة لما عدّ شاعرا عراقيا فهذا هو الذي قصده كافافي حين قال حياتك خراب أينما حللت )هذا الوحش يكتسح لحظة الهناءة الوجيزة والمتخيّلة ليمحقها بلا رحمة : ( فاصطنعت الضحك - وأنا أركن دراجتي الهوائية - قبل أن أودعك في موقف الباصات - الذي رأيت فيه حياتي - تضطرب فوق رصيفه - مثل ورقة كلينكس ) ..(ويحتاج رمز الدرّاجة الهوائية الذي يتكرر كثيرا في شعر حميد إلى وقفة ) لكنني أقول أخيرا: أيها الأصدقاء هذا الشعر ..بسيط وثري .. وسهل ومعقّد وخال من الألعاب اللغوية والصـورية ولكنه يـزرع في روحك غصة لن تبرأ منها أبدا.
كنت أوشك الناس يفكرون بالفالنتاين كلهم يفكرون به وأنا أفكر بك، منذ سبعة أيام طويلة بالقبلة التي أوشكت أن أباغت شفتيك بها وأنت تنظرين إلى شفتي اليابستين بعينين مندهشتين، يغشاهما الدمع فيما أغنية بوب مارلي تجرح الفضاء كنت أوشك أن أميل رأسي نحوك لولا أن امرأة أخرى كانت تحدق في عينيك تفكر ببيتها الذي ينأى بعيداً مع الأغنية.
وداع
لستِ أقل مهارة من الله حين تمدين يدك إلى الكأس، أو تسألينني عن الرقص فيما أسمع الدغل ينمو بطيئاً، أسفل بطنك، كلما غنيتُ لك وحدك في مدخل البار كنت قادرة على الإرتطام بالمطر لكنك أقل مهارة منه، فاصطنعت الضحك، وأنا أركن دراجتي الهوائية قبل أن أودعك، في موقف الباصات الذي رأيت فيه حياتي تضطرب فوق رصيفه مثل ورقة كلينكس .
|