الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

12  آيار  2008

ابحث في كتابات

 

أسماء الأعلام تحت مجهر القراءة

 

كتابات - علي الاسكندري

 

أسماء الأعلام هي وليدة بيئتها تحاكيها وتتشبث وتتعالق معها وترتفع مع نسغها الصاعد حين يعم الرخاء وتتيسر السبل وتنفتح الافاق فتتجه الافكار لتسمية مواليدهم بما ينسجم مع معطيات المرحلة التي يعيشونها وحين يحصل العكس وتتراجع ماكنة الحياة تحت اي مؤثر نرى التسميات هي المجس الاول الذي يلتقط متغيرات الحال ويعمل وفق منطقها ويعكس نكوصها ولنا في استشراف هذا الجانب والادلاء بدلو القراءة ومجهرها الكاشف نافذة صغيرة  لنر كيف تدلنا التسميات على احوال اناسها واخبارهم وظروف بلدانهم ، فالعرب في أيامها الأولى كانت تسمي  مواليدها صخرا وحربا وحجرا وهندا وأوفى لأن بيئة الصحراء قد غلبت عليها وتركت بصماتها مطبوعة على تلك المرآة التي ننعتها بالاسم ولا تختلف البيئات الشرقية عن بعضها من حيث تأثيرها وضغطها المباشر على افراد المجتمع لتوجيه افكارهم وسلوكياتهم بل وحتى معتقداتهم والتي غالبا ما تحمل في طياتها مرتسمات التقديس والتبجيل والجمود ، وتظهر تأثيرات تلك البيئة على المجتمع من خلال واحد من المسارب الاجتماعية المهمة وهي تسميات الامكنة والحوادث والحروب والمدن بأسماء الظاهرة القائمة والمؤثرة في حينها  فيثرب الضاربة في التاريخ  منذ أزمان  طويلة  تغير مزاجها ولونها وطريقة تفكيرها وهي التي احتوت يهود خيبر والنظير وقينقاع والنصارى وعرب البادية بأصنامهم لتصبح تحت ضغط الظرف الآني ، مدينة الرسول والمدينة المنورة وعاصمة الإسلام ، ويذهب البعض الى تسمية حيواناتهم كالحمير والبغال والكلاب والخيول ،  تبركا او ازدراءً أو اعتزازا وتمجيدا فهناك كلب لجارنا اطلق عليه اسم ( ديغول ) وكان الرجل معجبا بالمقاومة الفرنسية ونضالها ضد الاحتلال النازي ، وديكا اسمه ( زمزم ) تبركا  بماء زمزم وبئره المعروف ، وقبل ذلك حيث ذاع صيت مكة وكانت من قــَبـْـلُ (بكه) ،  سارعت العرب على اطلاق هذا الاسم على مواليدها من الاناث حتى عـزّ على البعض منهم التفريق بين مكة ومكة في الحي الواحد من تلك الحاضرة العريقة ، وقيل ان واحدة من تلك الحسناوات المليحات كان لها خال طاعن في السواد يزين وجهها الممتلئ المشرق وكان ان صادفتْ رجلا اسمه حجر وهو معروف لدى الناس بـتـشـبـيـبـهِ بالحِسَان والتعــرّض لهـنّ ، فسألها ما اسمك يا سيدتي ..؟ فقالت له اسمي مكة ، فسألها حينئذ ، ألاْ تسمحين لي أن اقبـّـل الحجر الأسود  ..؟  (في اشارة  الى الخال في صفحة خدّها ) ، فردت عليه بصيغة السؤال قائلة ، أنت حجر وتقبـّـل حجر ..؟ أما سمعت يا هذا بأنهم لا يبلغونه إلا بشق الأنفس ..؟ ( وكانت تقصد تدافع الحجيج على الحجر الاسود اثناء مراسيم الحج ) ، كما ان هنالك اسماء مثل خـَـنـَـث وقـبـيـحـة ومـاردة وبطينة وغراب وهي تسميات كان القصد من وراءها إطفاء العين الحاسدة وشرورها  ولايختلف الامر بالنسبة للعصر الراهن ويبين لنا مجهر القراءة ان ذلك الراهن اكثر إستسلاما ورضوخا لخرافة الحسد ورؤيا المنام وغيرها من ذلك الماضي البعيد لذلك وجدنا القرن المنصرم وهو يحمل لنا اسماء مثل ( جرو وبزون وزبالة ) وقائمة طويلة تعج بتسميات لاتنم الا عن ذوق تالف وفكر مشوش مأزوم، والعرب قديما كانت تـتـكـنـّى اكثرمما كانت تتسمـّى على نحو ( ابن آكل المرار وبنو انف الناقة والفزاري والقرشي .. وغيرها ) ويقودنا هذا الجانب للتدليل على قوة القبيلة وهيمنة سلطانها ورضوخ أبناءها لحكومتها المطلقة ليس فقط في الجانب الفعلي والاجرائي على ارض الواقع بل يتسلل ذلك الرضوخ الى عوامل النفس الداخلية والمسائل الشخصية بحيث ينسحب الامر الى خلق سياقات تستجيب لتلك السلطة مهما كانت ، وتثبيت دعائمها وسلطاتها وذلك هو الغزل التسموي الذي يقلد فيه افراد القبيلة زعمائهم وقادتهم لمجرد البقاء تحت ظلال القوة وتصريف أمور حيواتهم اليومية وما نحسب ذلك الا حياة بهيمية ، ولم يتغير الحال حتى بعد ظهور الرسالة الا نسبيا إذ بقيت القبيلة هي الموجه والراسم لشؤون الفرد ومن طرف خفي ، فلقد ظهرت الزعامات  بأسمائها الصريحة الأولى واختفت الكـــُنــى نسبيا ولكن على مضض فبرزت اسماء مثل  ( محمد وحمزة وعمر وعثمان وسعد وياسر وعمار وخديجة وآمنة وماريا  وفاطمة) لتبرهن على عصامية الإنسان ودوره في تعمير الأرض واستنباتها واستثمار طاقاتها وتلك فلسفة العهد الجديد القادم مع الرسالة ولم يختلف الامر في عهد الخلفاء الاربعة الذين استنسخوا ولاية عهد النبوة ولم يحيدوا عنها لذلك بقي السياق الاجتماعي راكدا الى حد ما وبقيت معه الانساق والتفرعات المجتمعية بما في ذلك التسميات موجهة بذات التوجه السابق مع هامش متحرك وفقا للمتغيرات الآنية والموضعية آنـئـذ ولم يتغير الحال في السلالة الاموية التوريثية فقد تشابهت اسماء القوم في دست الحكم و كذلك انساق العامة لتقليد أولياء النعمة فمن يزيد بن معاوية الى يزيد الثاني الى مروان بن الحكم حتى يصل الامر الى مروان الجعدي والذي كانوا يسمونه بمروان الحمار وهو الأخير في سلالته حيث جاء بنوا العباس ، وذلك أمر بغاية البداهة ان يلجأ الناس للتكرار والتقليد والاستنساخ ، وتدلنا القراءة الى ان العباسيين هم كغيرهم في بداياتهم بالنسبة للتسمية فالسفاح والمهدي والمنصور والرشيد والامين والمأمون والمعتصم ، كانت كنى والقاب تخفي وراءها اسماء تقليدية تـخندقت وراء تلك الالقاب المـُفـَـخـّـمة لتمجيد القوة وتهذيبها وإيداعها خلف تلك الاقنعة الملساء بعد ان اصبح إيقاع العصر المديني لا ينسجم مع الغلظة المباشرة لاسماء البادية من قبيل حرب وصخر وحجر وغيرها ولم يخرج عامة الناس عن ذلك الايقاع ، لكننا ومن خلال سياحتنا في بحر العصور وجدنا ان العباسيين قد فتحوا ابواب الدولة امام الاجناس البشرية كافة ولقد ولد ذلك تثاقفا كبيرا غير مجرى الحياة إلى حد كبير وكانت التسميات مثل الاصفهاني والفراهيدي وسيبويه وخالويه ونفطويه والخرم آبادي قد أخذت تظهر في هذه الحقبة وغيرهما، ونقفز إلى العصور الحديثة من تاريخ العراق لنجد ان اسماء غازي وفيصل ونوري هي التي تتصدر قائمة المواليد تيمنا باسماء ملوك العراق وساسته في مقتبل القرن الماضي وهو امر لا مراءَ فيه ويتشابه الامر بالنسبة لجمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم في منتصف القرن العشرين وما تلاه ، حتى مجئ إنقلاب 68 حيث صار للاسم منزلة مادية يــُقـايض بها المرء للخضوع لسيف الفاقة والعوز ومنها ليضطر ان يسمي ابناءه (صدام ، صلفيج ، حردان ، وطبان ، برزان ) مقابل مكافئة رخيصة ليبق الطفل مسجونا داخل إسمه مدى الكون وكأن ذلك الاسم  لعنة ابدية ، وندري ان تلك الاسماء هي ليست من أسماء الورود في شئ ولا هي من الاسماء الحسنى ، وبعد سقوط كل تلك التسميات والاسماء والظواهر الشاذة ..  نتسائل ومعنا كل العارفين  ، هل يجوز أن نعبث بأسماء ابنائنا وفقا لمتغيرات المزاج المـُعْـتـَـل المريض .. أم أن الاسم حيازة خاصة لوجه الطفولة القادمة وليس ملكا للآباء وما قبلهم .

 

alialiskandary@yahoo.com