|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
فلسفة الشتيمة
كتابات - حسين عبد الخضر
ملاحظة : أرجو أن لا يفهم بحثي المتواضع هذا ترويجا لثقافة الشتم ، وإنما هو محاولة لفهم فلسفة الشتم . مع إقراري الكامل بأنها صفة مذمومة .
يحتم علينا الخوض في فلسفة الشتيمة معرفة تكوينها ووظيفتها وأثرها ودواعي استخدامها . فالشتيمة من ناحية التكوين هي عبارة عن مفردة أو مجموعة من المفردات تستخدم للتعبير عن لحظة انفعالية تجاه شيء منكر ، وهي نحو من التعبير المجازي من باب الاستعارة اللفظية ، ويقصد بها ذات المشتوم دون أن تتعداه إلى غيره وان تضمنت غيره من الناس مثل أبيه وأمه وأخته وغير هذه الأصناف مما يلحق عادة بالمشتوم في سياق الشتم . لأن الشتيمة كما أسلفنا تقع في باب الاستعارة وليست من التعبير الواقعي ، وذلك بحسب أصحاب نظرية الاعتباط اللغوي ، فأنت عندما تقول : أن فلانا كلب . لا تقصد أن هذا الشخص قد تحول إلى ذلك الحيوان المعروف ، فأصبح يمشي عل أربع ، ويغطي الشعر جسده ، وينبح إلى غير ذلك من صفات الكلب . وإنما تريد القول : إن فعله ــ سبب الانفعال ــ لا يليق بالبشر وإنما هو بمنزل الكلب أليق . فاستعرت له صفة الكلب للتعبير عن حاله في تلك اللحظة أو عند مزاولته الفعل الذي أنكرت . وحين تضيف ( ابن الكلب ) فان الشتيمة لا تتعداه إلى أبيه الواقعي في قصدها بل تبقى لتخصه وحده وكأنك تريد القول أن ما فعله فلان لا يليق إلا بمن تأصلت لديه الصفة الكلبية ، ولا صلة للأب الواقعي أو شجرة العائلة بموقفك تجاه المشتوم ، فليست هناك أية ضغينة بينكما . أما إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر أنصار اللغة الموحدة فسنجد تفسيرا آخر ، لان أصحاب هذه النظرية لا يقرون الاستخدام المجازي للغة ولا أنها توافقية . بل يعتقدون أن للكلمات وجودها المستقل وقوتها الذاتية ، وإنها تطلق على ما يناسبها من الموجودات . فقولك أن فلانا كلب . يعني هنا انه تحول إلى كلب فعلا لاشتراكه مع الحيوان المعروف في استحقاق الاسم . الاعتراف بهذه النظرية سوف لا يتيح ضم غير المشتوم في صيغة الشتم من الأصناف المذكورة آنفا لأن قصدية اللغة تمنعنا من ذلك . ووظيفة الشتيمة هي التعبير بأقل عدد من المفردات ــ بشكل موجز ــ عن موقف متدفق في لحظة انفعال . فلا يصح أو انه من غير المبرر استخدام الشتيمة في حال الهدوء ، وإلا عبرت عن ثقافة بذيئة للمتكلم . والى جانب وظيفة التعبير تؤدي الشتيمة وظيفة تفريغ الانفعال بما تملكه مفرداتها القاسية من قدرة على امتصاص الغضب ، وبالكيفية التي تنطق بها المفردات ــ الصوت العالي ــ مما يجعلها تستهلك اكبر قدر من طاقة الانفعال ليليها الشعور بالارتياح .
اثر الشتيمة :
للشتيمة أثار متنوعة في كل من الشاتم والمشتوم بحسب صفاتهما الشخصية . فعندما يكون الشاتم نظيف اللسان ــ ذو ثقافة نظيفة ــ فسوف يشعر بالندم لثقل الكلمة في نفسه ويدرك انه ارتكب ذنبا يستحق الاستغفار . وإذا كان الشاتم بذيئا بطبعه فلن يشعره ذلك بغير الارتياح . أما اللئيم فيشعر بلذة الانتصار . أما المشتوم فانه سيتأثر بشدة عندما يشتم ، ويشعر أن شخصيته قد انتهكت إذا كان شخصا محترما . والسفيه لا يهمه أن يشتم ، لكن اللئيم سيشعر بالفرح لأنه اغضب المقابل وربما يرد بالشتم .
الشتيمة وثقافة الشعوب :
تساعد الشتيمة في معرفة ثقافة الشعوب من حيث معرفة الصفات أو الأعمال والأشياء المنكرة لديها ، إذ أن هذه المفردات هي ما يستخدم في الشتم . فعندما يفضل المسلم استخدام كلمة كلب كشتيمة ، فذلك لأنه يرى في هذا المخلوق كائنا نجسا وهذه الصفة هي ما يمثل قصده عند الشتيمة ، وكذلك غيرها من الشتائم تشير إلى الصفات والقيم النكرة لديه ، وكذلك لدى غيره . فعندما يفضل الغربي استخدام عبارة ( ابن الزانية أو الزانية ) فان ذلك يكشف عن استنكار فعل الزنا في ذلك المجتمع ! وان الإباحية التي يتمتع بها لم تلغ القيم المتوارثة وان في حالة الشتم فقط . وكذلك الأمر مع غير هذين الصنفين من الناس .
مواقف تدعوا للشتم :
تغص حياة الإنسان العراقي بالمواقف التي تدفعه إلى استخدام صيغة الشتم للتعبير عن انفعالاته ، بل هو محاصر بها على مدار اليوم . منها : إذا رأى سياسيا يهتز من رأسه حتى قدميه ، وقد كان يدعي انه يمثل المقاومة يوما ما ، وهو يرحب بالاتفاقية الأمريكية ـــ العرامريكية ، ويكشف عن عمالته السافرة للاحتلال . إذا ما فتح التلفاز على واحدة من قنوات العمالة العربية فوجدها تعمل بكد في سبيل تعتيم الحقيقة وترسل رسائلا مشوهة عن الواقع العراقي أو كاذبة . وسوف تتصاعد نبرة الشتم وتصبح أكثر حدة وبذاءة عندما تكون المقدمة أو المذيعة حسناء تسفر عن صدرها وأعلى نهديها . عندما يرى محللا سياسيا يبرر جرائم الاحتلال أو يحرف القضايا عن مساراتها الأصلية ، ويكشف عن انه عميل مدفوع الآجر . عندما يرى رجل دين يبرر جرائم الاحتلال ، ويدعو الشعب الصابر إلى المزيد من الصبر . عندما تقصف المدن العراقية بالطائرات والدبابات الأمريكية ويغتال قناصوا الاحتلال كل حي ويهدمون منازل آمنة ، ويظهر مسؤول حكومي ليقول : إننا نطارد الخارجين عن القانون . عندما يخسر المنتخب العراقي . عندما تنطفئ الكهرباء تتصاعد الشتائم حتى من أفواه الأطفال وفي كل اتجاه . وعندما نقرأ مقالا في كتابات يمجد الاحتلال ويسب الشعب العراقي ، مقالا لشتام قذر خال من القيم النبيلة ، يقضي وقته في إطلاق غازاته السامة في فضاء الموقع لغرض تشويش الرؤية وطمس الحقيقة .
|