الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  آيار  2008

ابحث في كتابات

 

بيوت الأخوة العرب

 

كتابات - فرج ياسين

 

    مررت أولاً ببيت الإخوة المغاربة ، فشاهدت نثاراً من قشور البرتقال وأوراق الخس ، ثم بقعة من الماء ، تشرّب التراب نصف بريقها الذي غادرته شمس ما بعد ظهيرة أزالها الظل ، ثم شاهدت قطةً عجفاء تموء . قال لي فادي : ثلاث خطوات ثم يأتي بابنا ، وكانت الرغبة ما تزال توقد في جوفي خوفاً راعشاً متشوفاً طليقاً ، يشبه وعداً بانتظار أب رحل الى آخرته منذ سنين . قلت لنفسي ، تلك أول مرة أخذل فيها طبيعتي – الخجول باقتراف نزوة داعرة .

   وماءت القطة فأجفلت يدي ، ولطت راجفة فوق التخاريم المعدنية الباردة ، فيما جعلت عيناي تقعان على العلامة التي رسموها لي بالطباشير على الباب ، صحت : أنا أنا من دون أن ينادي احد من الداخل ، وأخذت أقدامي تطحن أوراق الخس المبثوثة اما العتبة ، وهي تراوح في مكانها ، وترامى في الفضاء الراكد من حولي صدى الهمس الذي تداولته مع الزملاء ، في حديقة الكلية على مدى أيام ثلاثة ، حيث بدأ الجميع تقولاً مريباً ، وهم يراقبون همسنا تحت الشجرة . لقد كنا نبايع صراحة لشهواتنا ، وقتها أصر سلامة على أن الساعة الخامسة من بعد الظهر ، هو الوقت المثالي . إذ سيتاح للفتاة الخروج من المستشفى . بعد الساعة الثانية والذهاب إلى بيت ذويها ، لكي تعد نفسها وتقول لهم مثل كل مرة : إنها ذاهبة للقيام بخفارتها في المستشفى ، وتحت الشجرةِ أيضاً ، تقرر أن لا تعرِّج الفتاة أولاً الى بيت الأخوة الخليجيين كما جرت العادة ، لأن هذا سوف يستغرق وقتاً ، لاسيما وإنهم سيعدّونني ضيفهم أسوة بالآخرين . بل يذهب رشيد بن والي ، ويقوم بانتظارها عند منطقة الباص في عطفة الشارع ، قبالة بنجرجي الأمة ، ثم يرافقها إلى بيت الإخوة المغاربة ، حيث سيقوم سلامة بالالتفاف عبر السطوح ، وينزلها إلى مائدتنا .

   لقد سميت ذلك ( العشاء الشيطاني ) فراقَ ذلك لعبد العال الصعيدي ، وصرخ مزمجراً تحت الشجرة ( ما هو عشا برضو ياولاد ) وطبقاً لما حُشر في رؤوسنا من دعوة ، فإن مائدة الطعام والشراب ، سوف تتسع لأصناف لا يحلم  بها طلبة مغتربون وبائسون مثلنا ، وعد بها اثنان من الاخوة الخليجيين لقاء الاستمتاع على المشاهدة ، والعوم في عطور السهرة ، وتذوق ألوان من النزق المكشوف الذي يمارسه شبان ثائرون ومغتلمون .

   وقال لي فادي : إذا حضرت قبل الساعة الخامسة فعليك بالتجوال في الفروع القريبة ، من دون أن تقترب كثيراً من فوهة الشارع ، لأن صاحب محل بنجرجي الأمة بدأ يراقب بيوت الطلبة العرب ، بعد أن لاحظ تكرار حضور الفتاة . أما إذا وصلت بعد الساعة الخامسة فعليك أن تطرق الباب ، وتبقى في الانتظار ، ريثما نفتح لك . وقفزت القطة الى الجهة الاخرى خلف بقعة الماء ، بينما تشاغلت برفس قشرة برتقال صغيرة فأدنيتها من حافة الباب ، ومَرَقت عربة مسرعة ، ثم خرج صبيّان أشقران من الباب المقابل يرتديان سروالي بيجاما متشابهين ، رفس أحدهما الكرة الى الآخر ، واستغرقا في لعب صاخب خطف أنظاري ، فانصرفت أراقب أقدامهما الصغيرة الماهرة .

   لقد كان صوت الكرة – وهي ترتطم بالجدران – يدوّي في رأسي ، بينما تموء القطة منفعلة ، ثم تقفز وتعود ، وتحت أقدامي الجافلة ، تنصهر أوراق الخس وقشور البرتقال فيما كنت أتحرك في رقعةٍ صغيرةٍ تمتد من منطقة الباص ، حين نزلتُ ، مروراً بواجهة محل بنجرجي الأمة ، ثم إنعطافاً الى شارع فرعي ، حيث بيت الأخوة المغاربة وبيت الاخوة الشاميين بعلامته الغريبة التي رسموها لي بطباشير على الباب .

   وما كان لشيء أن يوقف طوافي المنفعل في سرداب تلك التهويمة الطويلة ، لولا أن الكرة المتقاذفة بين الجدران المتقابلة ، جعلت تزرع دويها في أذني ، فتوقظ في ذلك الإحساس الناعم بالهيبة والسمو الذي كان لروحي قبل أن أقحمها في هذا الموعد الجريء . لكن ذلك لم يثنِ إمعاني في الانتظار . لقد كانت الفتاة هناك ، تتعاورُها الاحضان وما زال عريها البليل ، وفضاء الحجرات المقفلة يزينان لقدمي الصمود . لكن إحدى رميات الكرة سقطت عنيفة على إحدى ظلفتي الباب ، فتخيلت أنها فتحت الباب لي ، ثم تسللت خلفها ، وجلستُ الى الصحب .

  كان فادي قد أتى بها الى بيت الاخوة المغاربة ، وقام سلامة بإنزالها الى بيت الاخوة الشاميين ، وها هي الآن بينهم ، إني أراها الآن ، سمراء طويلة معنقة باذخة العري ، ينحدر شعرها خصلاً فوق كتفين رحبتين عاريتين ، أسألها عن اسمها قبل أن أمس شيئاً من ثمرتها ، فتجيبني بأن أمها الراحلة لم تكف لحظة عن تذكر مدينتها التي فارقتها منذ النكبة ، فسمتها باسم المدينة الحبيبة ! ويقول لي سلامة : إنهم يحضرون ثمار البرتقال في كل مرة إمعاناً في تذكر جسد المدينة القتيل ، وتذكرت تلك العلامة التي رسموها لي على الباب ، فيما تمر أنامل الصحب على ثدييها المكورين النافرين ، وينفجر عبد العال الصعيدي حادياً ( يضيء برتقالها كخيمة النجوم ) ثم يوصد الباب خلف عريها البراق جاراً إياها الى حرائق سريره .

  وتصد القطة الكرة بمؤخرتها ، ثم تموء جافلة ، بينما يستلقي الصديقان اللذان جاءا من بيت الاخوة الخليجيين أمام السماط العامر بالمشروبات والأطعمة ، وهما يزدردان ثمار البرتقال وأوراق الخس ، يتجشآن ويسرحان لحيتيهما الوهميتين ، بلمسات رشيقة على بشرتي وجهيهما المضمخين بالكلامور والفيجي والتاباك الفرنسي .

   ودكت الكرة اسفل بطني ، مضطربة قليلاً بين فخذي فهجست رطوبة الوحل ، ثم رأيت اليها وهي تنقذف بين قدميّ ، فصحت : أنا أنا ، في حين دارت عيناي تبحثان عن موضع الجرس على جانبي الباب ، فلم أرَ غير تنويعات مختلفة لطغراء الكرة المنقذفة بوحولها مرة بعد مرة على الجدران المدهونة ، فقال لي سلامة : لقد جاء دورك ، هل تريد أن نصنع لك زَفّة شامية ؟ فقلت : لا ، ودخلتُ ، فرأيتها تقف أمام شباك ينفتح على حديقة البيت المجاور ، لا ترتدي سوى قميص داخلي يزيد من عريها المجبول بالخمر والعرق والعطور ، لكنني طفقت أشم زفير أوراق نيسان الجديدة ، وأزهاره ، متخللاً خصلات شعرها المتحدرة فوق كتفيها ،  ولم تلتفت لكي تراني ، مع أن قبضتي لما تزل تطبق على أكرة الباب التي دخلت منها قبل أن أخترق حاجز الخطوة الوحيدة الفاصلة بيننا . فهمستُ في ظهرها : مساء الخير ، كيف عرفت – لمجرد تفكيري للحظة بصمتها الوقور كإجابة على تحيتي بأنها تكابد أحراجاً وخجلاً ثقيلين - كنت قد استبعدتهما وأنا أقبل إليها مجللاً بأحراجي وخجلي ؟ وما كان ليدي التي امتدت راجفة لتقبض على أي شيء ، لأنها التفتت في اللحظة الاخيرة ، التفتت بجبينها فقط ، فلم أرَ غير صفحة أفق قمحي يحوطه غبش منقضّ بخطاطيفه الذهبية  كما إنني لم أرَ جسدها وهو يهفو مغتسلاً بابتسامته ، حين رسمت على جبينها قبلة وحيدة ، وانفلت خارجاً .

   خيل الي أن أحدهم صاح ، من ؟ فأجبت : أنا أنا ، ثم رأيت أحد الصبيين منتصباً أمامي وجهاً لوجه ، قال : من أنت ؟ لكن الكرة انطلقت مجدداً فأرعبني ضجيج ارتطامها ، والتفتُ لكي أرى ، كانت العلامة التي رسموها لي قد انمحت تماماً ، عفرتها وحول الكرة ، وأطفأت خطوطها المرسومة بالطباشير على الباب .