|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 حزيران 2008 |
|
حقيقة الموقف من المالكي
كتابات - ضياء الشكرجي
العنوان كان يراد له أن يكون «حقيقة موقفي من المالكي»، ولكني لم أرد الإيحاء عبر العنوان بأن للقضية بعدا ذاتيا متعلقا بكل من شخص الكاتب وشخص رئيس الوزراء، لأنها إنما هي قضية ذات بعد وطني، وإن كانت مناقشتها هنا من زاوية فهم لكاتب المقالة.
والمقالة ليست لها علاقة بحدث معين، بل هو موضوع أفكر بالكتابة عنه منذ فترة، ولذا إذا أتى نشرها متزامنا مع مؤتمر العهد الدولي في ستوكهولم فلا علاقة لذلك بهذا الحدث، فهو قد يمثل واحدا من نجاحات حكومة المالكي، وربما يستحق الحدث مقالة مستقلة، ويحتاج الحكم له أو عليه إلى ثمة إحاطة ببعض تفصيلاته.
أما لماذا أريد أن أكتب عن موقفي من المالكي، أو ربما عن أسباب عدم حسمي للموقف الواضح تجاهه، فلأن البعض ممن يلتقون معي في مواقفي السياسية والقاعدة الفكرية التي أنطلق منها، يتوقع مني أن أكون أشد حدة في النقد بحيث أبلغ درجة الهجوم على شخص المالكي وعلى أدائه، وأحمّله مسؤولية ما يرونه مسؤولا عنه. كما إن البعض الآخر ممن يلتقون معي أيضا في مواقفي السياسية والقاعدة الفكرية التي أنطلق منها، يتوقع مني وبعكس الفريق الأول أن أكون أكثر تأييدا للمالكي في القضايا التي اتسم أداؤه بالحس الوطني العراقي والحرص على إنهاء الكثير مما نتطلع إلى إنهائه.
أما عن جواب أين تكمن الأهمية في التعريف على حقيقة موقفي من المالكي، فأقول بما أن المسألة ليست مسألة ذاتية فيما أكتب، بل إني أعبر عن ثمة توجه له رواده ومتلقوه ومؤيدوه، وكون هؤلاء لا يلتقون بالضرورة مع من يلتقون معه على نحو التطابق التام، وهذه ظاهرة صحية، لأنها تعبير عن مبدأ النسبية في مثل هذه القضايا، أرى من حق قرائي وعموم العراقيين الذين يلتقون معي إلى حد كبير، من حقهم علي أن يعرفوا حقيقة موقفي، ولا أعني بحقيقة الموقف أن ما كتبته حتى الآن لم يكن يعبر عن الحقيقة فيما أتخذ من موقف من المالكي، وإنما أعني حقيقة ما يكمن وراء ما يبدو غير محسوم بشكل تام، تأييدا أو معارضة.
ليست القضية أني أقف في الوسط من هذا وذاك رغبة في التوسط لذات التوسط بين الموقفين، كما إن ليست مواقفي التي يبدو فيها الكثير من التأييد والدعم ذات علاقة بخلفية ارتباطي السابق بحزب الدعوة، أو بالعلاقة الودية بيني وبين المالكي لسنوات تقترب من العقدين، ولا هو من قبيل إبقاء الباب مفتوحا لحصولي على موقع ما، لأني حاسم أمري بشكل نهائي أن أدخل في فريق يهيمن عليه الائتلاف بدرجة أو أخرى. كما ولا علاقة لمواقفي التي تبدو فيها ثمة معارضة بكونها من قبيل ردة فعل وتصفيه حساب بسبب انفكاكي عن الحزب، وتحولي عموما من التيار الإسلامي إلى التيار العلماني سياسيا، عبر مراحل ومخاضات يعرفها الذين تابعوا كل تلك المراحل.
وموقفي المتوسط، والأقرب إلى التأييد لشخص المالكي، والأقرب إلى المعارضة لحزبه حزب الدعوة، إنما يعبر عن عدم جلاء كامل الحقائق بالنسبة لي. وهذا لا يعتبر أمرا معيبا أن يكون متصد للشأن السياسي والتنظير والتحليل له على نحو لا يملك معه كامل ملامح الصورة كما هي حقا، لأن من يكون خارج المسرح السياسي لا يتأتى له مهما تكن متابعته أن يطلع على جميع الحقائق، مما يترتب عليها موقف حاسم إيجابا أو سلبا.
وهنا أقول لو تبين لي بشكل واضح أن المالكي، وهذا ما لا أرجوه لا لشخصه ولا للعراق، لو تبين لي أنه يسير مسارا مضرا بالعراق، من حيث السكوت على الفساد الإداري والمالي للكثيرين من القريبين منه بدرجة أو أخرى، ومن حيث سكوته على التدخلات الإيرانية التخريبية، ومن حيث تقويته من حيث يرغب أو من حيث لا يرغب للكيان الإسلامي الثاني في التحالف الرباعي، الحليف الأكثر ولاء لإيران، والأكثر تشددا في فكره الأصولي، عبر إضعافه للتيار المنافس لهذا التيار وميليشياته، وإذا ثبت أنه غطى على جرائم لبعض الحلفاء والقريبين وتسامح فيها، لا من قبيل الإرجاء وتحين الفرصة المواتية في وقت لاحق، بل على نحو ما يكون فيه السكوت محرما، ومعبرا عن ثمة رضا أو تسامح، أو لو تبين لي أنه استخدم منصبه للإثراء أو غض النظر عن استغلال المحيطين به قربهم منه للإثراء كما ينقل، ولو تبين أنه يعطي تنازلات لطرف دولي أو إقليمي أو حليف سياسي، لا من موقع الاضطرار على قاعدة العمل لتحقيق الممكن وبالتدرج، وإنما تمسكا بمنصبه، وقائمة الـ(لو) والـ(إذا ما) في هذا المجال طويلة بلا شك، فلو تبين لي كل أو جل ذلك فسيكون موقفي بكل تأكيد متناسبا في شدته بالمعارضة، حسب مقدار التجاوزات كما ونوعا، ولعله سيصل إلى مستوى الإدانة والخصومة السياسية الحادة.
وبالعكس لو تبين لي أن الرجل، وكما يبدو لي ولكثير من الديمقراطيين الليبراليين، أنه حقا يحاول جهده أن يضع نهاية لظاهرة الميليشيات بكل توجهاتها بلا استثناء (التيار، المجلس، الپيشرمرگه، وميليشيات الحزب الإسلامي)، ويريد أن يوقف التدخل الإيراني عند حده، ويعمل على إرساء بعض قواعد الديمقراطية، من تأييد لانتخابات القوائم المفتوحة والوقوف بوجه مشروع السوپرفيدرالية الشيعية، ودعم حظر استخدام الرموز الدينية ودور العبادة للدعاية الانتخابية، وتأكيد السيادة الوطنية فيما هي العلاقة بين العراق والولايات المتحدة، التي أراها شخصيا أن تكون علاقة صداقة وتعاون من غير هيمنة ومن غير مساس بأصل السيادة الوطنية، وإذا كان سيتصدى عند سنوح الفرصة لجرائم الفساد الإداري والمالي حتى لو كان مرتكبوها من أقرب المقربين له حزبيا أو ائتلافيا أو عائليا، وسيطهر قوات الأمن والشرطة من كل ولاء حزبي أو طائفي أو قومي ليكون الولاء وحده للعراق وللدستور والقانون، وقائمة الـ(لو) والـ(إذا ما) هي الأخرى طويلة في هذا الاتجاه؛ عندها سأضع كل ثقلي في تأييدي له، وأكثر بكثير مما أفعل الآن، وإن كنت لا ألتقي مع الأحزاب الإسلامية، بل سألتقي معه على الأساس الوطني، ولعله مع حزب الدعوة إذا ما تحول إلى حزب وطني ديمقراطي، وهكذا إذا واصل المالكي السعي بجدية كبيرة للقضاء على الطائفية السياسية، وأقنع حزبه بالتحول من الائتلاف الشيعي الأصولي إلى الاصطفاف مع القوى الوطنية، وسيكون التأييد بمقدار ما يخدم نهجه وأداؤه مصالح العراق والمشروع الوطني والديمقراطي، ويقف عند نقطة التعارض مع هذه المصالح.
ولو افترضنا أن المالكي قد خلط بين بعض من ذا وذا، فسيكون الموقف معه بمقدار الأداء الإيجابي والنافع وطنيا، وضده بمقدار الأداء السلبي والمضر وطنيا، وبحسب مقدار أي من الجانبين.
وإني بحسب المعطيات التي أملكها حاليا أراني في معارضتي للمالكي أقرب إلى موقف الدعم والإسناد والمعاضدة فيما فيه خدمة للعراق، من موقف التقاطع والحدة في المعارضة. ومعارضتي إنما هي متأتية من معارضتي لقوى الإسلام السياسي، فيوم ينتزع المالكي نفسه وحزبه من وسط هذه القوى، سيكون الموقف بلا شك موقف تأييد وتعضيد وربما ائتلاف وتحالف أو تشجيع على الائتلاف والتحالف. أما إذا كان لا قدر الله منفذا لأجندات جهة سياسية أخرى لا تنتمي إلى التيار الوطني، وتهدد العراق بإخضاعه تحت هيمنة الدولة الإقليمية التي تنسق معها وتـُدعَم من قبلها (مع تنقيط العبارة إيران)، أو لأجندة دولية لا تخدم العراق وسيادته على المدى البعيد، أو لأجندة لأحزاب كردية على حساب (العراق الكل). وهنا أحب أن أوضح بأني شخصيا مع منح الأكراد أقصى ما يطالبون به في حدود كردستان بشرط الالتزام بمبادئ الديمقراطية على مستوى الإقليم، وفي المقابل مع مشاركتهم المتكافئة في الشأن العراقي العام، والاقتصار على المشاركة المتكافئة التي تفرزها الآليات الديمقراطية، ودون تجاوزها إرضاء للأحزاب الكردية، على سبيل المثال ضمن صفقة لها تأثيراتها على عموم العراق أو على جزء العراق الواقع خارج كردستان، لاسيما الجنوب والوسط، بحيث تتضمن الصفقة بيع الجنوب والوسط لنفوذ الجارة الشرقية الشقية لا الشقيقة (أعني النظام لا الشعب)، وتحويل إقليم الوسط والجنوب إلى شبه مستعمرة إيرانية في مقابل أن تتحول كردستان إلى شبه دولة قومية مستقلة، مع إني أؤمن بحق تقرير المصير للكرد دون قيد أو شرط، ولكن أفرق بين الوقوف مع الحقوق القومية للشعب الكردي وبين ملاحظات على القوى السياسية الكردية التي أخذت تنحى منحا ينأى عن الأسس الديمقراطية في كثير من عناصر أدائه.
فالقضية إذن فيما يتعلق الأمر بالموقف من المالكي، ليست قضية وقوف مع شخص أو حزب أو الوقوف ضدهما أو ضد أحدهما، بل هي قضية الوقوف مع القضايا الوطنية، والوقوف ضد كل ما يمسها وينتقص منها ويهددها. نعم حزب الدعوة ليس خيارنا نحن الوطنيين الديمقراطيين، والمالكي ليس مرشحنا، ولكننا من أجل العراق لا بد من أن نمد يدنا إلى كل من نستطيع نحن وإياه أن نقف على مساحة مشتركة للانطلاق بالمشروع الوطني مترا واحدا في طريق العشرة آلاف كيلومتر. ويبقى شعاري: كن معارضا منصفا، ومؤيدا ناقدا، ومنتميا مستقلا، كما وليكن شعارنا أن ما لا يُدرك من طموحنا الوطني كليا، لا ينبغي ترك السعي لتحقيق ثمة خطوات باتجاهه وبأقصى الممكن.
|