الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  آيار  2008

ابحث في كتابات

 

درسُ الصحافة الأول : قراءةُ ما ليسَ تنشُّرهُ الصحف .. رؤية لإطفاء الحريق قبل اشتعال النار بين الصحفيين في الأنبار

 

كتابات - د.فهمي الفهداوي

 

الأخوة .. صحفيو الأنبار الأعزاء :

 

 

ممكن جداً أن لا أتحامل على محنتي وعلَّتي ، وأن لا أتوجه صوبكم ، ولكنها الغيرة والمرارة ، الغيرة عليكم والمرارة مما أنتم عليه ..

 

وممكن جداَ أن لا أُسمِعَكُم شيئاً من مقالي هذا ، وأترككم للنائبات يتسلين بأورامكم ، مثلما يتسلى ذئب المصائب بحملان الرعاة العميان ،  ولكني آثرت التجاوز على محنتي ومرضي وعزلتي ، لكي أحثكُم لما يُوقف تباعد الرحى عن أختها ، ويلمها نحو الوتد ، لكي يدورا معاً ، فليس لكم إلاّ صوتكم الشاخص بنظافته ونزاهته ، وهذا لعمري جواز مروركم إلى قلوب الناس وعقولهم ، بطريقة سلسة لا غبار عليها ، فعامة الناس أولى بكم من أنفسكم وذواتكم ، وأولى بما تمثلونه من الخدمة والمحبة . 

 

فالجائعون كثيرون بيننا ، وأنتم بعض أصواتهم المسموعة ، لكي تطالبوا لهم بأرغفة الخبز والطمأنينة ، بعدما إستجشع الأغنياء ، وسرق الحنطة مأمور البيدر ، وأصبحت المخابز داخلة في بورصة العولمة والمضاربة ، وإلاّ فالمجاعة قاتلة ومهلكة ، والحرائق مثلها ، وليس ذلك إلاّ لمما يتمناه الأعداء والغزاة والمحتلون ، وحسبكم أن لا تكونوا  جسراً  تمرُّ عليه أمنياتٌ كهذه .

 

وأدعوكم لكي يتسامى كبيركم على غيره ، وعاقلكم على غيره ، ويتسامح مظلومكم عن ظالمه ، كما أدعوكم ليكف المؤّذي أذيته عن الآخرين ، ويمتنع المتقوّل بقولته ومقالته عن الاستمرار بنهجه في التخريص العشوائي وإلقاء التهم الافتراضية على كاهل الآخرين ، وأدعوكم جميعاً إلى وقف التقاذف بأحجار الوطن ، فأنتم جزء من حال الوطن ومواطنيه ووطنيه ، بوصفكم صحفيين ومن دعاة الحق والحقيقة والحقوق ، ولا حجة للمخطئ في الاستمرار والمهاترة ، كما لا حجة لصاحب الحق أن يسلك طريق المخطئ ذاته ليثبت الردّ والمكابرة .

 

هلا سمعتموني .. رجاء .. وأصغيتم .. واستدركتم ..  وسألتم أنفسكم : ما الوطن .؟ ما الناس .؟ ما التاريخ .؟ ما الإنسان .؟ ما الثقافة .؟ ما الحضارة .؟ ما العقل .؟ ما الفكر.؟ ، ثم بعد ذلك : ما الأرض .؟ ما الماء .؟ ما الأم .؟ ما المقابر.؟ ما الآلام .؟ ما السيرة .؟ ما الشواهد .؟ وأخيراً : ما التوقيعات .؟ أليست كلها صحف وأسماء ومسميات وصحفيون يدونون مواثيقها على مدى اللحظات والأزمنة والمواقيت والأمكنة ، للدلالة على أننا وإياكم وبقية أهلنا والجغراقيا ، التي نحمل صكَّ ملكيتها لأنفسنا والوارثين ، أليست كلها وكلنا مختزلون في اسم ( العراق ) اسمنا ودمنا وأحلامنا والخيبات التي عصفت بأرواحنا ، ففاضت في عذاباتنا العرق والعروق والعراقة ، وكلها راجعة إلى العراق .؟

 

وهل الأنبار إلاّ من العراق .؟

 

وهل نحن إلا من العراق .؟

 

فاستمعوا إذاً .. أيها الأعزاء ، صحفيين كنتم أم أنباريين ، لكنكم عراقيون :

 

تمر الأوضاع الصحفية وأحوال الصحفيين في محافظة الأنبار حالياً ، تحت ظروف أزموية من التشنجات والصراعات والسجالات المريرة بين أطراف عديدة ، شكَّلت هذه الظروف فرزاً عملياً - معنوياً بين كفتي ميزان ، وكلٌّ كفَّة تحاول اليوم ، أن تجعل من ذاتها ، صاحبة الأحقّية والرجحان ، جاعلة من الكفَّة الأخرى المتقابلة معها ، صاحبة الورقة الذابلة والخسران ...!

 

ففي مقطع من قصيدة ، كتبتها ذات عشية :

 

 

 

مَنْ الخاسر .؟

 

القاتل أم المقتول .؟

اسألوا المسدس

 

بعيداً عن كذب الأصابع ..!

 

 

 

وكنت أرمي من هذا المقطع ، أن أُبين بأنَّ للأشياء قيمة ، يتفاوت الآخرون في وزنها وتقييم انعكاساتها الظاهرية ، وبالتالي فهم يختلفون في تحليل معطياتها واستدراك عللها وبواطنها ، ولا بُدَّ في ذلك من مشتركات ، تقرّب الجميع إلى حقيقة من نوع آخر ...!

 

حقيقة كونهم أو كوننا معاً وجميعاً ، قد نؤمن بالخير ونفعل الشر ، وقد نؤمن بالفضيلة ونقترف الرذيلة ، أو ندَّعي الحفاظ على المبدأ ونسلك درب الوسائل المعوجّة ، وبالتالي لا يوجد حياد معياري ينجذب إليه ضدان متنافران في لحظة الاختلاف والصراع والمنافسة ، إلاّ إذا خرجنا من شخوصنا الأحادية نحو ذواتنا الموضوعية .

 

وهذه الرؤية ليست من المستحيلات ، بل سهولة استشرافها أخفّ من مجرد تعقيدها :

 

-   بحيث يصبح الوطن لي مثلما هو لك ..

 

-        ويصبح البكاء لي مثلما هو لك أيضاً ..

 

-    وها أنت تبكي في هذا الزقاق ، وغيرك يفرح في زقاق مجاور ...

 

 وثمة شعور ثالث للكرامة والاعتبار وللمكانة أيضاً ، وهذا هو الأهم ، وبمقدوره أن يستوعب كلَّ هذه التفاوتات من السلوكيات والجوارح والأحاسيس ، طبقاً لشروط :

 

-   إبقاء الوطن بعيداً عن الخيانة ...

 

-    وإبقاء البكاء دلالة على مصداقية الحدث ،

 

-    وإبقاء الفرح علامة على نصر مشروع ، وليس نصراً مفتعلاً يصب في خانة الأعداء .

 

 

 

وفي الحقيقة أنَّ هذه المداخلة المعرفية ، ربما قصدت من ورائها شيئاً آخر ، على أمل تكذيب  حدسي القديم ، ومعالجة التخوفات السابقة ، التي طالما كنت أُردّدها أمام بعض المحاورين والأصدقاء : من أنَّ الفيدرالية ، جاء بها المحتلون الغزاة إلينا ، لتضرب النفس والعقل والمعتقد والشخصية والعائلة والقرابة والصداقة والجماعة والعشيرة والزقاق والحي والقرية والمدينة والوطن ...! فيدرالية الانكسار والتشظي على مذبح القيم الهلامية ، التي لم نعتد عليها في أبجديات الانتماء ، ولا في سفر  المعاناة والألم ، ولم نعهدها من قبلُ ، لا في العقيدة ولا في الأيديولوجيا ولا في الثقافة ...!

 

مثقفون كثيرون وأكاديميون من بينهم ، وأصدقاء وأدباء وكُتَّاب وصحفيون ، في الأنبار وغير الأنبار ، تصدعت بوصلاتهم المعرفية والمرجعية والمبدئية ،من جراء احتلال العراق ، وبعضهم أضاع الخيط والعصفور ، فصمتّ صمت المقبورين ، وجبن جبن الخفافيش ، وراح يخرج في الليالي والظلام ، ليبحث عن فتات وعن خزي وعن خيانات ، مست بنا وبكل القيم المبرأة من دنس المغريات والماديات والتنكر .

 

اسألوهم : شعراء كانوا أم فنانين أم كتاباً وصحفيين ، وبعد ذلك : اسألوا ضمائركم : عن وطن يتمزق وقلوب تتفتق .؟ ثم اسألوا بعض  أناسٍ ما عادوا يُحبُّون الخوض في مغامرة مجهولة اسمها الحياة الدنيا المصبوغة بطلاء أسود .؟

 

أين الوصايا ، والمرايا باتت تكشف الموبقات .؟

 

ماذا فعلتم .؟ والمصور الصحفي كريم مشرف العلواني – زميلكم الأول ملقىً على قارعة الطريق – ضريراً – هزيلاً – ومعلولاً .؟

 

وماذا أنتم فاعلون .؟

 

هل تريدون أنْ تتقاسموا إرث الفجيعة والتعب ، ليغدو الرابح منكم والخسران ضائعاً مُضاعاً في جميع المقاييس .؟

 

لماذا هذه التشوهات الناجمة عن أخطاء السياسيين دخلت بينكم ، لتطال براءة سعيكم ومقاصدكم المحسوبة على نبل المهمة العامة والصنعة الشريفة .؟

 

هل أنتم مع الناس أم مع الأسماء .؟

 

هل أنتم بلا بوصلة ، شرقا تميلون ثم غرباً في اللحظة الواحدة ، وماذا عن الشمال والجنوب ، وماذا عنكم وعن الأنبار والبصرة والموصل والعراق المحتل .؟

 

طبعا لا أجوبة ، سوى أنَّ الأحداث هي مركز الثقل ومحور صناعة المواقف ، وكل أنواع اليضائع ، وليتفرج من لا يعجبه العجب ...!

 

وهذا أعجب العجب ...!

 

إنَّ الميثاق الصحفي ، المدون بالفعل أو المعروف بالبداهة ، ينبغي أن يتجاوز فكرة الغبار إلى فكرة الوضوح والإضاءة ، أقصد الميثاق الأخلاقي للصحفي ، والصحفيون الجدد لا شفيع لهم إلاّ منجزاتهم الصحفية والأخلاقية ، التي سيُخلّدها التاريخ الوطني الموضوعي غير المتلاعب به من قبل مراكز القوى الظالمة للاحتلال ، كما أن الصحفيين القدامى أو المخضرمين لا شفيع لهم أيضاً إلاّ منجزاتهم الصحفية والأخلاقية ، التي سيُخلّدها التاريخ الوطني الموضوعي غير المتلاعب به من قبل مراكز القوى الظالمة للاحتلال ، وبالتالي فإنَّ الوزن والميزان أو المعيار للرابح والخسران ، سيكون واضحاً بعيداً عن الكذب – كذب الأصابع والامتهان والرخص والزور ، وبعيداَ عن إطلاق التوصيفات الغالية والمسميات الفالتة من شكيمة الهرمونية المنتظمة الضابطة للمهنية والسلوكية والأخلاقية .

 

الطائر لا يعوزه أن يتقن فن القفز ، وفاقد أجنحة الطيران عليه أن لا يدعي كونه طائراً مُحلّقاً في الأعالي ، لئلا يسقط سقوطاً شاقولياً مدمراً على رأسه ...! والعمل الصحفي بقدر ماله من إغراءات باعثة على التحليق والطيران ، فبالقدر ذاته وأشدّ ، يتضمن إحباطاً ونزفاً مروعاً للنهاية والفشل ...!

 

خُذْ عندك الكبير الفيلسوف الراحل مدني صالح ، كان يحرص أن يتزود بجناحي الفلسفة ليحتاط  على فكرة انكسار وتداعي جناحي الصحافة عند الطيران والدوران والمناورة والهبوط في أجواء وأفلاك الصحافة ، ولهذا فهو كان يسعى إلى صناعة الصحفي الفيلسوف ، الذي يقدمه هو بوصفه فيلسوفاً صحفياً ، وخُذْ عندك بالمقابل وقارن مع شخص ما  ، قال عن نفسه بأنَّه صحفي ، وصدَّق مقولة نفسه لنفسه ، ثم راح يتطاول على صحفيين وأساتذة ومختصين وحملة شهادات عليا ، لمجرد تصوره القاصر عن الإلمام الكافي بمعرفة الحقيقة ، بأنهم صامتون ولم يكتبوا شيئاً ، وفاته بأنَّه يجهل مفهوم القراءة الصامتة ، أو تلك التي تسمى بين السطور ...!

 

لا يكون السجال مصيباً بين الصحفيين ، إلاّ عندما يتم حسم القضايا المبدئية ، لتخرج عن نطاق اجتهاداتهم التصورية ، وكي لا تكون عرضة للانتهاك بين صحفي ناشئ وصحفي عتيد ،  فالناس في العادة والعرف : " مؤتمنون على أنسابهم حتى تفضحهم عوراتهم "

 

والوضاعة الصحفية ، أوجدها بيننا نشوب وضاعة الاحتلال ، فإنفضحت بعض العورات ، حتى سال الحبر قبل اللعاب ، وهو لم يكن على أية حال  حبراً حقيقياً بالمعنى الأخلاقي لقيمة الحبر ، بقدر ما كان اللعاب حقيقياً ، ليدلل على صغر العقل ودناءة النفس ، لتبقَ قضايا كثيرة رهن التعطيل ، لم تقوَ على التقرب منها ، لا أمانات المسؤولين الإداريين ، ولا أقلام الصحفيين المعول عليهم ، عدا بعض الشذرات المحدودة التي تبرق من بين ركام الفحم  ، شأنها شأن مصباح طفل أضاءه في ليل انطفاء الكهرباء ، فغلبه النعاس وذوى النور وماتت البطارية .

 

 قضايانا نحن المواطنين ، الذين نتقلب على جمر الحياة ، في مدينة قلَّ فيها الصالحون ، وغاب عنها الصادقون ، نحن المواطنين الذين نُسحق يومياً بكذب المدراء وإحتيالات الدوائر الرسمية ، ويمتص عظامنا الفاسدون السراق والمرتزقة وشُذاذ الآفاق في كل لحظة ، فقد دار الصيف على الشتاء ولا نفط في المدفأة ، ولا كهرباء في المبردة ، ولا معاملة تمضي في دائرة حكومية ، إلاّ مقابل زيت التشحيم القذر ، وهناك من ينتظر منذ سنوات ، لأنه قرر أن لا يتلوث بقذارة التشحيم ..! كما لا جامعة في الجامعة ، ولا صلاة جامعة تجمعنا على هدىً ، فمات أناس في غبار العاصفة ، وأناس في زمهرير الشتاء سبقوهم موتاً ، وثمة كذابون يتمنطقون بمصاصة الشعارات الوطنية ، كلما حشرتهم الظروف العرجاء في زوايا المماحكة والتسابق على رهانات خاسرة .

 

الرمادي أو الأنبار اليوم ، تمثل أمكنة متعددة ، يغلف وجهها الثقافي والصحفي ، الكذب والنفاق والتمويهات الخيالية ، وقد جزأها المحتلون إلى مقاطعات أخلَّت بكلّ متطلبات التجانس والوئام ، وأهلها الآن متفقون على ما لحق بهم من معاناة وظلم بسبب الاحتلال ، وقادتها متفقون  فقط على كونهم مختلفين – متناحرين –  متناطحين ، علماً لا يوجد نفط لكي يختلفوا حوله ، والوطن الواحد مع الأسف لم يعُدْ وازعاً أصيلاً لكل اجتماع وبناء وحضارة وتقدم ، تبدأ من رحيل عبودية الاحتلال ، كمنطلق جديد للأمل واستعادة الحياة .

 

الحكماء مصابون بالحيرة والشتات ، حكماء العقل والفكر والفلسفة ، وشيوخ العشائر والجماعة والتجمعات ، وقادة السلطة السياسية والمناصب والمكاتب الحكومية ، ودعاة الشريعة والطب والهندسة والعلوم ، ورجالات الأحزاب والنظرة السياسية ، وليتساءل الصحفيون حول تلك الحيرة وذاك الشتات ، استجابة لدرس الصحافة الأول في قراءة ما لم يُنشرْ في الصحافة أبداً :

-       ما الذي يجعل أبناء الأنبار على هذه الحالة من الفرقة والتفرُّق والتباعد فيما بينهم وبين أنفسهم بذات الوقت .؟

 

-       ما لذي يجعل أهل الأنبار متوحدين على  نسق واحد من الحق والتلاحم والخير ، ليكونوا عليه في حاضرهم ومستقبل حياتهم وأجيالهم .؟

 

-       ما العمل والحلّ .؟

 

-       ما المطلوب من الصحفي الحقيقي أن يبادر ، للكشف عن ملابسات هذه المشكلة أو العقدة ، في سبيل فتح آفاق ناضجة للمكاشفة ، تفضي إلى تحقيق التماسك ووحدة الهدف باتجاه الوطن وما ينفع الناس عامة .؟

 

 

 

لقد ظلت الصحافة في الأنبار ، صحافة بلا قضية عامة تهم جميع الناس ، وبلا خط ثقافي معلوم ، إنَّها صحافة الرأسمالية النخبوية ، التي لا يتميز كُتَّابُها عن قرائها ، فهم الباعة والناشرون وهم القراء أيضاً ، صحافة لا تغطي تكلفتها وهي خسرانة بمنطق الرأسمالية الاقتصادية وتأكيدات الحرص على الربح ، أما المواطن فهو بعيد عن الاهتمام ، وله أدواره الثانوية السطحية ، فيما يُكتبُ عنه ضمن تلك الصحف ، خاصة وذلك المواطن منهمك  في همومه اليومية والمعاشية ، دون تواجد فسحة جدية ، تبيح له اختراق موضوعات الصحف ، وتعديل إستراتيجياتها نحو معاناته الحقيقية ، وتناول مشاعره الطبيعية .

 

إنَّ الصحفي الحقيقي ليس حامل هوية نقابة الصحفيين فقط ، وإن كان هذا مطلوباً من باب المهنية الاحترافية والمسؤولية الوظيفية ، وإنما مع ذلك فهو الصحفي الوطني المثقف – المؤتمن على قضية عامة غير قابلة للبيع ، لا إلى بترايوس ، ولا إلى السيد المدير العام ، ولا إلى شيخ العشيرة ، ولا إلى هذا الحزب أو ذاك ، لأنَّه بكل بساطة لا يمتلك حق التصرف بهذه القضية ، ولا التأويل في دفعها نحو اتجاهات شاذة مخالفة للذوق الوطني العام ولحقوق المواطنة العامة .

 

الصحفيون المتطفلون على مهنة الصحافة في الأنبار ، شأنهم شأن السياسيين المتطفلين على الأوضاع العامة وقضايا المواطنين ، وهم جزء واقعي من منهجية الفوضى الخلاقة ، التي أنتجها الاحتلال ، لكن يبقى المعيار العام هو المحك ، حول جودة الكتابة والتغطية الصحفية لهذا الصحفي أو ذاك ، وينبغي رفع الحواجز الإقصائية عن جهود الصحفيين المبتدئين والمتمرسين الجديين والملتزمين بأخلاقيات المهنة الصحفية وضوابطها الإنسانية ، ومد يد العون لهم ومساعدتهم وتعليمهم ، وإيجاد نوع من علاقات الاحترام والتقدير وعدم التطاول والاستخفاف بتجارب الصحفيين القدامى والمؤهلين ، الذين خبروا فنون المهنة الشاقة ودروبها الخطرة ، أمثال حملة الشهادات الجامعية في الصحافة والإعلام ، والعاملين في تحرير الصحف والمجلات المرموقة والمعروفة ، وهؤلاء هم أحق بالتقدير والاحترام وأحق بتحمل المسؤولية من غيرهم ، طبقاً لمجالات التخصص ، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب  .

 

كثير من المسؤولين في الدوائر الحكومية ضمن محافظة الأنبار ، يقولون بأنهم يسعون إلى إدارة أمور دوائرهم من خلال المسطرة ، دلالة على تعبير العدالة ، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يعرفون كم هي السنتمترات التي حوت عليها مسطرتهم تلك ، وبالتالي يتبين بأنْ لا وجود لمسطرة ولا لعدالة في نهاية المطاف ، وإنما هناك محسوبية ومنسوبية وفساد ومسميات أخرى لا حصر لها من أوجه الخلل .

 

والصحفي هنا مطالب بتسليط الضوء النقدي على سلوكيات الدوائر الحكومية المخلة بأدائها العام المنافي للقوانين والأنظمة والأخلاق  ، فحتى اللحظة قلة هم الصحفيون الذين تناولوا  أخطاء الدوائر الحكومية ، وأشاروا إلى سلبياتها بشكل واضح ، وقليلة هي الصحف التي أسهمت في فتح ملفات الفساد أو الخروقات ، التي تضج بها دوائر المحافظة ومؤسساتها العامة ، بالشكل الذي يوحي إلى تواطوء من نوع ما ، بين تلك الصحف أو الصحفيين من جهة ، والدوائر العامة ومسؤوليها من جهة أخرى ، وقد تناسي الصحفي هنا دوره الريادي والوطني والحقيقي ، ليكون جزءا من حالة الخلل القائمة في زيادة معاناة المواطنين وتكثيف الحيف عليهم ، كما لا يعقل بأنَّ كافة دوائرنا الحكومية العامة تسير على قاعدة المسطرة ، التي لم نرها على الأرض ، لا في السلوكيات ولا في الأوامر والتعيينات ...!

 

يجب أن يخرج الصحفي ويبتعد بالمرة عن فكرة السعي والدوران في عمله الصحفي ، ضمن معطف الأمل بالحصول على التبرعات والمكافئات غير السليمة ، التي قد تجعله لا يقول الحقيقة ، ولا يعكس الصورة الحية ، لما يجري داخل المحافظة أو الدوائر العامة ، ربما في كلّ هذا سيسهم هذا الصحفي في قلب معادلات الواقع وتداخل المعايير وتخليط الأوراق ، كما يجب العلم بأنَّ الصحفي ، قد يسهم في صناعة المسؤول المستبد والقيادي المتصلب ، كما قد يسهم في صناعة المسؤول الفاعل والقيادي الشفاف والناجح ، إذا ما استطاع أن ينجح في إيصال رسالته الصحفية الحقيقية ويقنع الأطراف ،  بالدور الفاعل الذي يُحدّثه الصحفي من خلال نقل الحقائق الطبيعية للمتلقين من الناس والقراء والمهتمين ، دون زيف ولا زوائد مضللة .

 

القضايا الكبرى والفضائح المثيرة للفساد في العالم ، كانت اليد الأولى السباقة في كشفها للناس ، هي الصحافة وعمل الصحفيين النزيهين ، ونحن لا نريد وعلى أقل تقدير أن يكون صحفيو الأنبار على الهامش ، ولا جزءاً من صحافة الكذب وعدم المسؤولية ، وليخلع البعض منهم ثوب التطبيل والتبويق وتمرير الغش والنفاق إزاء هذه الدائرة الحكومية أو تلك ، فمن المعيب جداً أن يكون الصحفي مُصدّراًً للكذب ، ناشراً الدعاية المزيفة حول هذا الموقف أو ذاك ، دون قراءة تحليلية سابقة وشواهد يقينية دالة عليه ، وينبغي أن يخرج الصحفي وتخرج الصحف من كونها ضمن المحيط الهامشي للحدث ، وهذا هو واقع الحال في الأنبار ، والصحيح هو الدخول في قلب الحدث وتقديم رؤية تحليلية لمعطياته ومضامينه ، بطريقة مفيدة للمجتمع العام .

 

إنَّ كلمة الصحفي الحقيقي ، محسوبة عليه ، وبالتالي هي المحك الحقيقي ، ومعيارها الموقف العام ، وطنياً وجماهيرياً ، صحيح هناك صحفيون متلاعبون حتى بالميثاق الصحفي ، ويضربون الأخلاقية 