|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
التوافق المطلوب بين المهمة الثقافية والمهمة السياسية
كتابات - د.كمال القاسم
مما يؤسف له ان الكثير من العاملين في الحقل السياسي والحقل الثقافي تختلط عليهم الاوراق حتى امسوا ينظرون المهمتين بمنظار واحد دون ادراك المكونات التي تفصل بينها ودون الاخذ بنظر الاعتبار المعيار الحقيقي لهذا التصنيف الذي قد توضع عليه بصمة اكاديمية او اخرى سياسية… ونحن نعترف ان هناك اكثر من قاسم مشترك بينهما يجب ان نؤكد على تقويمه وارساء ثوابته والعراق يمر بادق واصعب الظروف. ان الاستخدامت السلبية والإيجابية لطبيعة هذا العمل هي احدى تلك القواسم وان المختصين يدركون تماماً ما نقول… ولا غرابة في عدم ادراك العموم لما نقول فهم يعتبرون من يستطيع على الخطاب الثقافي ووضع صيغته ومفرداته بشكل تقني وفني انه سياسي وانه قادر على مخاطبته وعمل المكونات السياسية او انه قادر على ان يكون في القيادات العليا لها. وهذا ينطبق على السياسي ايضاً. وقد يغيب عن البصر والبصيرة ان هناك ترعة ثقافية وان هناك (ان صح التعبير مجازاً) نخبة ثقافية,علماً اني لا اعترف بالنخب, ان هذا الجمع لا يمكن التنبؤ بسلوكهم الخاص والعام ولا يمكن اخضاعهم لمبدأ او عقيدة ثابتة وان كان ذلك بالامكان فانهم يصنفون (بالتقليديين) او (الوارثين) كثقافة الاداريين والاساتذة والمعلمين ورجال الدين اولئك الذين ارتبطوا ارتباطاً عضوياً ببعض الثقافات التقليدية او المطبوعة او المتوارثة والبعض منهم بمدرسة فلسفية معينة فلا يستطيع الحياد والخروج عن هذا الخزين الفني المختزن. بعض المثقفين يهدفون الى بناء مكونات اساسية او حركات اجتماعية يحيطها بشبه وتشكيلة من الثقافة او الثقافات التي يعتقد انها تخدمها فيقع في المشكل السياسي كما يقع السياسي في المشكل الثقافي عندما يحاول ان يخترق الخطوط الحمراء لقدراته الثقافية فينكشف للجمهور انه مفرغ ثقافياً ويقع كالمثقف في نفس المطب وفي هذه الحالة تسيطر رومانسية العمل على كليهما. وقبل ان ابحر في هذا الموضوع: اضرب مثلاً بسيطاً توضيحياً, فكم نعجب بنجم رياضي او نجم من عالم السينما او.. او.. ولكن في احدى الاستضافات التلفزيونية وامام كاميرة التلفزيون ومحاور مثقفر تتغير وجهة نظرنا عليه وقد تقل قاعدته الجماهيرية والمحبين له يقولون (انه ممثل كبير) وان ما حدث لا يضره بشئ. اقول نلمس ان هذا النجم السينمائي مفرغ ثقافياً. اعود لأقول ان التطورات التأريخية التي حدثت في العالم وخاصة في القرن العشرين والذي بعده ادت الى ان يفقد المثقف الشمولي مكانته الى المثقف المختص حيث ظهرت مستجدات ومسميات متعددة مثل الاستعمار الحديث وصراع الحضارات (كما يقولون) والسامية والنازية والشيوعية واللبرالية والثور والسلطة كانت الثورة الفرنسية احدى اسباب هذا التحول الثقافي واصبحت هناك محطات خاصة مما يسمى (بصناعة المعرفة) ووضع القواعد الرئيسية لثقافات كانت لا بد ان تظهر لخدمة طبقة جديدة او فكر معين او مؤسسة جديدة وهذا ضرب من (المودة) كما يؤكد الدكتور حاتم ان هذا الامر ادى الى اختلاف المثقف والسياسي غاندير يرحمه الله مع تولستوي ومع رومان رولان رغم تطابقهم في كثير من وجهات النظر التي تختص الانسان وفلسفة السلام. كذلك اختلفت المس بيل (السكرتير الثاني) في السفارة البريطانية حتى مع (بيرسي كوكس) ولما كادت المؤسسات الدينية تفقد زمام الامور انبرى مثقفون خاصون جمعوا بين الثقافة الدينية والثقافة السياسية وابدعوا في خلق اسلوب معياري جديد متوازن ومفردات العصر المتصارعة. وكل هذا لان الثقافة في هذا القرن والذي مضى اخذت تضم تشكيلات كبيرة والجميع مثقفون من مذيعين ومخرجين وصحفيين ومراسلين وحتى من يصمم الازياء كذلك المحامون والمعلمون وجميع العاملين حتى في الحقول الاعلامية والمهنية الوظيفية التي لها علاقة بالثقافة وحقوق الانسان والمطبوعات وما شابه واصبح المثقفون يملكون الدور الريادي في اشغال المجتمع بدل الطبقات الاجتماعية في القرون الماضية. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا هل ان ما تقدم يشمل العاملون في الحقل السياسي؟ وهل حقاً ان هناك نخبة مثقفة؟ وهل هناك خبراء في السياسة؟ وهل نستطيع ان نجمع بين المهتمين؟ اني اجيب على السؤال الاخير الذي اسعى الى تحقيقه لاهمية وجوده وابداعه وان هذا يتحقق اذا تنازل المثقفون عن (الانا) وعن الرومانسية التي تسيطر عليهم في العمل.اما الجواب العام فيقولان المثقفين ما عادوا يخاطبون الناس اجمعين ولا يهمهم مسألة شعب بكامله وانهم تحولوا الى ما يسمى(بالخطاب النقدي) وان اكثرهم قد توحدت خطاباتهم لا بل اصبحت متخصصة ومستخدمة كمن قبل غيرهم. ما اهل السياسة فلا بد من ان يملكوا شئ في الثقافة لا يشترط بها الاختصاص اوالشمول بقدر ما يشترط بها القدرات الابداعية العلمية والعملية والفنية والتقنية والقدرة على المحاكات الاستراتيجية والقدرة على القراءات واستيعاب جميع اللغات على الساحة السياسية (فن وتقنية) وقدرة الاحتفاظ (بالاستراتيجية المركزية) وخلق استراتيجيات جديدة ومتحركة. ان هذا لا يحصل بشكل روتيني او دراسي ولكن عبر قنوات نضالية دقيقة للغاية يطلقون اصواتهم ويعلمون ان اللعنات ستنصب عليهم والاقلام ستنبري لهم لكنهم شجعان لا يبالون فقد حدد الهدف ووضعت السبل والطرق والاستراتيجيات القادرة على الوصول وهكذا فأن السياسة لعبة وقدرة الفن والذكاء والشجاعة.وعندما اسست دولة (التكنوقراط) في احدى المقاطعات الالمانية بعد الحرب العالمية الثانية سقطت بعيد ستة او سبعة شهور ووقعوا في الخطأ الذي اشرنا اليه لانهم غير سياسيين.من هذا يتضح لنا ان العلم والثقافة والسياسة يجب ان تجتمع وانا اعترف ان هناك مثقفون سياسيون وتؤكد الدراسات الخاصة (بالمثقف السياسي) ان عليه ان ينتقل الى المعرضة وان يعمل باجتهاد وتضحية من اجل جميع الناس لان المثقف يحمل جميع التناقضات التي يجب ان تكون في كل مجتمع وهذا حق في النظم الديمقراطية وعليه ان يعلم انه يمل اجندة سياسية عامة ومفهوماً للحرية يرتبط لا علاقات الاجتماعية والدينية والطائفية والطبقية لان الحرية تعبر بعد ذلك عن فكر الولة وايديولوجية قيادتها ومكوناتها الرئيسية وهذا المفهوم يحدده الزمان والمكان. ومن هذا يتضح استحقاق المثقف السياسي في الدور الريادي لقيادة المجتمعات لانه لا يسعى ابداً للوصول الى السلطة كما يسعى الى رفض العنف والارهاب والترويع ويعمل من اجل البناء الديمقراطي لانه الاقدر على الحوار والمحاكمات وهذا يعني انه لا يؤمن بالكفاح المدني والسلمي والذي هو الاقوىفي تحقيق الطموح الوطني في حالة توفر البيئة والمناخ القانوني الصحيح والاستجابات الايجابية لهذا العمل وعدم سد منافذها وفنواتها. وهكذا يكون يكون السياسي اقدر من المثقف في وعيه وادراكه بتشابك وتلازم جميع الظواهر في الحياة وخاصة السياسية منها والاجتماعية والتربوية ويعتبرها متداخلة يؤث بعضها بالبعض الاخر عندها يكون لزامياً عليه ان يدرك مهمة الترابط الجدلي الذي يقوم على القناعة بتلازم وتشابك المكونات الاساسية ويكون قادراً على استيعابها وحلها ويعمل بما يملك من سبل للوصول الى دست الحكم. والذي نريد قوله وما يميله علينا العمل السياسي لا الثقافي ان تكون مع ولادة الدولة الجديدة والاخذ بيدها حتى نتحقق من صحة النتائج المقترنة بفعلها السياسي والاقتصادي واذا تركنا السياسة او جمعنا بينها وبين الثقافة فما علينا الا بولادة مكون جديد يكون قادراً, ان كان يملك الثوابت والمستلزمات الثقافية والتقنية السياسية, قادراً على الحوار العاكس ورفض كل السلبيات مثل الحصصية في الوزارات والفساد الاداري وعدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب ويدافع عن تغيب المكونات السياسية الوطنية واستبعادها وان يطلق الصيحات المسؤولة هنا وهناك ويتوجه بخطابات سياسية وثقافية ومركبة باسلوب معياري جديد يكون فيه قادراً على تحريك بنص الشارع واحتواء الهمم الوطنية وبرمجتها من اجل العمل الجاد الموضوعي كل ذلك من اجل العدالة والامن والاقتصاد ومن اجل العراق ووحدته ارضاً وشعباً.
|