|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية : في ترشيد السياسة البشرية - 2
كتابات - د.علي التميمي
نظرية الأخلاط و خوارق النفس:
دراسة تحليلية نفسية و معرفية في الشخصية. أول من تحدث بهذه النظرية هو الإمام علي (ع) وفي هذه النظرية يضع الإمام تحليلا نفسيا و فسلجيا (بيولوجيا) غير مسبوق حيث يقول :"و أخذهم من سباخ الأرض ومن أخلاطها ".
وأخلاط الأرض هو كامل الطبقات الأرضية من سباخ و أملاح و طين و كلس. و الكلس على أنواعه الجيرية و الصخرية و النارية . فالسباخ بالمعنى الرمزي موجودة في تركيب كل واحد منا و هي تعبير عن عدم الإنتاج و عدم الخصوبة . وكذلك الرمال و هي تعبير عن الهشاشة و عدم الإستقرار و الطين و هو تعبير عن الرخاوة و اللين و الكلس هو تعبير عن الصلابة و القساوة .
وهذه المكونات بمعناها الرمزي موجودة في تركيب كل واحد منا. و الذي يعوض عن السباخ و عن رخاوة الرمل و طراوة الطين و صلابة الكلس هو وجود العقل. فالعقل وحده يستطيع التعويض عن رمزية السباخ و الأملاح و تهدئة الرمال و تليين صلابة الكلس. و حتى لا يظل الإنسان كما وصفه الإمام علي(ع) في مفهوم آخر حيث قال هن البشر بشكل عام , فتجد فيهم طويل القامة قليل الهمة و تجد فيهم دميم الخلقة , قوي الفطنة.
و بهذا المعنى يصف الإمام الباقر(ع) العقل حيث يقول :" العقل قائد و العلم رائد و النفس حرون" . أي إن النفس لا تتحرك بالاتجاه الصحيح إلا عندما يكون العلم حاضرا و العقل قائدا . وهذه تعطينا أوضح صورة عن مظاهر التخلف الإجتماعي الذي نراه لدى الأصناف المختلفة من الناس التي حرمت من نعمة العلم و من نعمة العقل الراشد . حيث نرى هبوط الإداء في كل شيء , في العلاقات الاجتماعية و في الإداء السياسي المتخلف كما نشاهده اليوم في العراق .
و المجتمعات المتخلفة هي تلك المجتمعات التي لم تحرم من نعمة التعليم و الإقتصاد المزدهر و السكن اللائق و إنما بالإضافة الى ذلك فإن التخلف هو تخلف الرؤية تجاه الكون و الحياة بمفاهيم رسالة السماء.
وحتى نسترجع قيادة العقل و ريادة العلم لا بد من المعرفة و الثقافة لا بد من المعرفة و الثقافة و حتى نستكمل هذه الرجعة الكاملة للعقل لا بد من التواصل مع السماء بنظرية الايمان.
و نظرية الإيمان لا يمكن الحصول عليها بكامل تفاصيلها إلا من خلال نظرية الاسلام. فنظرية الأخلاط هي عملية إعادة للوظيفة الكونية للإنسان و هذه الإعادة تمر عبر إعادة تركيب و تغذية منابع السيطرة في الشخصية.
وهي العقل و الروح و النفس .و العقل هنا هو مشروع لصياغة العواطف و المشاعر مرورا بالقلب حيث في نظرية الخلاط يكون العقل في القلب و ما في الدماغ هو كيمياء الاعصاب , و خلاياه التي تتجاوز الملايين الى البليون و التي لا زالت سرا من أسرار الخلق لا يعرفها إلا الله تعالى شأنه.
ففي هذه النظرية يكتمل بناء الشخصية على أسس معرفية واضحة و على ينابيع أصلية في تكوين الشخصية دون الضياع في مفردات الشخصية و مظاهرها على طريقة المدارس التي انتسبت للإسلام بالإسم و لم تأخذ الأطروحة بمفهومها العلمي الكوني.
أو على طريقة المدارس الوضعية مع تقديرنا لكل الجهود التي قامت بها إلا ان ابتعادها عن النبع الأساسي المتصل بالسماء ضيع عليها الكثير من الجهود و فرص المعرفة الحقة بحقيقة ما درسته في النفس و ما بحثت عنه في أنواع الشخصيات . فالشخصية المرحة و الشخصية الكئيبة و الانطوائية و الشخصية القوية إنما هي مظاهر لأسباب و هذه الأسباب موجودة في أصل التعرف على نظرية الخلاط و مصاديقها.
فالإنتاج و عدمه و الصلابة و اللين و الاهتزاز هي من مصادر الشخصية طبقا لنظرية الأخلاط و هي ما نواجهه اليوم في المشاريع السياسية كالانتخابات و تحديد الموقف و اتخاذ الرأي و القرار هو الأمر الذي يصعب على الكثير من عامة الناس.
وهذه الحالة هي الأقرب للواقع و الأقرب للفهم طبقا للتحليل الفسلجي و التحليلي النفسي و تكاثر العناوين الجانبية الأخرى للشخصية كالكذب و المراوغة و النفاق و الاستقامة انما يجمعها عنوان الشخصية السوية و الشخصية غير السوية.
فالشخصية السوية تجمع كل الخير و غير السوية تجمع بعض الشر او كله فقليله و كثيره سواء , و طبقا لنظرية الأخلاط و المزاوجة المعرفية بين العقل و العلم علينا ان نهتدي في الواقع العلمي الى آثار هذه النظرية , فحينما يكون العقل و يكون العلم تتحرك النفس باتجاه الانتاج و النفع العام و مظهر الانتاج هو الاستقامة و الثبات و ألوانها تتحدد بالصبر و الأناة و التفهم و المعاشرة بالتي هي أحسن مع الناس .
و هذه هي الدلالة الحسية التي تجعل من يحمل هذه المواصفات مقبولا عند الناس . و هذه المقبولية هي الطريق الموصل الى الله لأن سبيل الله هو الخدمة المجردة للناس.
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة: نظرية يونج في الإبداع و العبقرية
|