الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

قيامـــــــة

 

كتابات - علاء شاكر

 

 كنت وحدي بمثل هذا الوقت،كيف اتفق أن أكون وحدي داخل مدينة كأنها مدينة أشباح ،أسير في شوارعها الخربة الكثيرة الحفر كأنها بثور وجه مصاب بالجدري   .ولكني جئت بمثل هذا الوقت على اثر اتصال صديقي ،موعدنا مثل كل مرة عند بائع الصحف ،هذا ما كان في ذهني وأنا اخرج من بيتي .

اخبرني شاهد عيان ،الناس تغادر ماشية على أقدامها ، تفرغ المدينة منهم وتزدحم جموعهم  خارج أبوابها  في خط طويل من السواد ورايات تهفهف في السماء .

كيف اتفق أن يجمعهم الموت ولا غيره ؟ ولم ينسى أن يخبرني انه رأى بأم عينه من يفرغ سائل القيح من أقدام الماشين المتورمة بسرنجة ويجمعه في قناني صغيرة ،يدهن به أضلاع المرضى  وبطن الحامل ليسهل لها الولادة .

  لم يبق  احد، غياب مؤقت همدت به حركة الحياة، النفايات تكومت في كل زاوية وشارع ،تشم رائحتها من كل مكان ،ولم يبق مكان حتى النهر الذي يشق المدينة ملئته  النفايات وأصبحت آلاف الجرذان تعبر النهر على جسر النفايات العائم  ،وبدا شكل المدينة المهجورة كأنها خارجة من حرب كونية ،البنايات واجهاتها محطمة بفعل الرصاص والحرائق ، تقشر طلاؤها وكبت ألوانها،الريح تبعث على الوحشة  . 

 تعودت أن التقي فتاتي ،عند ندف الثلج وهطول المطر ،عند كسوف الشمس وخسوف القمر،عند ولادة الربيع أو موت الشجر ،عند نزق البحر واعتذار النهر،أن التقيها كلما تسنى للمدينة أن تقوم قيامتها ،هل للمدن، كما للبشر قيامة؟ عندما تغلفها الوحشة لا يؤنسها إلا سوانا نعيد قصة أبينا وأمنا ونأكل من ثمرة الخلود .

وصلت بعد عناء ولا ادري أي فكرة مجنونة جعلتني اخرج بمثل هذا الوقت ،كانت بسطة الصحف فارغة عند الركن إلا من الغبار، والتمثال يمد يده يطرق في الفراغ ،غادره شرطي المرور. نفايات الصحف والأكياس تسف بها  الريح صوب أبواب المحال المغلقة ، الريح تشوش في صوان أذني. كان صديقي يخبرني انه ينتظرني قرب بائع الكتب القديمة. وقفت أمام البائع مستغربا غيابه الملغز ،الكتب تنفتح أغلفتها القديمة بفعل الغبار ــ لعله يقضي حاجةــ . انتابني قلق وخوف من أن لا يصل بعيد انتظار ممل وقد مصصت آخر بقايا نيكوتين سيجارتي، وسعت خطواتي  إلى مقهى الأدباء القديم ،لست وحدي ،على الأقل شعرت بان وقت القيامة لم يحن بعد، رغم إن المكان يوحي بالخراب ،عندما سألني الرجل الجالس ،الصحيفة، كنت نسيتها تحت إبطي مطوية،ناولته إياها من دون تفكير بمظهره الغريب، وكأني أدخلت في جوفه رقمه السري،من دون أن يتصفحها ،بدا ينثال كلامه صوب الجالسين بلا انقطاع، ولم أتبين لون عينيه من خلف زجاجات نظارته السميكة .التفت بطريقة آلية محدقا من بداية  انطلاق نظرته المتجهمة عبر زجاجات نظارته وبخط مستقيم صوب نقطة جلوسهم، لم انتبه أول الأمر إلى وجودهم ،كانوا يجلسون عند الزاوية الشاحبة الضوء، وكانت أجسادهم تبدو خاوية صامتين مثل تماثيل حجرية،جمدت حركتهم   وكأن الزمن قد توقف اللحظة ،كان الأول محني الرأس يضع مرفقي يديه على ركبتيه النحيفتين وكفيه يحاصران ذقنه الحليق، والثاني بنفس الانحناءة ولكنه رفع وجهه إلى جهة ما ،والثالث جلس معتدلا تتشابك ذراعيه وواضعا رجلا على رجل، وبجانبه الرابع بجسده النحيل المنطوي ينصت إلى إشارات وثرثرة الرجل حامل الصحيفة .

لم يأت صديقي بدت شكوك تراودني  بأني سمعت صوته أم كان مجرد توارد خواطر.

ما زال الرجل قابضا على الصحيفة قبضة متشنجة ،  يوجه كلامه إلى الزاوية التي وجدت فيها الأربعة ،قال كل ما عنده دفعة واحدة بكلمات مبهمة وسريعة من دون أن ينتظر منهم الرد، شعرت بالرعب وأنا أتبين معالم الوجوه التي بحلقت بالرجل لأول مرة، كأنهم أفاقوا من قيلولة عميقة، فؤاد بوجهه الذابل يمط عنقه صوب غائب الذي يهم  بالمغادرة ،ومحمود يتململ بجلسته جنب بدر المكفهر الوجه .أحقا ما أرى وماذا يريد هذا الرجل ــ هل فاتني أن أقرا الصحيفة ــ وماذا اقرأ فيها ؟تمثال مزقت جسده البرونزي عبوة بتهمة طائفية،الساعة الآن 10تفجيرات و45جثة و30جريح ،الشمس اليوم حمراء تعكس لون الدم في شوارع المدينة ،زمن شيب شعرنا وأرواحنا مبكرا . نهضت الملم ارتباكي مادا يدي إلى أستاذ فؤاد أسالمه، يصاحبني ارتباك من انه هو أو رجل يشبهه إلى هذا الحد ،ولكني مددت كفي لتمسك بكفه ،التي تحولت إلى تراب وانهار جسده ،على بقية الأجساد التي انهارت دفعة واحدة ،ليتحول المكان إلى فوضى ترابية .   

علي أن أكون هناك ،قرب شاطئ النهر، تنتظرني فتاتي ، ستقطف وردة ،فهذا موعد الأزهار في حديقة الأمة ، ستقف قرب النافورة تمد كفها إلى لجة الماء ،ومثل كل مرة تغرف  الماء وتنثر قطراته بوجهي لحظة لقائنا ،امسك كفها أضمها إلي،تفلت مني ألحقها بين أشجار الأس امسكها ،فمها بفمي وتنقطع أنفاسنا.انه يومنا .

علي أن اركض الآن مثلما كنت قبلا،  بفرح طفولي صوب أحلامي، تضحك بوجهي المدينة ،البنايات والأشجار والحدائق، السينمات والمسارح والتماثيل ،الأسواق والمصارف والساعات.

 تناهى إلى سمعي جرس السينمات،رنة أقداح كهرمانة، دقات ساعة سورين ،صفارة  باخرة قادمة وأنا أقف أتفحص كومة الحجر لجسد الأسد البابلي المنسوف  .

 تنفرني المدينة وتلفظني بعيدا وأنا أفتش شوارعها وأزقتها ،وكل مكان يذكرني بك ولم اعثر عليك يا صديقي ،تخبرني عن آخر قصيدة لك ، تأخذني بروحك  قرب التمثال المصلوب على  أعتاب المدينة وتنشد عند المنصة :

 من خلل الثلج الذي تنثه السماء

من خلل الضباب والمطر

المح عينيك تشعان بلا انتهاء  .

  ...................

أنا وحدي بهذا الوقت مشغول الذهن بصديقي الغائب،اذكر انه اخبرني قبل أن ينهي المكالمة : أتدري ما أتمنى !أن لا يرجع احد .

كنت وحدي أسير وفي داخلي رغبة  أن أراها ،تنتظرني قرب الحديقة  وقد عقصت شعرها بغصن وردة، وظل هاجسي يقودني إليها .ولا اعرف لم صديقي لم يأت من لحظة اتصاله. وخلفي يرتفع صوت هذيان الرجل الوحيد وهو يلوح بالصحيفة .