الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

3  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

محمد آل تاجر ، لغز المدوّنات البصرية

 

كتابات - عادل كامل

 

     بعد اكثر من ثلاثين ألف سنة، من انجاز رسومات المغارات، نبه علماء الجملة العصبية، والمشتغلين بوظائف الدماغ، أن عمل الحواس: الشم، واللمس، والسمع، والتذوق، أفضت إلى وجود مسافات مشغولة بأبعاد ليس الضوء إلا احد أهم مفاتيحها. لقد تم اكتشاف الزمن!

     إنها مجموعة أبعاد، هي بمثابة معجزات لا تعزل فيها الوظائف عن مجالها الجمالي الخالص؛ فقد اشتغل المخيال التركيبي بصياغة علامات لفضاءات ظهر انها بلا حدود، لكن، بجدود كان للعين مركزا ً متقدما ً في اكتشافها. 

   

 الفنان الفوتوغرافي محمد آل تاجر، لم يعزل عمل البصر، عن عمل وظائفه الرمزية: محركاته وجمالياته ومشفراته معا ً.

     فالانتقال من الوظيفة إلى الفن، عبر الحساسية، سمحت للفنان أن يصوّر سلاسل من المشاهد لا تحدث إلا وقد منحها الكثير من ذاته: نبضات تعمل كعملية بنائية لم تغادر لغز واقعيتها الخاصة. فليس ثمة محاكاة أو تعبير أو ميتافيزيقيا، بل، بالدرجة الأولى، رصد لعملية بنائية توازنت فيها الذبذبات بين عالم قيد الزوال، وذات راصدة لعالم لا يكف عن الانبثاق. ثمة، هنا، عودة إلى ينابيع لغز الضوء، والحركة، والتدوّين. فالفنان آل تاجر، لا يعمل كمصور، بل كبنّاء، كما فعلت الأصابع المبصرة البكر في اكتشاف الزمن: ذبذباته وقد غدت مرئية. فهو يدوّن، بمهارات رسام ومنشغل بالأصوات، اندفاعات الجموع البشرية، وتصويرها، كأنها لا تحدث إلا عبر السحر، والمعجزات:فالكتل البشرية لا تكف تنبثق لتذهب ابعد من الكلام والصمت؛ فالحواس الخمس تمهد لعمل أبعاد لا تحصى؛ أبعاد تلخصها الإجابات وقد جمّدت أسئلتها. لان المتلقي وحده سيشكل بعدا ً ليس فائضا ً، بعدا ً يسمح لاستذكار أن فلسفة الحياة ليست محض انغلاقات أو دورات، بل ستبقى تتضمن عملها الملغز. فالعمل المشفر، لا يتكلم، ولا  يعلن عن إستحالات، بل عن: حضور عنيد للأسئلة وقد جمّدت إجاباتها. إن محمد آل تاجر،  لا يتجاهل سر فلسفة الأخلاق بمعناها الشامل: التمسك بحياة ليست فائضة، وإنما، على العكس، بديمومة الصدمات.

 

    والفنان، الذي شيّد ( مستعينا ًً بعمل جينات أسلافه السومريين والجزريين ) تجربة جمعية لذات صاغت هويتها برهافة: تصوير مشاهد لمسيرات بشرية، صاخبة وصامتة، مبهمة ومرئية، ولنسوة أضاء الضوء أزمنتهن وأشكالهن الغامضة، ولكتل تتراص وتتفرق... الخ، سيعمل، بفعل المخيال في عمله المشفر: عمل الأطياف في البناء ( عبر الرسم بالفوتوغراف، وعبر التصوير بالموسيقى، وعبر الأصوات بالكتل، وعبر الرموز بالعلامات ) ملخصا ً مسيرة مواكب عملت فيها الأساطير، عمل ما بعد الطوفان: ديمومة السرد، وكأن الزوال، لم يمتد، إلا ليتمسك بما يجعل الحياة وقد انصهرت بلغزها العنيد: لغز زوالها وقد غدا مشفرا ً بالانبثاقات.

 

* عضو رابطة نقاد الفن/  [الايكا]