|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
مدن خارج المتن
كتابات - علي الاسكندري
تثير فينا المدن التي ننتمي اليها او التي تقبلنا في تخومها نزعة قبلية حادة تدفع البعض منا احيانا الى تقديس وتنزيه تلك المدن من اي عيب او سبة وكأننا احد مؤسسيها او احد ولاتها او القيمين على شؤونها فنتكنى باسمائها ونلتصق بها ونكررها اكثر من اسمائنا ونتماهى معها حتى لتشغل قوارير ذاكراتنا وتصبح شاخصا ابديا يشكل فضاءاتنا واحلامنا ومدوناتـنـا انها بنية المكان التي تحدث عنها باشلار وهي الدعامة الاولى لتبديد مأزق التلاشي والاضمحلال والضياع ، انها الدريئة التي نحاول الاختباء فيها وخلفها للخلاص من اللامكان واللاتسمية وهي سعينا لتهشيم مفهوم العدم وتخليد الذات الفانية المرتعبة من شراسة الموت وآلته الساحقة انه السعي للتسلل الى غابة الارز والأفلات من الحراسة المشددة التي يفرضها حارس تلك الغابة على فضولنا وطمعنا للفوز بالعشبة المضادة للفناء ، هذه المدن التي نؤسسها في لاوعينا ونحنُّ اليها ونتمرغ في ثراها غالبا ما تتمرد علينا او نمل من جشعها ورغبتها في الاتساع والزحف على تخوم الصحارى والفراغات وربما على جثث الموتى في مقابرهم والتي تلازم تلك المدن على اطرافها البعيدة .تجربة مدينة غالبا ما يسأم المبدعون من غنج تلك المدن وهوسها بالاكسسوارات والصخب فيبحثون عن ارض جديدة ليكشفوا عن معادنها وخاماتها وعن قارة ثامنة خارجة عن جاذبية النمط ليؤسسوا فيها زمنا معارضا لسلطة قطار اينشتاين المفترض، وتوقيتا كونيا خارج الاقمار الصناعية والساعات والحواسيب الصارمة ، توقيتا ابداعيا يقتحم ضوابط الوقت الذي يهددنا كل لحظة بالتحلل والتعفن ، وعلى عكس جري العادة فنحن هنا لانتحدث عن تجربة ابداعية لمبدع بعينه بل اننا نتحدث عن تجربة مدينةٍ كانت اول الامر بمثابة حبة السمسم بين ساقي بغداد الحزينة، مدينة عاشت مطرودة من فردوس التاريخ الا في هامش مهمل ، فلم يذكرها معجم البلدان ولم يتحدث عنها العلامة مصطفى جواد في جولاته الاسبوعية الخالدة . لكن بذور الابداع تسربت الى خواء تلك المدينة وروح المعرفة اقتحم سكون ليلها فصارت حبة السمسم حقولا من النخيل والشعراء والقمح والمعرفة...انها الاسكندرية.. الخليلة الثالثة عشرة للاسكندر الكبير في هذا العالم حيث احتالت على ذلك القائد الاسطورة وضيفته في تخومها ليخلع عليها اسمه يوم كان ذلك الاسم بمثابة ميداليا الذهب. انها ليست الكوفة ولا البصرة ولا اثينا ولا روما ولا ايثاكا انها جدول صغير وبعض بيوتات قيض لها ان تكون في منتصف المسافة بين اسوار بابل ومعابدها الموغلة في القدم وسور بغداد الذي تناهبته الحروب والغزوات ، مساحات من الحقول الشاسعة والقرى البعيدة المولعة بالصبر ، على مرمى حجر من العاصمة وعيونها الحذرة دائما فكان ان زرعوا باحشائها بذور النار فصارت تصدر البارود والقنابل بدلا من الاعناب والبلح وامست تطعم الجوعى من ابنائها روائح الحديد والغازات السامة المنبعثة من ابراج المنشآت الحربية ومصانع الموت، انه زمن الحروب والعبث.. هكذا كان فجر السبعينيات من القرن الماضي بالنسبة لهذه المدينة، مصانع للاسلحة ومصاهر للمعادن وابراج تتقيأ السموم . تجمعات لارساء دعائم الثقافة وبعد ان امتلأ بطنها بكل هذا الضجيج وفد اليها المغامرون والباحثون عن فرصة للخلاص من براثن الجوع والفقر من محافظات البلاد، حسن مهدي نصر الله من المدن القريبة فاضل عبدالله القيسي من واسط وهما يكتبان القصة القصيرة . باقر جاسم محمد يهتم بشؤون الثقافة والنقد والترجمة من بابل الام ، ركن الدين يونس من الانبار رياض الغريب من الديوانية، حسين السلطاني من المدن المجاورة، اضافة الى ابنائها الذين انتظموا في تجمعات ثقافية ونشاطات فكرية لم تكن بمنأى عن اعين الرقيب وسلطاته المطلقة الغاشمة هذه التجمعات التي كانت اللبنة الاولى لارساء دعائم الثقافة والمعرفة وهم كل من ابراهيم داود الجنابي، هشام العيسى، خالد البابلي، ساطع الجميلي، كامل البصري، رضا خلف السرهيد وأحمد محمد علي البغدادي كل هذه الاسماء وغيرها الكثير من الذين اشتغلوا في ورشة النار في هذه المدينة والتي كانت جسدا معرضا للفناء والهزيمة لولا ان روح الابداع والمعرفة والثقافة تنفس فيها فغير جينات الشيخوخة والترهل والاضمحلال... كل شيء تناسل في هذه المدينة الصغيرة ومنذ وقعت مبكر، الشوارع، المصانع... الاحياء الفقيرة بل حتى الانفجارات المرعبة في هذه الحاضنات القاتمة للقنابل ومصانعها اللعينة . نحو نواة الابداع قبل ان تعرف البلاد الحروب والانفجارات، فمصانع البارود كانت تعيش دائما عقدة الفصام والغضب ونفاد الصبر فكانت غالبا ماتثور في وجه هذه المدينة وتلطخ سماؤها بالسواد والالم وفي ذات الوقت كانت هذه المصانع تزحف بخبثٍ ودهاء باتجاه المدينة وتقضم اطرافها واصابعها الخضراء وسواقيها وترعها الرقراقة وتتداخل مع كيانها وبنيتها حتى تحولت الى مرجل هائل وحين بدأت يرقات الحرب تظهر للعيان في مطلع الثمانينيات كانت نواة الابداع تنمو وتتهيأ للظهور هي الاخرى وذلك في حديقة دارنا القديم في دور السكك وكأن هذه البذرة صرخة احتجاج مكتومة ضد فوهات المدافع والطائرات والدروع التي بدأت تزمجر على الجبهات مع ايران فكان محبو الابداع يتوافدون على هذه الحديقة الواسعة الصابرة الجميلة ليتعمدوا بعطر الياسمين والليمون والمعرفة وكأنهم يتطهرون من درن الانفجارات ودوار الموت ومن جثة الحرب النتنة وغبار الملاجئ الكابية ومن هوس المصطلحات العسكرية التي بدأت تتسلل الى احاديث الناس ولغتهم اليومية.كلما رأينا على مدخل المدينة لافتة سوداء تشير الى شهيد من اصدقائنا او اهلنا اغتالته هذه الحرب المجنونة كنا نتحلق في معبدنا الابداعي لنعلي كلمة المعرفة ونمجد الحياة.القاص المبدع حسن مهدي نصر الله كان يقرأ لنا فصولا من روايته”كل الجماجم تبتسم “ كلما حان وقت لقائنا الشهري وكانه يسخر من شتائم الحروب وعهرها وبيارقها السوداء.القاص فاضل عبدالله القيسي كان يغمزنا بطرف خفي الى فضاعة الموت وانحطاط الفكر السياسي انذاك عبر روايته”الحقير“.حيث كان يتلو علينا بعض فصولها.ربيع الشعر والابداع خالد البابلي كان يفتح لنا ضوءاً ويبشرنا بنصوص قصيرة سوف يكون لها شأن في يوم ما، الشاعر ابراهيم الجنابي كان يوازن بين عمود الشعر وبعض النصوص الايقاعية المجهرة التي تشتغل تحت سلطة التفعيلة، اما حقيبتي فكانت تعود حبلى من جبهات الجنوب لمحاربين معي في وحدتي العسكريةلا اعرف اليوم اين ذهبت بهم هذه الدنيا بعد اكثر من ربع قرن، نصوص كان يكتبها هؤلاء الموهوبون ارقتهم تلك الحروب وسلبتهم حرياتهم واعمارهم، نصوص تفوح منها رائحة الاستنكار والغضب لما تفعله سلطة العبث الظالمة انذاك اذكر من هؤلاء القاص مهدي كاظم الذي كان يبطن في قصصه القصيرة الحكمة بالاحتجاج واذكر نعمة امطير الذي كانت قصائده النثرية تدعو الى الخلاص من ليل الحرب والسلطة واذكر نصوص عيسى عاكول السلطاني واراجيزه الجميلة كل هذه النصوص كانت مادتنا الشهرية اضافة الى النصوص التي كنت اكتبها وكذلك يكتبها الشاعر المغترب الان ماجد حسين عبدالله وحين لفظت الحرب انفاسها كنا نظن ان جثة هذه الحرب سوف تتلاشى الى الابد وان الملاجئ الشقية التي جفت بها ارواح واحلام سوف يجري فيها ماء الحياة وتصبح سواقي وانهاراً تبرعم فيها السنابل والقصائد والازاهير ولم نكن ندري ما وراء الاكمة لذا فقد كان ربيع المدينة هو ربيع عام 1989 وهو ربيع الشعر والابداع والمعرفة لانه كان باكورة الاعلان الرسمي لتأسيس ملتقى الاسكندرية الادبي الذي تشكل في بيت القاص المبدع فاضل عبدالله القيسي واصبح فيما بعد منتدى الادباء والكتاب في الاسكندرية وحين نتحدث هنا عن هذا الكيان الابداعي فاننا نتحدث عن المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي العام بأسره لأن عملية الاستقطاب التي احدثها هذا الكيان في مدينة لا يزيد عدد سكانها عن مئة الف نسمة كان استقطاباً واضحا ولافتاً للنظر حيث هرع المثقفون والتدريسيون والطلبة ومحبو الموسيقى والخط والرسم والكاريكاتير ومجموعات من الشباب الى الالتفاف حول هذه البذرة بمعنى اخر اصبح هذا الكيان حديث المدينة حتى شكل في نهاية الثمانينيات ظاهرة مهمة وبارزة فالتحق الكثير من المبدعين لعضوية هذا النشاط ومنهم القاص والصحفي عمران جاسم العبيدي والقاص مصطفى داود كاظم وقاسم سلمان نزار ونوار ابراهيم. وبدأ هذا الملتقى يستقطب اهتمام مثقفي البلاد فكان اول ضيوفه الشاعر والباحث خزعل الماجدي والقاص المبدع احمد خلف والناقد قيس كاظم الجنابي والمبدع الناقد عباس عبد جاسم والناقد الشهيد قاسم عبد الامير عجام وعشرات المبدعين من كافة انحاء العراق.ارادتنا تتحدى مخالب العنف لكن يد الحرب لاتكف عن العبث والغدر ودودة الخراب تنخر في جسد السلطة العصابية المريضة فقد احبطت أحلامنا في عام 1991 بعد مغامرات سلطة البعث وكذلك في عام 1992 حيث اغلق الملتقى الابداعي وبقينا طيلة سنوات الحصار نمارس نشاطاتنا في البيوت والمقاهي حتى كان عام 1999 وبمبادرة من الشاعر هشام العيسى اعيد نشاط منتدى الاسكندرية الذي انهكته الحروب والحصار والفاقة ليظهر جيل اخر من الادباء ولعل اسماء ظهرت في بداية هذا النشاط كان لها النصيب الاوفر من الاهتمام بالابداع والحركة الثقافية منهم الشعراء كمال الجميلي وستار زكم ومظهر حسن وعلي ابو بكر وسمير الجميلي ورياض المعموري وسالم سالم وفلاح صابر ومهند صلاح ومشتاق طالب منصور ووسط هذا الكم من الشعراء برز قاص واحد هو القاص المبدع ساجد محمد رضا كل هذه الاسماء واسماء اخرى سجلت حضورها ومازالت تقدم العطاء في مدينة مازالت ارادتها تتحدى مخالب العنف ومازال اهلوها يصرون على التفاعل مع المشهد اليومي الساخن بكل تفاصيله القاسية ودمويته المؤلمة انها الاسكندرية تلك التي تقدم نفسها في هذا الملف حمامة مضرجة بالاسى والشعر وباقة من الورود التي تنتظر ربيع العراق القادم.ومن المؤكد اننا لا نستطيع ان نجزم بأننا قد قدمنا كل التفاصيل التي ينطوي عليها مشهد المدينة.لكننا نؤكد بأننا قدمنا ما استطعنا ان نقدمه بجهد متواضع وتلك هي المثابات المهمة والبؤر اللامعة التي تشع في المشهد الثقافي المحلي .
|