الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

العصور بين التفجر و التحجر

 

كتابات - صالح محمود

 

أيها الأصدقاء، يرفض الإنسان التشيؤ قدرة على الانسلاخ عن التوحش الدورة الميكانيكية جوهرها القانون يتجلى في الإيمان المتعارض مع الحركة خاصية الفسيفسائية جوهرها الاختيار عبر الفردية، يتمثل التوحش من خلال الادراك وهو ما يقتضيه اللقاء انسجاما عبر التناقض، منذ انبثاق الوجود كحركة، إذا كان عالم الطبيعة ليس غير الفراغ، الصمت تطفو الحركة فيه جوهرا، أصغوا لصوت البدائي يتردد صداه متمردا، متحررا متحللا حركة جوهرها الاختيار. تتجلى الذاتية ضربا للموضوعية و التشيؤ إيمانا حين يكون القانون آلية متلاشية لما تمتزج البداية في المادة بالنهاية لتجسيد الفناء التي تقتضي التشكل.

يطمس الوجود، يغيب، ينعدم في ظل القانون جوهر الدورة تتعين من خلالها الطبيعة عالم التوحش يخلق الإنسان الزمن من طيات العدم لحظة تجسيد الوجود عبر الإدراك تمثلا للطبيعة أجسادا، أشكالا و أحجاما مسلوبة الذات مادة متنافرة، متصادمة عبر الظواهر عناصر التوحش الوجه المقنع للفناء فتضمر تتقلص و تفنى، لا يلغي الإنسان الفسيفساء صدى الفسيفسائية المتناقضة في الحركة القانون الذي يجسد الفراغ بكمون البداية في النهاية بل ينبثق كوجود، يتعالى، يتصاعد، ينتشر في العدم يحيلنا على الماء، يبعث  في الفضاء فسيفسائية ألوان رغم الصحراء وجودا نشيدا وغناء- رؤى- في الصوت لتحقيق اللقاء، تناقضا منسجما.

ينعدم الوجود خارج الذات حتى و إن كانت الحركة تتم خارج الطبيعة، راقبوا الشمس التي تستنفذ و تستهلك كتمظهر للفناء بطغيان السواد تنبجس منه الأنوار بانبعاث الرؤى، يتعين الوجود من خلالها إنسانا فسيفسائيا متناقضا غير خاضع للقيود و الحدود، حيث تنبع الرؤى من ذاته.

 

 ليس الخلق بناء يرتبط بالقانون، و القانون جوهر الدورة و الدورة ينتفي فيها الوجود لفقدان الإدراك تمثلا و اختيارا و طغيان الذاتية عمى، صمم من خلال التصادم، التنافر، افناء و انهاء بالضمور و التقلص.

ينعدم الوجود إذا كان انبثاقا من رحم العدم عبر حرية الحركة قبل الإنسان البدائي الذي خلقه بالانفلات من الغرائز،و بعدم الانصياع للقانون و التمرد على الإيمان كموضوعية – رؤى تنبثق من العدم، الفناء- تنتشر تتصاعد في الفضاء حتى أن الإنسان ليس تحت تأثير الذات كموضوع فضلا على أنه ليس تحت الموضوع كقانون.

حقا الرؤى لا تنسق مع الطبيعة ألا ترون الأنبياء قد جسدوا المعجزات بمعزل عن الصحراء و الماء في قوس قزح  طالما أن الوجود كما قبل الإنسان البدائي ليس سوى السواد الذي يطغي و الظلام الذي يسود، انبثق إذا لحظة خلق في الفراغ بحضور الذات الملغاة في الدائرة، ذلك أن الرؤى ليست سوى أنوارا في العدم.

الحق، الحق أقول لكم أننا بإلغاء الإنسان ننكر الأديان التي تتالت منذ العصور البدائية متوجهة له داعية إياه للإيمان ترغيبا و ترهيبا. الحق ، الحق أقول لكم بأن الأديان تقر بإمكانية تمرد الإنسان على القانون و إمكانية خرقه لستاره الواهي بالإنسلاخ عن عالم التوحش و إلغاء أدواته، الغرائز. الحق، الحق أقول لكم بأن الإنسان باعتراف الأديان، يخلق الرؤى عبر الاختيار، فإذا كان ذلك كذلك فإن الإنسان البدائي شكل ملامح مسيرة الإنسانية في انبثاق الفردية جوهر الفسيفسائية أي صنع التاريخ، رؤى متجسدة خارج الطبيعة، بدأ الزمن حقا يتفتح يتدفق يفيض لحظة انبثاق الحركة في العدم إنسانا يصنع وجوده، بإمكانية الاختيار و بتمثل إمكانية تجاوز التوحش صار البدائي ليس الكائن المتوحش مؤطر محكوم بالغرائز بل انصهر في الفسيفسائية الحركة اللانهائية كرؤى، وبذلك انبجس وجوده في الفضاء باجتياح السواد لا كامتداد، وجود اشكال، احجام واجساد، بل حركة منطلقها الرؤى المتحررة من الغرائز، ينبثق الزمن لحظة خلق الوجود المتمثل في تفعيل الانسان جوهره كفسيفسائية منبعثة أنوارا، بوارقا تومض و تلمع في السواد حتى ان الشمس تنصهر في الدورة لقابليتها للاستنفاذ بينما يمضي الانسان الى الماضي الكامن في ذاته لتحقيق الهوية كلقاء عبر الرؤى فتنتفي السرعة خارج التشكل.

نحال على الأنبياء - بارتباط الإنسان بالرؤى لأنها جوهره نشيدا و غناء يستحيل الوجود فعلا عبر الحركة - لان الإنسان البدائي انفتح على الممكن قدرة على الفعل ليس عالم أشياء، أجسادا، أشكالا و أحجاما بل إمكانية لا بماهي موضوعات، بل بماهي رؤى تتجسد - الذين يجسدون المعجزات في حقيقتها نبوءات.

يحتكر الانسان البدائي النبوة كرؤى، حركة الانسان خارج الحدود و القيود تتجسد كمعجزات بدأت منذ الانسان البدائي الذي لم تذهله صدمات التوحش و لم تغيبه وهو ما جعله ينجو من دائرة الامحاء أي ان الانسان البدائي كان المنطلق لنشأة الانسان الفسيفساء، وهو حقا المقياس الذي يقاس من خلاله قدرة الانسان الفسيفساء على التمرد على الطبيعة و بعدم التنسيق معها كغرائز، تأملوا سحره، أساطيره، خرافاته، طقوسه، سعيه لا للخروج عن القانون فحسب بل للهيمنة على التوحش يتحسس طريقه في الرؤى نشيدا و غناء تتجسد معجزات بحكم عدم ثراء اللغة لانطلاق الصوت. حقا كيف يتردد صوت الانسان البدائي رغم افتقاره للغة المتفجرة؟، ولكن هاهو يرفض التشيؤ عبر السحر، لانه موجود في الرؤى كنبوة تجتاحه و لا يحسن تجسيدها كان من المفترض أن يشله التوحش، يذهله و يغيبه غير أن صوته تصاعد منبعثا من بين طبقات السواد، التوحش و عماه أي خلق الوجود الانسان، رؤى تتجلى له في الأسطورة، السحر، الخرافة، لغة لا تتعين بلا صور تتشكل عبر الصوت. فإذا كان البدائي يتوسل بالسحر للهيمنة و إخضاع عالم التوحش فلأنه متواجد خارج عالم الفناء أي هو متمثل لهذا العالم الذي لا يفتأ يصدمه باستمرار عبر عناصره و ظواهره العصية عن التفكيك و التحليل، و الحقيقة و هذا ما يوحي للمتأمل ضراوة التوحش يواجهه البدائي ككائن مهدد بالإمحاء حضور الذات باللاموضوعية أي التناقض لا كرغبة بل حقيقة يتحرك فيها البدائي على نقيض بقية الكائنات الخاضعة للقانون بعدم التنسيق مع الطبيعة. فإذا كانت الدورة تتحقق وفق نظام مسطر مؤطر فإن الرؤى تنبثق من العدم أنوارا جوهرها ذات الانسان إذ هو ليس آلة تمر منها الأنغام، فإن الرؤية بتناقضها لا تستنفذ مطلقا عبر التجسد، و السحر ليس سوى إلغاء الموضوع أي تجلي الرؤى في تناقضها دون التجسد أي قدرة البدائي على الحركة خارج عالم التوحش.

الحق، الحق أقول لكم بأن البدائي برفضه التشيؤ تجاوز ذاته أي انفتح على الأبدي الأزلي اللانهائي ها نحن نصغي لنشيده منبعثا بين طيات الإعصار يعلو ينتشر يتردد صداه. و رغم ذلك فإن النشيد و الغناء بماهو حركة خارج القانون تتعين عبر الصوت يتجلى في اللغة متشيئا تتشكل أشكالا تتجسد أجسادا مختلفة الاحجام فتستحيل أطلالا. لم يكن نشيد البدائي استغاثة لانه يقطع مع الدورة كقانون شأن الأنبياء في الصحراء بما هو فعل خارج الطبيعة عبر الحركة فيتمكن منه الفناء. الرؤى لا تتشيأ عبر اللغة المشيأة القابلة للإندثار، فإذا كان نشيد البدائي في عالم التوحش ينبثق من بين طيات العدم كعالم إفناء صمت خرس خواء، بمنأى عن الغرائز شأن رؤى الأنبياء يحيلنا على الألوان الكامنة في الماء، فلا محالة إذا أن الرؤى محتواه في الصوت، لا تستشف من اللغة المشيأة و لا يمكن أن يكون تعدد هذه اللغة غير وليد قصورها، و دليل قدرة الصوت على التجلي اللامحدد في وحدته المتجذرة في عمق الإنسان، تنتفي اللغة و تنتهي في خفوت الصوت خالق اللغة. فإذا اين تقبع الرؤى بما هي كذلك؟ إذا كانت اللغة تؤطر الرؤى المتجسدة في الصور عبر الصوت فلا مجال للشك في اعتبار الصوت الحاضن لها كممر تتمظهر من خلاله نشيدا و غناء و لا تتشيأ باعتبارها منافية للدورة، و هو ما يجعلها خارج الايمان بالقانون طالما انها لا تؤطر. غير ان النشيد و الغناء المتعين عبر اللغة يتعرض للفناء أشكالا أجسادا و أحجاما - حين يطغي الايمان تهدأ الحركة و حين تهدأ الحركة، ينتفي الفعل و حين ينتفي الفعل، يخفت الصوت، و حين يخفت الصوت تموت اللغة و حين تموت اللغة ينعدم الخلق.

 لا تتشيأ اللغة إلا لارتباطها بالتشيؤ حين تصبح عملية تصنيم الرؤى و تحنيطها في صور، وهو ما لا ينطبق على الصوت فالانسان قادر على نطق أكثر من لغة، حينها يحال الإنسان على الاغتراب عن ذاته لأنه مجبول على الحركة متى وقف عند حدود اللغة كايمان بالقانون، فالاغتراب ليس سوى انتفاء الفردية كلما آمن الإنسان تشيأ، و كلما تشيأ هدأت الحركة، و كلما هدأت الحركة هيمنت الذاتية، و كلما هيمنت الذاتية ساد التوحش الوجه المقنع للفناء عبر التنافر التصادم العدوان أي الخضوع للقانون جوهر الدورة، الضرورة التي تقتضيها المادة لتتشكل و لن يتم ذلك بلا فناء.

يتعالى صوت الانسان البدائي، يرتد صدى نشيدا و غناء ينبعث من الماضي الكامن في ذاته، جوهره كحركة، معينا الرؤى التي لا تمحي و لا تتلاشى حين تتجسم كمعجزات لأنها تنبع من ذات الإنسان الفسيفساء تخترق العصور المؤطرة بالقانون محتواه في الزمن، رغم أنها فعل الإنسان كحركة تفنى، سعيا لخلق عالم مناف للموضوع الخاضع للقانون. ورغم ذلك ترتد هذه العصور للفناء لأنها مشيأة، إيمان الإنسان بالقانون إذ حركة العصور تجسد الرؤى في أشكال كصور أحجام و أجساد حقا العصور ليست سوى قصور اللغة في تحقيق وجود الإنسان كجوهر عبر الرؤى بارتباط هذه اللغة بالطبيعة - كحركة.

العصور هي الوقوف على قصور اللغة في تجسيد الرؤى المارة في شكل نشيد و غناء عبر الصوت الغير الخاضع للقانون، و رغم ذلك فإن اللغة- هي تجسيد الرؤى المارة عبر الصوت -الذي يخلقها. فهي في حقيقة الأمر لا تمت لعالم التوحش بصلة. رغم تجسيدها للرؤى، لان صوت الإنسان ينبعث شدوا و غناء، ورغم ذلك يتجلى قصورها من خلال اندثار العصور حتى أننا نستشف أن تلك العصور أبعد ما يكون يكون عن حقيقة الرؤى المناقضة للقانون من خلال اللاموضوعية، نتيجة خفوت الصوت نشيدا و غناء بالارتداد إلى التوحش عبر الإيمان بالقانون جوهر الدورة أي تعين المادة كضرورة تقتضيها أشكالا، أحجاما و أجسادا في إطار تعين الفناء لأنها تنتفي بلا شكل في حضور التفجر، و ما إن تتفجر حتى تتشكل من جديد قسرا وجبرا شأن البذرة، عكس الرؤى التي لا تتوالد و لا تتناسخ عن جوهرها كعملية متناقضة بمعزل عن الامحاء عن التلاشي. انظروا رؤى الأنبياء يا أصدقاء، لا تستنفذ و لا تستهلك لأنها كامنة خارج اللغة رغم مرورها صورا عبر الصوت، و حقا الإنسان يجتهد في تجسيدها عبر اللغة لأنها و بكل بساطة لا موضوعية، خارجة عن الدورة بقانونها المشكل للمادة. وهو ما يجعل الأنبياء لا ينطقون عن الهوى، لأنهم لم يحددوا أو يؤطروا هذه الرؤى بل وقفوا عند حدود تجسيدها كمعجزات و هم مصيبون في ذلك و حق السماء لأن الرؤى لا تستنفذ بما أنها خارج أنساق الطبيعة كقانون تسري في اللازمان و في اللامكان قابلة للتجسد في كل آن  كمعجزات إذا كان الراهن يرتبط بالأشياء أجسادا، أشكالا و أحجاما، و تقتصر في التعين للإنسان كاختيار حتى أن النبي هو المصطفى و لايصطفى غيره لأن هذه الرؤى ترتبط بالفردية جوهر الفسيفسائية الإنسانية إذ نبوة الأنبياء هي اللاموضوعية، وهو ما يعني أن نبوة الأنبياء هي إيحاء بالحقيقة الكامنة في ما قبل اللغة، يسعى الإنسان إليها منذ البدائي و ماهذه الحقيقة سوى إلغاء الفناء، إذا كان العالم الخارج ذات الإنسان جوهره الفراغ، الزوال كمادة، و لم تتعين هذه النبوة لغير الإنسان كرؤى، و فعلا هذا هو جوهر النبوة ألا وهو الكفر بخارج ذات الإنسان، و الإيمان بالإنسان كقدرة على الحركة عبر النبوة، مصدر الحقيقة، الغاء الفناء، لا بما هو آلة تمر منها الأنغام، تجلت هذه النبوة منذ الانسان البدائي.

يتعذر التواصل بين الانسان و الطبيعة لأن أحدهما موجود و الآخر مفقود بدليل أن ممارسة فعل الانسان فيها لا يقابله رد فعل مباشر، و البحث في قناة التواصل عمل محكوم بالفشل، لأن اللقاء عبر بروز الذات كاختيار من خلال الفسيفسائية جوهرها الفردية، و كل تنسيق هو اغتراب الانسان عن ذاته و ارتداده متشيئا و مطبقا للقانون بارساء التنافر، التناحر، الصراع، الافناء و الانهاء، بالخضوع للدورة المؤطرة المسطرة. فإذا كان التواصل ينتفي في ظل المادة أشكالا، أجسادا و أحجاما مما يجعله لا يرتبط بالانسان الفسيفساء كفردية، بل ينبعث في الانسانية كلقاء في ظل التناقض، إذ صوت الانسان البدائي القادم عابرا العصور، فارقا خارقا القانون لا يرتبط بالذاتية كتنافر، إذ التواصل لقاء الفردية المتناقضة يتم و يتجسد خارج القانون، فصوت الإنسان البدائي المطمور بالتوحش، الخارج أنساق الطبيعة بالضرورة عبر الرؤى يتدفق في شرايين المستقبل محققا الفسيفسائية. لم ينسق البدائي مع الطبيعة ،شأن الانبياء في تجسيدهم المعجزات مع الصحراء، و بما ان نبوءاتهم بقيت بمعزل عن اللغة المتشيئة، التي تفني فيها صور الرؤى اشكالا ، اجسادا و احجاما مما يجعلها تفنى هي ذاتها إذا توقف الصوت عن النشيد و الغناء بارتدادها الى التوحش ايمانا بالقانون، فالانسان البدائي نسج على نفس المنوال بتجاوزه للموضوع حتى و ان كانت اللغة لديه مفتقرة و هو ما يفسر ضحاله منجزاته، و دخوله مسيرة الانسانية من باب ما قبل التاريخ رغم صنعه للتاريخ- و رغم ذلك وهو ما يؤكد خروجه عن الموضوعية في الوقت الذي كان صوته نتيجة صدمات التوحش و انغماره في الطبيعة - غير منطلق.

حقا لا يثير فينا تواصلنا مع البدائي الدهشة لان صوته خارج انساق الطبيعة بالضرورة، ممر الرؤى نبوة الانبياء تجسيدا للفسيفسائية الانسانية الخارج الموضوع كلقاء، إذا كان البدائي متواجدا في الابدية كصوت رغم افتقاره للغة وفناء العصور لتشيؤها، رغم انها وليدة اللغة، حين تكتفي هذه العصور بالصور و لاتتبع الرؤى كنبوة، عبر الايمان بالقانون من خلال اللغة التي هي من خلق الصوت ممر الرؤى، أي ان العصور هي الارتداد للتوحش وهو ما يحيلها على الفناء لانها تشيأت، غير ان السؤال الذي يطرح هو هل أن هذه العصور هي ايمان الانسان بالصور ام تواجده في الرؤى ؟ البدائي الذي انسلخ عن التوحش المؤطر بالدورة بجوهرها القانون عبر الرؤى التي تنفي الزمن إنما كان ذلك اختيارا يشرئب بالنظر الى المستقبل وهو في الحقيقة ليس سوى ما يبدو لنا اذا كان ما تنجزه ليس غير ظاهر الرؤية الذي يخدعنا أي صورها التي تتبدد عبر التشكل و التجسد.

البدائي الذي تمكن من التحرر عبر الازدواجية من خلال ازدواجية المعنى في اللغة. فإن كان يعي ضعفه أمام صدمات التوحش فقد تجاوز هذا الضعف في السحر الأسطورة و الخرافة فهو شأنه شأن الانبياء في تجسيدهم للمعجزات في الصحراء.

لم ينسق البدائي مع الطبيعة لأن كل سعي للتنسيق معها طمس للفردية كذات مدركة و عودة للتشيؤ إيمانا بالقانون بإرساء التنافر، التناحر، الصراع، الإفناء و الإنهاء بيد أن البدائي كانت حركته عبر السحر الأسطورة و الخرافة لا تخضع لغير قدرة الذات الكلية رغم الازدواجية وهو لعمري تفعيلا للفسيفسائية. أدرك البدائي بحكم تواجده خارج انساق الطبيعة رغم انه مطمور في عالم التوحش أن التنسيق مع الطبيعة هي عملية تشيؤ جوهره تأطير، تحديد، تغييب، إقصاء، تصلب، تحجر، إفناء لأن الذاتية ليست سوى الغاء التفجر و الازدواجية دليل قسوة صدمات التوحش تتراءى للإنسان البدائي من خلال القدرة على تجاوز عالم الفناء عبر الرؤى رغم اسنادها لغيره من القوى التي هي من خلقه، ليس الادراك الوعي بصدمات التوحش عبر المادة التي تحركها الغريزة من خلال التصادم، التآكل، التحطيم و التدمير كجبلة لأن الشكل متغير بما أن رؤى الأنبياء لا تتجسد عبر اللغة المتشيئة و إذا كانت الغريزة هي تجسيد القانون جوهر الدورة الخاوي أي إلغاء الفردية كاختيار، فإذا الإدراك ها هنا الاختيار كفردية، أدرك البدائي أنه مطمور في عالم التوحش يتجلى فيما يساوره من مخاوف هذا الخوف الذي هو توقع، لم يكن توقعا، توجسا، ريبة، بل إطارا يتواجد فيه البدائي، قد خبره و تمثله لا بالغريزة تجاوزه بانتظاره.

حقا العصور هي التشيؤ أيها الأصدقاء في حدودها و أطرها بما هي منجزات في عالم الطبيعة و محاكاة لها تفنى حيث تكون الطبيعة ممثلة بارعة لعالم الفناء محكومة بالقانون بمعزل عن جوهر الخلق، فإذا العصور خضوع للدورة حتى أن الأشكال الأجساد و الأحجام كمحاكاة تتحلل تتفكك و تنهار كمنجزات. ليس هناك قانون غير قانون التشكل في المادة، ليس هناك دقة لأنها إطار الشكل يتحلل يهترئ يتفكك لا كأوصال بل كفراغ، الدقة هي الحد هو ذا ما يحيلها على اللاجدوى كمبدأ من مبادئ التشيؤ، الإيمان. ليس هناك وجود غير الإنسان الذي انفتح مجسدا الهوية بالانسلاخ عن الذاتية فإذا كان البدائي هو أول من تحققت من خلاله الفسيفسائية بعدم انصياعه للقانون عبر السحر الأسطورة و الخرافة فإنه بذلك كفر بالمادة، انظروا المادة يا أصدقائي تتحجر و لا تتفجر لأن البدائي أدرك عدم جدواها في السحر كسحر بكمونها في ذاتها منعدمة القدرة على التفاعل حتى تغدو مسرحا لحركة القوى، قوى الإنسان الذي يستمدها من ذاته كإنسان فسيفسائي يسندها لغيره بحكم صدمات التوحش المباشرة، فراغها، خوائها و غيابها كذات وهو ما يحيلنا على الماء ذلك الكائن الخاضع لسجنه ما بين الفضاء و الصحراء يخدعنا بألوانه الفسيفساء، لأنه أبعد ما يكون عن الخلق فهو ليس غير مادة فسيفساء ألوان مركبة منفصلة تخضع للدورة.

البدائي يا أصدقائي ليس سوى الإنسان الفسيفساء  منسلخا عن التوحش شأن الأنبياء في إلغائهم الصحراء بتجسيدهم المعجزات، و لأن البدائي هو أول نبي في عالم التوحش فإن الفسيفسائية جوهر الرؤى ، بما هي أزلية أبدية تظل قائمة كحركة في الإنسان رغم اختفاء العصور كطارئ، مما يجعل صوت البدائي يسري، ينتشر، يتردد نشيدا و غناء، خارج أنساق الطبيعة، يتضمن الرؤى كقدرة على إلغاء الفناء، صوت البدائي ممر الرؤى بما أنه إنسانا فسيفسائيا يتضمنها معجزات، وبهذا المعنى فإن الفسيفسائية جوهر الإنسانية هي معجزات تتحقق حين تمر الرؤى في الصوت الذي يخلق اللغة تتعين من خلالها صور الرؤى أجسادا، أشكالا و أحجاما، خلق مجسمات تدعى منجزات فإن هذه الرؤى لا تهدأ و لا تلين وهو ما يجعلها تنتقل عبر الصوت كلما آمن الإنسان بالموضوع تاركة آثارا يمحوها الزمن وهو مبرر كاف لهبوط الأنبياء كلما تشيأ الإنسان.

يطفو الأنبياء من العدم لتجسيد الرؤى في الصحراء رغم اتفاقهم في النبوة و اختلافهم في الرؤية و هذا هو بيت القصيد يا أصدقائي فالأنبياء الذين تواتروا خاطبوا الإنسان في عمقه فعلوا قدرته على التحرر من الدورة كقانون متضمنة في العصر أشكالا، أجسادا، و أحجاما متعينة عبر اللغة بدليل إمحاء العصور و فناء اللغة، بل الأنبياء و بهبوطهم ألغيت الصحراء لان الاعجاز يطفو من العدم عبر اللغة في إطار قدرة الصوت على الخلق وهذا ما يطالعنا في خطاب الأنبياء ألا وهو كفرهم بالتشيؤ كإيمان ينضوى تحت لوائه الإنسان في اللغة.

يستمد الأنبياء وجودهم من العدم من الفراغ بدليل بتر الروابط بينهم و بين العصر المتشيئ المرتد لعالم الطبيعة حتى أنهم لا يفتؤوا يلحون على نسبية وجوده وهذا بديهي لأن قطع الأنبياء مع القانون الذي هو تشيؤ عبر الدورة إنما أساسه قطع الرؤى مع المحاكاة، أي عدم التنسيق مع الطبيعة شأن البدائي في اختراق المادة عبر السحر، و لكن هل كان الأنبياء غير التبرؤ من التشيؤ يا أصدقاء؟

كان من المحتمل أن تطغى خديعة الماء كفسيفساء ألوان وهو حقا ليس سوى تمظهر القانون في الصحراء فالماء كالسراب عالم تحجر، تقلص، ضمور، فناء، نقيض التفتح، التصاعد، الانتشار، القدرة و الاقتدار وهو ما يجعل الأنبياء يخلقون الماء عبر التفجر.

خارج القانون ينتفي الزمان و المكان إذا كان جوهر رؤى الأنبياء الكفر بالموضوع و عدم الإيمان به مطلقا لان المادة لا تتشكل حين تكون فراغا فناء و ما تفجرها غير رؤية تتشكل في صورة إذا كانت الفسيفسائية تنبع من الفردية اختيارا متناقضا كانسجام، حتى أن التوحش هو السير في مسار واحد وحيد يتيم نحو الفناء بطمس الذات خضوعا للضمور و التقلص و استسلاما، فإذا الوجود كإنسان يتحدد من خلال التمرد و تجاوز عالم الطبيعة أي باختراقه خلقا في العدم في الفراغ وينتفي الوجود بانتفاء جوهر الإنسان كفردية متناقضة جوهر الفسيفسائية،و إذا كانت العصور هي الارتداد إلى التشيؤ عبر اللغة أي إيمان الانسان في العمق بالقانون، أي الخضوع للفناء عبر التوحش بغرائزه المتسلطة على المادة لان العصر مؤطر ما بين التفجر و التحجر، و إذا كان الأنبياء طفوا من العدم تمردا على القانون عبر اللاموضوعية بما أن الموضوعية هي الوقوف عند الموضوع وقوف عند الفراغ لان الشكل منعدما طالما أن الرؤية لا تستنفذ و لا تستهلك، فإن الأنبياء حرروا الإنسان عبر المعجزات من الإيمان بالصور، إذا كان العصر في صميمه كذلك ثباتا، ترتبط باللغة أو هكذا يبدوا، فهبوط الأنبياء تأكيدا لحركة الإنسان الفسيفساء اختيارا عبر الفردية كتناقض للعودة إلى جوهره الكامن في ذاته عبر الصوت ممر الرؤى تتعين في اللغة صور. فإذا الرؤى التي تنبعث من البدائي عبر السحر - الأرواح الشريرة تعود أصلا للازدواجية و البدائي يتمثلها كمهدد لكيانه، لوجوده كله و لا ينفيها بل يقرها لأنه مطمور في عالم العداء و الاعتداء و الافناء فهي حقيقة ملموسة بينما يرغب في القدرة كقوة تزيل فعل الأرواح الشريرة عبر الانصهار فيها أي في الأرواح الخيرة التي هي في الأصل آلهة- تتجدد في انبعاثها عبر الأنبياء إذا كان البدائي هو أول نبي من خلال الأديان، فالنبوة هي معجزات عبر اللاموضوعية أي أنها بمعزل عن التنسيق مع الطبيعة لأنها خلق في العدم فإن النبوة عبر الأنبياء حلت لتخلق الوجود كإنسان حينما يكون الموضوع دورة فراغ زائلة وهو ما يتأكد عبر الأديان.

و عبر المادة بزوال الشكل، و الرؤى هي انفتاح الإنسان الذي آمن بالموضوع المتمثل في العصر بوقوفه عند حدود اللغة المتشيئة جسدها الأنبياء كمعجزات، إنما هي تأكيد لهذا الوجود في إلغاء الفناء، طالما أن النبوة في جوهرها لا تخضع للأطر بل هي رؤية خارج أنساق الطبيعة الملغاة و هذه حقيقة بشارة الأنبياء بدءا من الإنسان البدائي في تجسيد المعجزات لا بإنارة الوجود بل بخلقه إذا كان عالم التوحش معدوما بالدورة عكس النبوة كرؤية، خليق بنا أن نذكر أن الأنبياء انطلاقا من البدائي جسدوا التمرد و العصيان من خلال اللاموضوعية بإذابة الإيمان، فالبدائي الذي لم ينصهر في الدورة رغم انغماره في عالم التوحش كان أثناء ذلك يتفتح، ينتشر ليتمثل عالم التوحش و يدركه، فصار خارجا عنه، ففي الوقت الذي كان فيه عالم التوحش يضمر و يتقلص بحكم فراغ المادة لارتباطها بالدورة كشكل، لم يتم خلق ذات الإنسان عبر النبوة بل أعاد الأنبياء الإنسان المغترب إلى ذاته، عبر الرؤية تتجسد كمعجزة في عالم التوحش خلق في العدم و هذا هو مسار الأنبياء في تجاوز العصور، بتحرير الإنسان من التشيؤ، وهذه بديهة حركة الإنسان الفسيفساء في القدرة على تجاوز أنساق الطبيعة بالتمرد و الرفض كفسيفسائية جوهرها اللقاء من خلال الاختيار كفردية، بدليل هبوط الأنبياء، فتصبح النبوة جوهر الإنسان الفسيفساء في تحقيق اللقاء عبر الحركة، و هي ليست سوى إلغاء الفناء عبر النشيد و الغناء، فإذا كانت العصور هي ارتداد الإنسان إلى الفناء بدليل تشيؤ صور الرؤى عبر اللغة فإن النبوة هي تجلى