الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

3  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

ليلة ظهور الثور ، كتابة في فضاء مفتوح

 

كتابات - علي الإسكندري

 

إجتهد كثيرا وهو يحاول إطفاء الجمرات الفتية التي تـتوحّم بالقلق لدى سجـّانه المريض بالزنوجة  فأومأ له عبر علبته الهندسية المرصّعة بالا سلاك والعدسات اللاقطة لـيُطمـئنهُ بـأنـّه لم يعد كسابق عهده يتمتّغ بحسّهِ الدونكشوتي  الخارق وأنّه ألان ليس سوى كومة من السخام المهملة،لم يأبه لحوافر العزلة الهائلة ولا لتلك الأجواق التي تـُتــْخـم الممرات بالجلبة والرطانة

وهو الذي ألـِفَ ذينك الحالين أيام جلوسه على  عرش السراب ،أيام لم يكن له شريك في فرائسه الطازجة وكعـكتهِ الـدَسـِـمة  ،وحين أدرك أنّ الحرسي الملوّن غارق في شراسة عذاباته  اللونية وانه لن يحظى بانتباهة من خرزتــَي  عينيه اللامعتين إتخذ من حوصلة الزاوية البعيدة مَدْفـَنا لخيباته ومهادا لاستذكار أعوامه الخوالي ولياليه المجيدة ، تـذكـّر صباه واليرابيع التي كانت طرائده المفـضّـلة في الوهـاد ليحظى بوجبة تدفع عـنه مخالب الجوع ..

ابويه وقد تركاه نهبا لاقانيم الوحشة بعد أن ورطاه بِـشَـرَكِ الوجود.. تـذكّر تفاصيل وأحداث

إستـلـّها من براثن ذاكرته الخيطية المـُلتـَـبسة حتى اصطدم بوجه تلك العرافة العجوز التي التقاها ذات فراغ من فراغات شبابه  الغابر حينها اشارت له بسبابتها نحو السماء لتــُبـصّرهُ

بطالعه المخبوء وما ستؤول إليه رشقات سنواته قالت له آنـذاك..

ـ ( من هنا سوف تظهر نجمة صغيرة بحجم الكف ثم تكبر رويدا رويدا ربما هي نجمتك لكنها

سرعان ماتـنطفيء بعد ان تفركها آفة جبارة تسبح في محيط الفضاء )

ألقت عليه خنجر لعنتها وتركته في بحر من السؤال، منذ تلك الشـرارة وهو يخامره قلق جارف وريـبة مدمرة بكل ما يحيطه من بشر وموجـودات حتى تحـوّل ذلك الوسواس إلى مرض عضـال إستـشرى في أعماقه المظلمة حتى لحظة نزوحه من حصونه المغلقة إلى علبته الهندسية المدفونة في أحشاء الأرض ،علقت تلك النبوءة في ألياف ذهـنهِ حتى وهو يسبح في بحور أوهامه ويسرح مع غزلانـهِ ووحوشهِ في البراري المتموجة وغالبا ماكان يجول بمقلتيهِ

في شاشة السماء حتى وهو في رابعة النهار  لالـيـتـَبـرّكَ بـبركاتها لكن ليراقب ظهور تلك الآفة المزعومة والتي شرخت مرآة حياته إلى أخاديد وصور مشوهة .

تذكر رؤوس التماسيح والنمور والدببة المحنطة والبرك الحمراء التي كان يخوض فيها عاريا

الأجساد الواهنة في متاهات دهاليزه ... بـنـادق الصيد الفاخرة.. سلوقـيـّاتهِ الثلاث الأثيرة الى نفسه تذكر خصومه الذين ابتلعهم واحدا تلو الآخر.. أناشيده الكاردينالية..اجنحة الحريم والمحظيات تذكر كل ذلك الكون من السراب العائم وبدا كأنه يثـقب جدران زاويته الرطبة بمخالب عينيه الحادتين وكأنهما كرتان من الجحيم

خدر لـذيـذ تسرّب إلى جمجمتهِ التي هدأ مرجلها قـليلا وهو يمسح خيـوط ذاكرته اللعـوب

ويستعيد فقاعات ذلك العصر الذي إنفرط عقده مثل مسبحة واهنة لذا فقد واصل نزيف حرائقهِ

وأمـجاده المؤقـتة  رغم طقطقة الأحذية الثـقـيلة وهي تقطع سلسلة الهباء التي كان يرتبها

حلقة حلقة  وهو يعـضّ على نواجـذهِ بحسرة طاغية.

الزاوية تحاول أن تطبق عليه بفكيها الهائلين وهو يتوسّـلُ ذاكرته لتحررَ له طـائـفة من أمجاده

وأيامه الحبيسة ، مرّ بخاطرهِ فريق السحرة والمنجمين الذين استـقـدمـهم من التخوم البعيدة واقاصي آسيا وظلمات أفريقيا والذين أغرقهم في وحوله المتعـفـّنة غـداة اخبروه أبان إحدى

مراهناته الخاسرة بأن ذراعه اليمنى سوف يتسوّسُ عظمها بالغـانغـريـنا حين يصبح برج الثور

في اقرب نقطة له مع خاصرة الأرض وسوف تسطع أبراج السماء بقـنديـل إلهي وهّاج

وقتها لم ينجُ من سحرةِ القصرِ المنيف غير كبير المنجمين والذي عـيّنهُ في نوبة من نوبات

تجلـياته ،نجا ذلك العجوز ذو السحنة الآسيوية والتقاطيع الغليظة لا لبراعته في التنجيم لكنّه

تـنـبـّه لمصائر زملائه والنهاية التي بانتظاره لو أن طبخاته جـاءت مخالفة لرغبات سيده المريض والذي بلغ به الرهاب حدا أن يراقب صفحات الأبراج والحظوظ والتـنجيم في الصحف والمجلات كما أمر أن يستأنس الفلكيون ومسؤولو الصحف وجمعيات الباراسايكولوجي برأي

زعيم السحرة قبل نزول تلك المطبوعات الى القراء،حـملقَ في تاريخ ميلاده المُفتـرَض وتمنّى

لو أنه اختار غير برج الثور مرتعا لسيرته الملأى بالاباطيل قبل أن يدفن جحيمه الآدمي في تلك الزاوية الرطبة وهي آخر ما تـبـقـّى له من ذلك العالم الفسيح بعد أن ضاق به الوجود وامتلأت الأرض بالوافدين من أعالي البحار.

لم تـنفعه أوهامه وقداساته التي كان يسبغها عليه نفر من الـدراويش والكرادلة الأشقياء وهم يدفعونه الى تنور الخراب لم تـنفعه المـشجـّرات الأنيقة والتماثيل المضرّجة بالنسيان ومخلـّفات

الطير ولا الكراديس الهاتـفة في قصره المنيف، لم ينفعه شيء في ذلك المساء وهو يقف بمواجهة سجـّانه العنيد الذي اختصر له اكثر من ستين خريفا بجملة أعجمية واحدة حين صرخ

بوجههِ(أنت سجين شقي) في تلك اللحظة الناشزة انتبه من غـفـلته وراح يمـهرُ الزاوية بتمتمات ناقصة ثم صدر عنه صوت مهموس تمنـّى لحظتها لوأنه كان آخر أوامره النافذة

قال لحظتها:

ـ خذوا هذا الحـرسي الغليظ الى فصيل الإعدام وهيئوا لي الجناح الـكسروي  المهيب في قصر

السعادة .

وقبـل أن يجـردوه من أيامه ودمامله الكريهة طلبوا منه أن يحذف حفنة من أعوامه السرابية

وأن يتذكر الحقول قبل أن ينطلق ثورهُ من عقالهِ ويحطم أباريق الزهر وشموع الميلاد والأعراس.

 

حينها

كانت الساعة عاطلة

وكانت روحه خاوية تماما

وهو يستسلم لنوبة من الهذيان والأنين

أنين داكن

كأنه يصدر من مقبرة.

        

العراق - الإسكندرية