الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

كشف حساب أميركي - 2

 

كتابات - المحامي / سليمان الحكيم

 

عددت في حديث أمس ما أظنه الحسابات التي بنت عليها الولايات المتحدة عملية غزو العراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في ربيع 2003 , وحديث اليوم يستهدف التدقيق في حصيلة تلك الحسابات للخروج برأي مقارب للواقع عن مدى مطابقة حسابات الحقل لحسابات البيدر , وفق التعبير الفلاحي .

عشية سقوط نظام الرئيس صدام حسين وسيطرة القوات الأميركية على مدن العراق تحت قيادة الجنرال تومي فرانكس , وصل إلى العراق الجنرال المتقاعد جاي غارنر بصفته حاكما مدنياً للعراق ريثما يتم ترتيب عملية سياسية تتصدر فيها وجوه عراقية قيادة السلطة , وفي اللحظة التي كان فيها غارنريتفقد القصر الجمهوري ليتخذ منه مقراً لإقامته , كان مشهد غريب يجري في المكتب البيضاوي للرئيس الأميركي , فقد دخل وزير الخارجية الأميركي السابق الجنرال كولن باول المكتب وقال للرئيس بحضور مستشارة الأمن القومي آنذاك , الآنسة كوندوليزا رايس , أن سلسلة قيادة غارنر مسؤولة أمام وزير الدفاع , وكذلك القائد العام للقوات الأميركية في العراق , مما يعني أن السلطة الحقيقية هناك باتت في يد الوزير رامسفيلد وحده , وقبل أن يرد الرئيس الذي علت وجهه علامات الدهشة , بادرت رايس بالقول أن ذلك ليس صحيحا أبدا , وأمام إصرار باول ردّ الرئيس بدوره أن ذلك ليس صحيحا , ولكن رايس غادرت المكتب لدقائق ثم عادت لتقول بلهجة مخذولة , أن ذلك يبدو صحيحا ! والمعنى من هذه الرواية أن البيت الأبيض لم يكن يعرف ماذا يجري في العراق , وأن وزارة الدفاع الأميركية كانت وحدها صاحبة القرار دون وزارة الخارجية ولا مجلس الأمن القومي . وفي واقع الأمر أن وزارة الخارجية الأميركية كانت منذ صيف 2002 تلحّ على ضرورة وجود خطة لما بعد الحرب في حال قرر الرئيس الأميركي خوض غمارها , ولكن مطلب وزارة الخارجية كان يجابه برفض وزارة الدفاع , وتبين فيما بعد أنها كانت تخفي في جعبتها مشروعاً لإقامة حكومة منفى عراقية يرأسها السيد أحمد الجلبي , وبرغم غباء هذا التفكير فإن هذه الوزارة كانت على الأقل تملك تصورا لما بعد انتهاء المعارك , في حين أن بقية الهيئات الحكومية الأميركية لم تكن تملك فكرة عما ستفعله بعد أن تسكن فوهات المدافع , وتؤوب الطائرات الحربية إلى حظائرها .

بعد أيام قليلة من وقوع الغزو, كان وزير الدفاع الأميركي يقدّم لقيادات البنتاغون مشروعاً  لانسحاب معظم القوات من العراق قبيل شهر آب 2003 لتترك خلفها حوالي ثلاثين ألف جندي فقط , وفي تلك اللحظة بالضبط كانت بغداد وبقية المدن العراقية تتعرض لاعصار سلب ونهب طال كل المؤسسات العامة والمصانع ومحطات الكهرباء والمستشفيات والجامعات , و قضى على كل ما كان سليماً من البنية التحتية , وقضى معه في ظني على احترام الشعب العراقي للكفاءة الأميركية . والأسوأ من ذلك , أن القوات الأميركية تركت مخازن أسلحة الجيش العراقي مباحة لعمليات النهب , دون أن تتوقف لتسأل كيف سيتأتى للسلطة السياسية القادمة أن تستقرّ , وأدوات العنف التي يُفترض أن تكون حكراً عليها , قد صارت في متناول كل من يقدر على حملها . ولم يكن ذلك أسوأ ما في المشهد , فالأسوأ وقع مع قدوم الحاكم المدني الجديد بول بريمرالذي استفتح صباحه الأول في بغداد بقرار اجتثاث حزب البعث , ولما اطلع الجنرال غارنر على الأمر سارع بصحبة مدير محطة المخابرات إلى لقاء بريمر , وقالا له أن تنفيذ هذا القرار يعني دفع عشرات الألوف من البعثيين وهم صفوة الدولة العراقية والأكثر خبرة وكفاءة , إلى العمل السرّي , ولكن بريمر ردّ قائلا أن لديه تعليمات تنص على إظهار جدية الولايات المتحدة للعراقيين بأنها بصدد بناء عراق جديد لا مكان فيه لأدوات سلطة صدام حسين . ولم تكد تلك الليلة تنقضي حتى فاجأ بريمر الجنرال غارنر بقرار حلّ وزارتي الدفاع والداخلية ومعهما الجيش العراقي وكل التشكيلات الحكومية السابقة المسلحة . وكان وقع ذلك القرار صاعقاً على الجنرال غارنر خاصة وأنه كان ينوي كما سبق أن شرح للرئيس بوش ولمجلس الأمن القومي , أن يستخدم الجيش العراقي كمرتكز لإعادة إعمار البلد وتوفير الأمن فيه .  ومرة أخرى كرر بريمرأمام غضب غارنر حكاية التعليمات التي لديه , ولكن النقاش بين الرجلين وصل إلى حدّ هزلي عندما ذكر بريمر أن وزارة الداخلية مشمولة أيضا بقرار الحل مع تأكيده على أهمية الشرطة , وقد دهش عندما أبلغه غارنر أن جهاز الشرطة يدخل في ملاك وزارة الداخلية !

وكذلك اتخذت قلة من موظفي وزارة الدفاع ممن لا يعرفون شيئا عن العراق أو المنطقة , أكثر القرارات خطورة بأشد الوسائل تهوراً وطيشا , في حين كان الرئيس وهيئة أركانه يتابعون المشهد كمتفرجين غير معنيين , وقد اكتفى البنتاغون بعرض هذه القرارات على المستشار القانوني لمجلس الأمن القومي لإبداء رأيه القانوني فقط , أما صناع القرار السياسي  والقيادة الميدانية للجيش فقد كانوا في واد آخر , لا علم لهم بما كان يجري حقيقة على الأرض , وجوبهوا بالقرارات كأمر واقع . ولا يعرف أحد حتى اليوم الحكمة من تكليف بول بريمر بمهمة على أعلى مستوى من الحساسية والخطورة , فالرجل لم يتولّ مسؤولية طيلة حياته المهنية أعلى من منصب سفير لبلاده في هولندا , ولم يكن يعرف اللغة العربية , وليس لديه إلمام بمنطقة الشرق الأوسط , وخال الذهن من أية معلومة عن العراق , ولا ينم سجلّه الوظيفي عن مواهب تؤهله لتنفيذ قرارات بهذه الخطورة . وإذا صدّقنا رؤية البنتاغون لانسحاب سريع من العراق , فإن بريمر يكون مسؤولا مباشرة عن إطالة أمد الاحتلال , وعن وقوف الولايات المتحدة اليوم أمام طريق مسدود في العراق . ويبدو أن هذا المآل السيء هو الذي دفع بوزير الدفاع السابق رامسفيلد للتبرؤ من بريمر , وادعائه أنه لا يتذكر اجتماعاً في مجلس الأمن القومي تناول تلك القرارات , وزاد على ذلك بأنه لم يتكلم مع بريمر إلا نادرا !

وفي عهد بريمر جرى تصميم ما سمّي بالعملية السياسية , وهي عملية جرت بتصميم كردي أساسا , وقيل أنها تستهدف توحيد البلد , ولكن كما نرى اليوم , فإن هذه العملية مسؤولة عن تمزيقه , وبشواهد الدماء التي تسيل يوميا , والأحزمة الانتحارية , والاغتيالات , والعبوات الناسفة , والمواجهات بين السلطة وأطياف شتى من الشعب العراقي , فإن ما أريد منه تجميع العراقيين , كان في واقع الأمر سبباً لتقسيمهم . وفيما يتعلق بتصفية الارهاب , فإن تقريراً رسمياً صدر في أيار 2006 عن وكالة الأمن القومي الأميركي , يقول بأن الجهاد في العراق قد أنتج جيلا جديدا من الإرهابيين , وأن العراق وبسبب القلة الفاضحة لعديد القوات المكلفة بحماية الحدود ,  قد أصبح قبلة للارهاب الاسلامي العالمي الذي يتدفق بأعداد لا تنتهي  غرباً في الأنبار وشمالا في الموصل , يقابله تدفق لرجال المخابرات الايرانية والحرس الثوري شرقاً وجنوباً , وهو ينذر بمشهد حالك لحرب طائفية على المستوى العراقي والاقليمي  , وأن حدس رعاية نظام صدام حسين للارهاب , قد صار اليوم واقعاً فظيعا . وصارت وحدة العراق وسلامة أراضيه , نكتة بعد صدور قانون الفيدراليات , وتقدّم جماعة السيد عبد العزيز الحكيم بثبات نحو الاستفراد بالجنوب , بالتوافق مع استفراد الحزبين الكرديين بالشمال , بل وتآمرهما لاقتطاع كركوك ومعها مساحات شاسعة من المناطق العربية والتركمانية , وسعيهما الدموي لضم أقليات دينية عربية وآشورية إلى اقليمهما , في اقتداء أمين بما قامت به العصابات الصهيونية في فلسطين عام 1948 . وقد أدى يأس الولايات المتحدة من العثور على حلّ لمعضلة انحشارها في العراق , مضافاً إليه تفاقم الصراع بين أجنحة النظام الطائفي والعرقي الذي صنعته على عينها , إلى صدور دعوات من عدة أطراف لتقسيم العراق جهاراً وبلا استحياء .

ليس بوسع المتابع المنصف إلا أن يقرر أن كشف الحساب الأميركي لعملية غزو العراق , غير مشرّف ويدعو للتوجس بأسوأ الاحتمالات , ولكأنما السحر قد انقلب على الساحر , فإذا بالمجتمع العراقي مفكك ويقدم للإرهاب أرضا خصبة  يعيش عليها أزهى أيامه , وإذا بالبلد مستباح لمن هبّ ودبّ , وبات مرتعا للصوص يحملون ألقاباً وزارية وحكومية رفيعة , وإذا بفرق الموت وعصابات الصدر وفيلق بدر يصبحون جزءا رئيساً في البنية التحتية السياسية للدولة العراقية منذ عهد الجعفري - القوي الأمين -  وحتى اليوم , وإذا بوعد التغيير الذي أطلقته الغزوة الأميركية ينتهي بموجة أصولية متأسلمة كان القضاء عليها هو الهدف الأساس , ووسط إعياء واحباط الولايات المتحدة وحيرتها في البحث عن استراتيجية لائقة للخروج من العراق , حار الرئيس الأميركي ومستشاروه في تحديد معنى جديد للنصر أكثر تواضعاً من ذلك الذي أعلنه ذات يوم مختالا على ظهر حاملة الطائرات حين اعتبر وقتها أن الحرب قد انتهت بناء على صور انتصار صنعتها الآلة الاعلامية الأميركية بحرفية مشهودة , عرضت فيها تماثيل صدام حسين وهي تتهشم . ففي عام 2007 كان معنى النصر هو اليوم الذي يحلّ فيه العراقيون مشاكلهم السياسية , ويديرون حكومتهم , ويقدرون على توفير الأمن بأنفسهم , ثم تواضع سقف التعريف الأميركي للنصر حتى منتصف عامنا الحالي , ليصبح معناه إقامة حكومة عراقية تستطيع أن تدافع وتحكم وتحافظ على نفسها !

قد تكون الولايات المتحدة عرفت كيف تبدأ مغامرتها في العراق , ولكنها على وجه اليقين , ومن شواهد الأحداث , لاتعرف كيف تطوي بسلامة هذه الصفحة الدامية , وهي في مأزق بين مغادرة العراق مخلفة وراءها دولة فاشلة وملاذاً آمناً للارهاب , وبين البقاء فيه تنزف دماً ومالاً بغير نهاية تلوح في الأفق . إن للحرب منطقها الخاص المستقل عن إرادة المتحاربين , وهي تحملهم دائماً بعيداً عن كل مقاصدهم التي فكروا بها حين أشعلوا أوارها . وفي وسط دخان المعارك وغبار الدمار اللذين يلفان أرض العراق منذ سنوات خمس , يقف شبح المؤرخ البريطاني الفذّ أرنولد توينبي مرددا عبارته الحكيمة : إن أميركا هي الامبراطورية الوحيدة في التاريخ التي انتقلت مباشرة من مرحلة البربرية إلى مرحلة الأفول , دون أن تمرّ بمرحلة الحضارة .

 

 2 - 6 - 2008