الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

أخي التركماني ... !!

 

كتابات - فاضل ناصر كركوكلي

 

.... الإنتقال ُ بين نبض ِ القلب والبناء ِ الداخلي للإنسان ... تلك هي المسافة ُ بين الألم وشكل ِ الوَجد والتباريح الغارقة في الطينة ِ الاولى ... في الهلام ... في التكوين الأول الذي إستغرق منّا زمنا ً معفرا ً بلوثةِ الجنون .. باليقظة الاولى ... بالموت في كل لحظة ... بالفجيعة .. !! فطال الليل خلف جفونِنا المقروحة الذي بدأ يأخذ شكل الصمت في ملامحنا منذ تسعة عقود ٍ ونيف حتى بدأنا نصرخُ  من أعماق ذاتنا ... أما من لعنة ٍ تجعل ُ عالي الدنيا سافلها مع كل هذه الركامات وسقط ِ المتاع في العراق ... ؟؟ ... فلم يتغيرّ غب َّ تلك الصرخات والآلام التي إجترحناها .. لا الزمن .. ولا الناس ... ولا السماء ... !!

 

... كانت تلك المسافة ، ولازالت ، تبدأ من التأريخ .. من إمتداده في قوام ِ الاشياء ... من ظل ِ منارة مسجد ، من طقوس الأذكار ، من ليلة زرقاء ، من نجوم ٍ مشتعلة ، من تمتمات شفاه ٍ معذبة وراء أستار النوافذ في الحارات ، من شرفات ٍ تتنهّدُ بالغبطة ، من عربة ٍ يجرها خيلان مطهّمان ، من ظلال ِ حدائق سرية في باحات البيوت ، من الشمس التي لا تغادرُ أسوار القلعة في الغروب الا بالدّم ، من الجسر الحجري الذي يلتهم ُ الضياء ، من الصبايا الآتيات من حمام السوق ، من قطط ٍ تموءُ ليلا ً، من أمهاتٍ ترقصنَ امام العرائس ، من اغنيات ٍ تتهادى وجعا ً ، من آلاف ِ العصافير تثقبُ الفضاء ، من طيور ٍ غريبة تنقر ُ الحب َّ من الأيادي ، من غرف ٍ عابقة ٍ بالمسرات ، من نباح كلبٍ ملتاع ،من قمر ٍيهبط على الاحواش ، من أحداقِ البنات المنذورات للزواج ، من أراجيح الطفولة ، من مقابر ٍ تختلط مع الأحياء في الأعياد ،من حكايات العجائز حول المواقد ، من المراثي وأغاني الهدهدات ، من خدود الامهات أمام التنانير ، من إنثيال العباءات في غرَّة ِ الفجر ، من أمطار ٍ تخترق ُ شعاع شمس الربيع ، من أنين ِ الثكالى ، من بكاء ِ طفل ينتظر أباه ؛ من أصابع ِ النساء التي تحنّت بكل ذرة ِ تراب ٍ وامضة بالعشق الأبدي ، من رائحة البخور في المراقد ، من سيف مشرع بيد الرّب يحصد كائناته الأزلية ...

 

تلك كانت المسافة بين كركوك وبين الشهقة ِ الأولى لوليد ٍخارج من رحم الأرض توا ً ، وكل من خرج من ذلك الرحم  تيقَّن َ بأن في الساعة ِ ستين دقبقة وفي الدقيقة ستون ثانية ... فتأّّكّد تماماً بأن النهار َ البطيء مشرق ٌ في دَمه ، آت لامحالة ، ليغيّر لونَ، العَالم وطعم َ المرارة في الفؤاد ..

 

أخي التركماني ...إنك الآن تحسُّ بجذرِك من ذوب ِالاشياء فيك ، فواصل حياتَك ليس كمن يجرّ الحياة َ ورائه جرّا ً ، بل كمن يقود الحياة َ الى صميم الإبتهاج الأبدي  والى روح ِ الخلود وحدود ِ الإنعتاق الأقصى مهما طال َ الزمن في دمِك ،  فلا تهاون على إرث الآباء ، وكُن على يقين بأن كركوك ليست جُغرافية تُقسم حسب الاهواء ، إنها تنتهي بالحدود التي يتنفس فيها التركمان أينما كانوا .. وكل ّ من يدخل الى هذا الأقنوم عليه بنزع بسطاله المتسخ ... إنه في الوادي المقدس  ُطوى ...!!

 

أخي في المحنة .... ستشرق عليك آلاف الشموس ، وتسطع ُ فوقك ملايين النجوم كل يوم ، ولكن المتاهة سوف ترسم ُ فيك  صورة َ الأولياء المجاهدين بتوحيدك لكلمة ِ الحق بين أخوتك ، و برصِّ ِ الصفوف بينهم  و نبذ الخلاف الطاريء .......هل رأيت َ أحدا ً يختلف ُ في معنى الشرف والعرض والناموس ، وفي معنى إنتهاك ِ أقدس المقدسات في كرامتنا كبشر ٍ معذبين في الارض  ..؟؟ تلك هي المسافة ُ التي ستلتئم ُ ، بقوة ِ تصميمك ، بين كركوك وبين وجودِنا الأزلي  كتركمان ، و كلُّ ما  عدا ذلك هراء ٌ ، ومحضُ خيانة ، فلا يستقيم ُ لنا شرف ٌ الاّ أن نكون َ خدما ً لوحدتنا وأسيادا ً على من يتربصُ بنا ، .... إننا ناضلنا ... ضَحينا ... تشردنا ... سقت دموع ُ أُمهاتنا كامل َ ترابنا في العراق ... عُلقنا على أعواد المشانق وعلى أعمدة الكهرباء .... سُحلنا في الشوارع ... غصّت السجونُ بنا ... ... أُنتهكت حرماتنا ... . شقت الرصاصات الزؤام  صدور َ شهدائنا ... سالت دمائُنا من تلعفر الى مندلي ... قدّمنا أعز ّ شبابنا في سبيل الوطن ، في الفاو ، و ديزفول ، والمحمّرة ، وشرقي البصرة ، وشلامجة ، وفلسطين ، والجبهة الشرقية ... . و عندما كنّا نرجع ُ من تلك الحروب  مكلومين نعض ُّ على جراحاتنا نلقى توابيت أخوتنا المعدومين تنتظرُنا بأن ندفنهم سرا ً وتحت جنح ِ الظلام ....أية ُ وحشية هذه التي لم نجد لها  إسما ً لا في النواميس الإلهية ولا في بطون الكتب و القواميس .... فوالله ... لو قال لي عربي من الآن وصاعدا ً بأن أضحي  بإبني  في سبيل البصرة ، فلا أضحي  به حتى  يضحي  بإبنه  في  سبيل كركوك  والتراب التركماني  وإلاّ  فليشرب البحرا ... !!!

 

فلا يُقاس الكلّ في ميزان الجزء ولا العام بميزان الخاص  .. ! .. ولا أؤمن بشيء إسمه كردستان حتى يأخذ التركمان والأثنيات القومية الأخرى في تلك الأراضي  كامل حقهم تحت الشمس أسوة ً بالمذهبييّن والشوفْنيين ( المقدسين ... !! ) أمريكيا ً في العراق الحالي ، وسوف أدوسُ على ظلي يوميا ً حتى ينتهي أسلوبُ المحاصصة الدنيئة بين الفرس والكرد ويرجع ُ العراق يخضّر ُ بالحق والقانون في أحداق كل الشهداء الذين سقطوا في سبيل الوطن .... فلا تفتح قلبَك ، أخي التركماني، الاّ لقوة ِ الحق وليس لحق ِ القوة  ولاستعلاء ِ المنطق وليس لمنطقِ الاستعلاء  ولسيادة ِ القانون وليس لقانون ِ السيادة ، وإثبت على إيمانِك صلبا ً كالفولاذ ، في داخل الوطن و خارجه ، وابسط  يدَك لأخوتك ... هذا آوان ُ الإلتحام والوحدة فلا يتهادنُ الإنسان فيه على حساب ذخر التأريخ  ودم الشهداء ....

 

تلك هي المسافة ُ التي تُختزل ُ في إختيارك  بأن  تموت َ حرّا ً أو تعيش َ ذليلا ً ..... !!

كوتنبرغ – السويد