|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
12 آيار 2008 |
|
وطنٌ يُدعى...عصام جعفر
كتابات - علي الموسوي
هل يكتب الكاتب عن الأشياء العامة ام الخاصة؟ هل يتناول الشخصيات المشهورة ام المغمورة؟ هل يضع نصب عينيه رأي الجمهور ام رأيه؟ تساءلت كثيراً قبل كتابتي هذه المقالة...بماذا سينتفع القاريء إن قرأ لي مقالة عن صديق لي؟وبماذا سينتفع إن تكلمتُ عن نفسي؟؟...لماذا يدخل القاريء على مقالتي التي هي مُعَنْونة بإسم صديق لي (واغلب القرّاء لا يعرفه بسبب صمته لأنه يؤمن بأن الحكيم يصمت ويفكّر والجاهل يتشدّق ويثرثر رغم انه بصدقه وصفاء روحه وعذوبته وابداعه المسرحي اكثر ابداعاً من اكثر الأسماء التي يرتعب البعض حينما يقرأها).. لكنك ستعلم عزيزي القاريء في نهاية المقال سبب كتابتي عن عصام جعفر... ***
قلتُ في إحدى قصائدي: كعاقرٍ تلعب بالدمى أصنع أوطاناً صغيرة لا تبحث عن رقبتي نعم...فهذا هو عملي بعد ان فقدت وطني وضاع مني بليالي المنفى البارد... لنرى كم وطنا صغيراً لديّ؟أبي وامي وجدتي وحبيبتي وعدة اصدقاء كعصام جعفر وووووالخ...لم أفعل شيئاً سوى أنني جزّأت الوطن(داخل قلبي طبعاً فأنا لستُ بالحكومة العراقية الحالية التي تنهش بالوطن وتعطي الكيلومترات الشاسعة لدول الجوار...وكوم حجار ....)... تعَّرف أبي على عصام جعفر الكترونياً وأصبح صديقه...إلتقيت به بالمرّة الاولى في منزل بيت جدي...كنتُ أسمع إسمه بكنيته (أبو ديار) وهذا قبل أن اراه فتصوّرته رجلا في الستين من عمره ويرتدي نظارات سميكة كحزنٍ عراقي لكنني رأيته شاباً بصرياً وله تلك السُمرة التي تسببت بها شمس البصرة وروحٌ اشد لطفاً من قطعة حلوى لطفلٍ فقير... عاد إلى البصرة لكنه لم يكن صديقاً عاديا لوالدي...فقد رسخ في ذاكرتي ونفسيّتي العصيّة بإختيار الاصدقاء والإعجاب بأيٍ منهم...كائنا من كان....استمرت سلسلة اتصالات بيننا...فأحببت البصرة حُبّاً كبيراً بسبب عصام...إنتظرتُ بفارغ الصبر ذهابي الى البصرة لكنني ذهبتُ لها قبل يومٍ واحد فقط من عبوري إلى جهنم الباردة والمنفى النتن الذي تتحوّل به الذكريات إلى عقاربٍ تنهش الروح وليسيل بعدها الدمع.... كنتُ احاول ان ارى كل البصرة في هذا اليوم قبل ذهابي...ارى كل اصدقائي والمكتبات وتمثال السياب وشط العرب وخمسميل التي لم اعرف عنها شيئاً لولا علي الإمارة...كنتُ كما قال صاحب الضويري: الدنيا مدري شلون فرشت لي الشليل وفرهديتك يوم عذالي التهوا حاولتُ ان افرهد البصرة بقلبي...ان احتفظ لها بذاكرة داخل رأسي المعجون بالألم لكن هيهات!!...فقط ظللت وعصام مستيقظين الليل كله بين دخان السجائر والسوالف بين الشعر وغيره... يقول الجواهري: لي في العراقِ عصابةٌ لولاهم ما كان محبوباً إليّ عراق فما هي البصرة بلا عصام جعفر؟وما هو الوطن بالنسبة إلى إن لم يسكنه مَن أحبُّهم؟هل أحن إلى عملاقين من المياه المملوءة بالجثث؟وعلام أبكي حينما استمع لدجلة الخير؟ابكي لدجلة بسبب ساعة تسكع كانت لي مع سيد المتسكعين كافكا...ولماذا اعشق جامعة بغداد سوى لوجود اصدقائي والشعراء الذين أعشقهم...هل عليّ ان انفيكم معي لكي لا اشعر بالغربة؟هذا معناه ان العراق لن يكون به سوى الطغاة المتتابعين الذي يهجمون على اولاد الخايبة ويتركون اولاد الـ(قحـ...).. عصام جعفر...لماذا اشعر بك كأنَّك علي الموسوي؟هل تعلم انني لا اكون انانيّاً إلا حينما أفكر بك؟لأنني: انا من اهوى ومن اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا فإذا ابصرتني ابصرته واذا ابصرته ابصرتنا هل تعلم كم أنني ضحكتُ حينما قلتَ لي أنني خطبتُ وسأتزوج قريبا؟تذكّرتُ قولاً وحوّرته فأصبح(إستعينوا على قضاء حوائجكم بعصام جعفر)!!... لِمَ لم تقل لي يا عصام؟وهل زواجك ليس سوى فرحة لي تعادل زواجي بمن احب؟والله لزواجك فرحة عودتي التي ليست سوى سراب يحسبه الموسوي ماء... عصام... الساعة الآن الخامسة صباحاً بتوقيت قم...انا اشعر بالنعاس واشعر أنني اشبه بجهاز موبايل يقول لي كل برهة:الروح ضعيفة...أعد شحنها... ما هي قم حتى أبدلها بك ؟ما هي هذه المدينة المرعبة؟يحسدونني عليها لنظافة الشوارع: هناك... لا تعجب بنظافة الشوارع فالنفوس قذرة كدورةٍ مياه طافحة في بيت دعارة او حينما يحسدونني على جمال طبيعتها: جميلةٌ هي قم جميلةٌ جداً لو أن بغداد تغفو بها... يا عصام...ايها الألذ من التمر البصري واجمل من شط العرب...متى سيتهدَّمُ الجسر الخشبي الذي يتراقص تحت اطارات سيارات المنفيين؟متى سيتحوّل الوطن الى....وطن؟؟!!... يا عصام متى ستدق ساعة المعقل دقتها الثانية عشر بدون ركضنا نحو المنافي كأي سندريلا غبيّة؟متى ستكون منصة مسرحياتك هادئة وجميلة ولا تخشَ انهم وضعوا عبوة تحت(قاهيل)؟؟... متى سنجلس مع منذر الدبوس ...الدبوس الأشد عذوبة من كل انواع الحرير...متى سنجلس مع بهاء الكاظمي لنقول له على طريقته: هاي جروح كَلبي من يرفهه؟ ملح مامش بزادي من يرَافهه حزن كَلبي يخوية مَن يرفهه؟ شمدريني!! متى ستعلن خمسميل إفلاسها من الغنى؟متى سيكف علي الإمارة عن العبث بجروحنا بأصابعه الملحية المغطاة بالشعر ذو لون الفجيعة؟متى سيعلم طالب عبد العزيز انه شاعر كبير؟متى سيخلع احمد وحيد نظارتيه ليعلم ان عينيه جميلتان؟متى ستهرب النوارس من شعر كاظم الحجاج ليعود شاباً؟متى سيرتق الـ(21) طعنة التي سكنت في جسد البريكان الهش؟متى ومتى؟ يا عصام...المدنُ جروحٌ بالذاكرة وكلما تذكرتك نزفت ذاكرتي بصرةً ليس بها سوى اللون الأسود والأبيض والأحمر(حينما حذفوا النجمات من العلم اصبح من المعبّرين بالضبط عن العراق فالأسود هو الثياب واللافتات والأبيض هو الأكفان والأحمر هو الدم وليس الحزب الشيوعي الذي تحوّل بقدرة ميليشيا إلى حزب متديّن ..اما "الله اكبر" فهي على رأس كل من يخرج من رحم بغداد الأخضر ..).. عصام.... جاء المربد ولن الحق به...جوازي لدى سجانين صديقك الصغير...وصديقك الكبير لا يرضى ان اعود فعزرائيل بانتظاري على الحدود...إذن كيف سأصل الى المربد؟وكيف سندخن انا وانت الروثمن على الشط؟بعد ان مللت هنا من السجائر التي تشبه الجثث المُتيبسّة تحت الشمس... عصام إنتظرني ساعود ذات وطن... قبّل لي البصرة الفقيرة التي التهمها المندلقون واولاد الـ.....(قحبة طبعا لأن الحياء اصبح مبتذلاً) عصام...حينما اعود سأحرق جميع الحقائب...سأحرق مديرية الجوازات...سأحرق الطغاة واللصوص...سأحرق كل شيء عدا وطني...صدقني سأحرقه بـ(آه) صغيرة مني وسترى ماذا سيحصل فأنا اشعر بوجود جهنم داخل رئتي... محبتي.. علي *** ملاحظة:السبب الذي وعدتُ به القاريء عن كتابتي عن عصام جعفر هو:بكيفي!
|