|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
صمتنا المقدود من خوفٍ
كتابات - عبد الكريم كاظم
التغيير، في الرأي أو الأفكار والانطباعات، بحاجة دائمة إلى المعرفة والتدقيق .. حتى لا يتحول الكلام على التغيير إلى كلام عابر في مرحلة عابرة، لذلك آثرنا الصمت المقدود من زهدٍ لا من خوفٍ .. ما هو الحد الفاصل بين الحماسة والخوف؟ ما هي شروط وحدود الثبات والتقلب؟ 1 لقد آن الأوان للخروج من دائرة التصنيفات الحدية إلى دائرة الوضوح الذي يفصل الظاهرة الثقافية ـ السياسية عن مكوناتها التاريخية بل يقيم الفصل فيما بينها على ضوء دينامية الوعي وتطوره المستمر، يضاف إلى ذلك أن دائرة التصنيفات تلك كظاهرة ثقافية سياسية عراقية بامتياز مؤهلة للاستمرار بأشكال مختلفة، فقد عرفت كيف تتعايش مع المراحل السابقة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر . ليس هناك ثوابت أو يقين في الكتابة، لكن الإدماج القسري للكاتب في طائفته أو حزبه أو عقيدته أو نرجسيته وحتى جنونه الإبداعي يخلق حاجزاً نفسياً ومادياً لأي عملية انصهار للتعدديات الثقافية الحضارية المعرفية المتنوعة، وفي هذا الضوء يسقط كل المنطق الذي يطالب بعض الكتاب البقاء على مواقفهم السابقة ما دام هذا المنطق هو المنطق الذي يكرس عوامل التمايز والتباعد والتقلب والغرابة، فعلاقة الكاتب بالكتابة أو اللغة إنما تتحدد بعلاقة المعرفة بالمعرفة والشك بالشك والمكاشفة بالصراحة خلافاً للكتابة التقليدية الإنشائية التي يشكل الكاتب الفرد، بحقوقه وواجباته، محورها وفي ضوء هذه الإشارة (الحقيقة) ينبغي أن ننظر إلى كتابات البعض وتقلباتهم واستجاباتهم واستنتاجاتهم وأن نقيّم بصورة موضوعية نتاجات محصلة الكتابة وموازين اللغة، ولا بدّ من القول أن للتقلبات الفكرية بذوراً لنشأتها في بنية النظام "السياسي والثقافي" العراقي ويبدو أن هذه المعضلة غير محسومة بصورة واضحة حتى داخل إطار الثقافي كشكل من الأشكال التي آلت إليها الكتابة ووظيفتها الأخلاقية الإنسانية، إذن .. ستظل المعضلة قائمة ما دامت الأسباب التي ولّدتها ما زالت مستمرة وفاعلة وما دامت موازين الثقافة الحقيقية بين الأطراف الثقافية المختلفة لم تحسم باتجاه الرجحان لأحد الطرفين رجحاناً واضحاً . ليس من مصلحة الكاتب الإبقاء على صيغة متهرئة، بالية في الكتابة ولتحديد أبعاد هذه القضية لا بدّ من الابتعاد بصورة قاطعة عن أي شكل من أشكال الحماسة والتصورات المقلقة والأحلام الذاتية، فالطريق البديهي، للكتابة، هو في تهيئة الشروط المعرفية الدقيقة التي تسمح للكاتب أن يدخل إلى اللغة بصورة فاعلة وواعية، وهذا الأمر يحتاج إلى الكثير من الصبر والتأني والتفكر والتأمل، ومن ناحية ثانية يحاول بعض الكتاب أن يعالج المواقف أو التعليقات المبطنة، التي تصدر من بعض (الساسة)، لمسار النظام السياسي العراقي لينطلقوا من ذلك لطرح تصوراتهم السريالية للخروج من أزمة الخوف، لنترك جانباً النيات والدوافع التي حكمت تحليلاتهم وآرائهم المتقلبة ولنركز على الوقائع الغريبة والبراهين البائسة التي قدموها وبالتالي الاستنتاجات التي بنوها على تلك التصريحات الزائفة البعيدة عن الحقيقة . إننا أمام ضرب من الوهم، ما دام لا مجال واقعياً للرجوع إلى إحياء الشكل القديم لمفهوم الدولة أو الوطنية بعد انهيار أسسها ولا إلى استرجاع شرعيتها، فإذا كان هذا الحنين عند البعض هو تعبير عن حاجة موضوعية (ومشروعة) وإن كانت تفتقد الأساس المعرفي والروحي والمادي والبنيوي لتحقيقها في الظروف الراهنة، فإن حنين الآراء المتقلبة ينصبّ على استرجاع أوضاع مستهلكة استنفدت مهمتها بالشكل الذي كانت عليه ولعله، حسب رأينا، كان غرائبياً في إضفاء صفة الوطنية على الأشخاص أو الأحزاب أو النظام السياسي وتكريس ذلك في الممارسة والإشارة والتصريح والوضوح . 2 ليس صدفة أن يكتشف العراقي اليوم مدى الضرر الذي لحق بالبلاد نتيجة وجود الأحزاب الدينية والطائفية، لقد أدى وصول هذه الأحزاب بمنظماتها وأجنحتها العسكرية وميليشياتها إلى خراب العراق بشكل فاضح وصريح .. لقد كان مسار الأحداث التي بدأت مع سياسية "ولاية الفقيه" وإفرازاتها المتخلفة كفيلاً بوصول البلاد إلى مأزق أخلاقي دستوري وسياسي ثقافي .. ومن سوء حظ العراق والعراقيين أن يتزامن الاحتلال الأمريكي مع وصول هذا الحشد الكبير من أصحاب "الرايات السود" والعمائم الشيطانية .. إذن، التلازم والترابط الذي نشأ بين الأحزاب الدينية وميليشياتها، في التجربة العراقية، خلق قوة دفع كبيرة لمجتمع الغيب/الحرب الذي تترسخ قوته ويزداد نفوذه على حساب مجتمع المعرفة/السلام . ولا نغالي إذا قلنا إن الاعتبارات الدينية اليوم هي العائق الأهم والأكبر أمام التطور والتحضر، إذ أنه قد أصبح للدين أحزابه وعمائمه ومقراته ومؤسساته ومعتقلاته وجلاديه إلى جانب محازبيه ومنظّريه وأصحاب الآراء الصامتة المقدودة من خوفٍ . وإذا كان استيعاب سياسية الأمر الواقع، التي أفرزها الخوف، أمراً سهلاً نسيباً، فإن استيعاب التقلبات سيكون أصعب بكثير وستكون سلبياته كبيرة وعميقة جداً .. أننا نطمح دائماً أن يكون موقع الكاتب الحقيقي أو الكتابة المغايرة في الطليعة، وفي قناعاتنا أن هنالك تلازماً حميماً ومتكاملاً بين الجرأة والصدق .. بين الصمت والكلام، من هنا نقول: إن التقلب لا يمكن أن يكون مجتزأ إذا أريد له أن يتماهى ويتمادى وينسى أو يتناسى، يغفل أو يتغافل، فلا بدّ إذاً من إيلاء الفكرة نفس الاهتمام الذي نُخصص للجوانب الروحية والأخلاقية والوطنية . في تقديرنا أن نقطة الضعف الجوهرية في نهج التفكير الذي يمارسه ممثلو الآراء المتفاوتة المتقلبة وأقرانهم، هي أنهم يطرحون قضية الدولة أو الوطنية بصورة مجردة، كجوهر قائم بذاته، منفصل عن المجتمع كتجسيد للحق المطلق للحق النظري المجرد، للشرعية أو الصواب المطلق الموضوع فوق المجتمع . والفعل هنا، ولو بالإيحاء الفكري الكامن والمضمر، ذو توجه غريب ويدعو للتساؤل . إن ما نريد أن نؤكد عليه بصورة خاصة في هذا المقال، هو أن هذا في الكتابة أو الطرح المتقلب الذي يعطي للبعض، ومنهم المجرم عبد العزيز الحكيم، طابعاً مقدساً أو وطنياً ويعزله عن مجمل الممارسات الإجرامية السابقة، بل هو فوق كل ذلك ـ ولعل هذا هو الجانب الأخطر ـ بات أحد الشخصيات الوطنية النزيهة . كثيرون يعزون أسباب الأزمة الثقافية والأخلاقية والسياسية المتفاقمة التي يعيشها المثقف العراقي اليوم إلى الاحتلال والحروب والممارسات والأوضاع الناجمة عنها، من دون الدخول في تفاصيل ذلك ومن دون فهم واسع لما يعنيه هذا الكلام وما تعنيه التقلبات السريالية في المواقف والآراء، فالاحتلال أو الحرب بحدّ ذاتها، لم تكن لوحدها السبب وراء كل الذي حدث ويحدث . كما انه من غير الكافي، ولا المفيد أن نردّ ما حصل لنا من أزمات أخلاقية ـ ثقافية للحرب هكذا دون الدخول في تفاصيل الأسباب المباشرة والنتائج الحاصلة لتلك التقلبات، لنتمكن من تعميق فهمنا لما حدث ولتتكشّف أمامنا سبل المعالجة الصحيحة للنتائج التفصيلية الكامنة وراء الأزمة الراهنة والمسالك التي نراها واجبة للخروج من عنق الإختناق الذي نعيش فيه اليوم .. من عنق الغرائب ومن عنق المفاجأة . في إطار هذا الهامش يمكن للكتابة أو الكلام عن الوطنية النسبية وممارساتها، بالمعنى العصري والايجابي المتعارف عليه، والتي كانت سائدة في العراق، وكثيراً ما يتوق إليها بدوافع مشروعة ومفهومة بعض الكتاب المتنورين ويدعون إلى العودة إليها بعد سنوات المعاناة الطويلة تحت ضغط الجناح المهيمن من العنفية المنفلتة للحزب الواحد والقائد الأوحد، ناسين أن هذا النمط من الوطنية هو وليد نمط محدد من العلاقات السياسية المستعادة في ما بين الأحزاب والطوائف يتحطم بتخلخله وبانهياره، والدليل الأبرز على ذلك يتجسد في التوجه الدعائي الذي اتخذه الجناح الجديد المهيمن من الأحزاب الدينية لتقويض مفهوم الوطنية ثانية واستبدالها بمفهوم دموي قمعي ومثل هذا المنحى الأسلوبي السياسي الانقلابي العشائري العائلي الذي غيّر مجرى ووتائر الحياة المدنية في البلاد منذ الخمسينات .. فقد تلاشى الوطن مثلما خلقت الوطنية، بمعنى ما، نقيضها: أي حالة اللاوطنية السائدة حالياً ولكن هذا التعبير هو تعبير غير مجازي يدل على زوال فكرة الوطنية بشكلها ومواصفاتها السابقة . ما تفسير هذا الإصرار والتعنت اللذين تبديهما الكتابة المتقلبة، على اختلاف كتابها، وتعبّر عنه بالكلام طوراً وبالمداد طوراً؟ في تقديرنا أن هذا الطابع المتقلب هو تعبير عن أحد التناقضات البنيوية للمشهد الثقافي العراقي وتركيبة الثقافة العراقية اللذين نشأآ في كنف السيطرة الحزبية والدينية والإيديولوجية المغلقة .
|