|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 آيار 2008 |
|
بورتريت: 'صديقي عازفُ العود'!؟
كتابات - سعد الحجّي
'وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع.. ثم اعتللنا خوف أن نلام بالمطر '
-1- رأيتُه يوم كنّا طلاباً في الجامعة.. شابٌ نحيفٌ جعد الشعر ذو أنفٍ شمم ، يداه معروقتان تنطقان بأنهما على أهبة الاستعداد للعمل، في فلاحة الأرض أو في جني الثمار! طريقةُ لبسه لوحدها تكشف أنه قادم من إحدى القرى الغافيات على ضفة من ضفتي الرافدين أو جداولهما المتشعبة وتعجبتُ: ما الذي جاء به إلى كلية الهندسة!؟ هذا الذي ملامحه تشبه ملامح أقاربي في قرية غارقة في سكونها غرب الفرات! كنت أراه يتهادى في مشيتهِ وبسمة شاحبة على محيّاه، خارجاً أو داخلاً إلى قاعة المحاضرات.. وأعجبُ: هدوءٌ وسكينةٌ خليقتان بفيلسوف!!؟ لكني لم أجرؤ على اقتحام عالمه الوقور الصامت.. فعالمي هو الآخر كان مفعماً بمعاناة التمزق بين الرؤى الحالمة للشعراء وبين المنطق البارد للدراسة والأساتذة وأجواء العلاقة بين الطلبة! كنت أنثرُ يومياً شيئاً من أمطار عالمي على لوحة الإعلانات في قاعة الدرس! مقطعاً من الشعر، غريباً على ذلك المكان، كغربتي أنا عنه.. وكل غريبٍ للغريب نسيبُ!؟ وأذكر يومها أني كتبت:( تعساءُ يا وطني نموت .. وقطارنا أبداً يفوت!) .. فاقترب مني الشاب النحيف، كان واضحاً أن الكلمات مسّت فيه أوتاراً لم يطق معها الانتظار! فنطق بكلمات تحمل من التوجّس ما كان يشابه توجّسي إزاءه! قال: ألكَ هذا الشعر؟ قلت: حرام عليك.. هذا للشاعر عبد الوهاب البياتي! فضحك وضحكت .. كنت أشعر بفرح خفي.. لقد زالت رهبة اللحظة الأولى وهي دائماً الأصعب في كل شيء..!؟ في الأقسام الداخلية للطلبة يتعلم الإنسان الكثير.. خطواته الأولى في الاستقرار والاعتماد على النفس.. كان الشاب النحيف قد أصبح صديقي الحميم .. وعرفته عن كثب ، إنسان في منتهى الطيبة قادم من ديالى.. من أحدى القرى المنتشرة على ضفاف أنهارها، ديالى وخريسان والهويدر!؟ كان عازفاً على العود.. مكباً على الأدب.. متابعاً للفنون.. ففكرت: شريكي في التغرّب والنوى! .. لمست فيه من طيبة وجرأة ابن الريف ما هزّني ، أنا ابن المدينة المتوجس، كان يصر في أماسي نزهتنا أن نعود مشياً على الأقدام من شارع الدواسة عبوراً على الجسر الحديدي ثم ننحرف يساراً بمحاذاة النهر بطريق خلاب كأنه غافٍ هناك من زمن آشور وسنحاريب!! ثم نخترق الغابات إلى الأقسام الداخلية، يسّر أحدنا للآخر بحميم الذكريات .. هناك، بين أشجار الغابات الغارقة في ظلمة الليل ونحن نتهادى في مشينا، حدثني عن حبه الكبير لسعدية .. إحدى قريباته! كان حباً عجن في لحمه ودمه بذكريات قريتهما الغارقة تحت مياه بحيرة حمرين! غرقت ولم يتبقّ منها فوق سطح الماء شامخاً سوى رؤوس النخل التي بقيت هناك تحدث نسمات الليل عن حب لطيف لسعدية!!؟ في صباح مشمسٍ من صباحات الشتاء كنا أنا وهو نرتاد إحدى دور السينما، إذ لم يكن لدينا محاضرات في ذلك اليوم.. كان الفلم مثلنا نحن ومثل ذلك الصباح، رومانسياً، يحكي قصة موسيقار فاشل يصل به الحال الى مراجعة إحدى المصحات للعلاج.. أصابعه أصبحت لا تستجيب له، وأضحت بطيئة الحركة .. يتعرف عند انتظاره في المصحة الى فتاة.. يأسره فيها العنفوان المتوثب للحياة وروح التفاؤل الذي لا يدب إليه السأم أو الفتور.. وتبدأ بينهما علاقة تتحول إلى قصة حب عجيبة تبث فيه روح الإبداع من جديد فيعيد رسم حياته الى مسار جديد على سلّم النجاح.. تختتم أحداث الفلم بوفاة المرأة حيث يكتشف بشديد الذهول أنه لم يلحظ، في خضم العنفوان الجارف لعشقه الجديد، أنها كانت مريضة وكانت تعّد أيامها الأخيرة! لقد حولت ما تبقى لها من أيام إلى شمعة أنارت له دربه من جديد...!!؟ انتهى الفلم وأضيئت أنوار الصالة على المشهد الأخير لبكاء الموسيقار، لأكتشف أن صاحبي لطيف يجهش ببكاءٍ حارٍ ومتواصل لا يعبأُ بكبحه أو إخفاءه !! بكاء بدموع غزيرة وعبرات يسمعها جميع من كان حولنا في الصالة.. !!!؟ بقيت أنا ذهلا' حائراً بين مشاعري التي مازالت معلّقة بأحداث الفلم ومتعاطفة مع الموسيقار الممثل وبين مشاعري التي استفاقت تدفعني أن أفعل شيئاً لأواسي الموسيقي.. عازف العود.. صديقي الحميم !!؟ -2- الرجال المؤثرون في حياة البشر، نوعان.. الأول يعيش عالمه الخاص متقوقعاً فيه، يوصد على نفسه الأبواب، وقد ينتج من عالمه الداخلي شيئاً ما يؤثر في العالم الخارجي خلف الأبواب !.. هؤلاء هم أصحاب الفكر والفلسفة على مرّ العصور .. أما النوع الثاني فليس لديه هذه الثنائية! لديه عالم واحد يعيش فيه.. ويحتاج إلى فكرة نيّرة تحملها همّتُه العالية إلى آفاق الكون! هؤلاء هم أصحاب تيار الحياة! صانعوه وربابنته!! هم صانعوا الأحداث الجسام التي نسميها.. التاريخ! ومنهم كان توماس بين...!؟ رجل ولد في بريطانيا عام 1737 وعاش وانغمس في العمل فيها ثم هاجر إلى أميركا حين كان عمره 37 عاماً، في فترة مثالية من أحداث التاريخ ليصنع مع آخرين كل ما كان من أمر الثورة الأميركية وما تلاها من الحرب الأهلية هناك! عمل في الصحافة ونشر كتابه (حصافة) أي الاحساس الفطري الذي كان لانتشار أفكاره بين الأميريكيين الفتيل الذي أشعل الثورة! وفي عام 1791 كان في فرنسا حيث ألف كتابه (حقوق الإنسان) الذي كان دليلاً لحملة التنوير في الثورة الفرنسية! ورغم عدم إجادته لغتهم فقد انتخب عضواً في الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1792 ثم سجن بعد ذلك فيما جرى من أحداث ونشر كتابه (عصر العقل).. أطلق نابليون سراحه ورغم ذلك أدان تحول نابليون نحو الدكتاتورية! عاد بعدها إلى الولايات المتحدة بدعوة من رئيسها المنتخب جيفرسون. في زمن صاخب من أحداث العراق رأيتُه.. صاحبي عازفً العود، وتأمّلتُه: توماس بين! ما بوسعه أن يصنع في زمن الحروب والدكتاتوريات! .. وتعجبت: يا لجرأته التي ليس لها حدود! كان يعزف لنا من ألمه قطعاً من الإبداع، تنقلنا ورؤانا الحالمات إلى آفاق بعيدة! .. كنت أقرأ بنهم أكثر منه ولكنه كان يملك التأثير في الآخرين! وهي هبة فطرية لا تكتسب!!؟ انغمس صاحبي عازف العود، بعد سنوات الجامعة، في تيار الحياة الصاخب.. تزوج من حبيبته سعدية سريعاً قبل ولوجه الخدمة العسكرية! والحرب مع إيران كانت مستعرة، بينما استمريت أنا في دراستي، فقد استمرأت عذاب التمزق بين الرؤى الحالمة للشعراء والمنطق البارد لمناهج الدراسة! كأن شيئاً ما يستفزني للتحدي!!؟ وفي مرة أو اثنتين زرت منزلهم الريفي الصغير وأشفقتُ على المرأة المسكينة التي كان عليها أن تتحمل بصبر لا يوصف جنون صاحبي العازف وآلام توماس بين التي تقوده إلى مسالك مجهولة!!؟ كان يفاجئني بين زمن وآخر، أثناء إجازته، بزيارته لي في الجامعة، يحمل كما هو دأب ابن القرية، سلال ثماره إلى صاحبه: أوراق منضّدة من يوميات وأشعار تحكي آلامه وعذابات الإنسان في تجارب المعارك والحروب ..!!؟ في زمن كان كأنه ومضة خاطفة بين الحقب والدهور المتتالية والمتكررة.. في ذلك المكان الغافي تحت جناحي ثور نينوى وعبق ملوكها الغابرين .. جلسنا أنا وصاحبي عازف العود نفلسف الحياة! واثقين من قدرتنا على رسم مسارات لها جديدة، ذات ألقٍ يمتدّ إلى حمورابي! وكان كل ما فعلناه أننا حلمنا!! ثم حين أفقنا، إذا بنا نسعى جاهدين للحاق بقطارها المسرع !؟
-3- كان يفاجئني باختياره أسماء أطفاله الذين رزقهم! وخاصةً الإناث!! فقد كانت أسمائهنّ جميعاً من قصائد المتنبي!! ... الأولى كانت أماليد، فابتسمت وأنا أوضح لأهلي: هي تعني رؤوس الأغصان الصغيرة! مثل الأفنان.. ثم الثانية أناهيد! فتصديت مفسراً لهم أيضاً: من الفعل يتنهّد! فهي من مشتقات الآهات، ولوعة الآلام !!؟ ثم الثالثة أغاريد! في صورة لغوية معاكسة لتجلب الفرح والحبور فتعادل الآهات الأولى!! ثم جمان! وهي من المجوهرات! أظنها الفضة!! سمراء صغيرة مرحة.. أمازحها فأقول لها: يا (قجمة!) لم تكن اسماً على مسمّى!!؟ كنّ يتحلقن حولنا، كما الفراشات الجميلة وهي ترفرف، حين نجلس، أبوهنّ وأنا، تأخذنا شجون الحديث تارةً.. ثم تمتد يده تارةً أخرى إلى خلفه حيث يضع العود، فترتسم بسمة على محياه وهو يسنده إلى فخذه ويبدأ بعملية وزن الأوتار .. ينظر إلىّ بعينين تضحكان! فهو يعرف ما أريده أن يعزف! وهل غيرها.. (فوق النخل.. فوق! ... مدري لمع خدّك! مدري القمر فوق!!) ..!؟ أما سعدية فكانت، كما اعتادت نساء القرية، تمضي الوقت في مطبخها... ترسل لنا كل حين بأصناف متنوعة من الأطعمة بينما نحن محلقون في عالم آخر من رؤى وأفكار الحديث أو من أنغام العود! وبقيت كما رأيتها أول مرة، البسمة الخجولة على محياها.. والصبر الذي لا يوصف إزاء النزعات المجنونة لصاحبي توماس بين! الذي كان أبعد ما يكون عن الاهتمام المقتصد بالواجبات المنزلية المعتادة لرب الأسرة!!؟ كنت أمازح الصغيرات وأسألهن عمّا يجول برؤوسهن الصغيرة من أحلام وتطلعات! كانت أماليد تريد أن تصبح مهندسة حاسوب! بينما جمان الصغيرة كانت محلّقة في عالم آخر بعيد فقالت: أنظر يا بابا ! الغيوم مثل الموطا !!؟ كانت الغيوم بيضاء ومتداخلة يبعضها بنسق جميل .. وتأملتُ: يا للخيال الخصب!!؟ في زمن كان كأنه ومضة خاطفة بين الحقب والدهور المتتالية.. في زمن كان مثل بريق خاطف لخنجر مسموم دهم باقة زهور غافية على أنغام موسيقى حالمة!!؟ في ذات المكان الذي كان يوماً غافٍ على ضفاف نهر ديالى وشذى بساتين البرتقال على جانبيه!!؟ كانت سعدية وصغيرها يوسف وبناتها الأربع في سيارة يقودها أحد أقاربهم تخترق المكان ولحظة الزمان!؟ كانت دبابة أميريكية ضمن حشد لجيش الاحتلال تلوّث بقبحها نفس المكان ولحظة الزمان!؟ في تلك اللحظة.. أطلقت الدبابة قذيفتها التي كانت مثل بريق خاطف لخنجر مسموم دهم باقة زهور صاحبي توماس بين عازف العود فمزقت الأجساد البريئة...!! وأحرقت الرؤى الحالمة بالدراسة أو بغيوم من الموطا...!! وصهرت حديد السيارة وعجنتها بقطع فلذات كبد صديقي الحميم... !!؟ لو أن دمعي ينهمر مثل مياهك يا نهر ديالى لو أنه يجري من عيني مثل ماءك يا نهر الهويدر لو أنه يعب البساتين من حوله مثلك يا نهر خريسان إذن لنزعت اللوعة من صدري أريد أن أبكي وأجهش ببكاء لا أعبأ بمنعه!!؟ مثلك يا صديقي الحميم في قاعة السينما بشارع الدواسة!!؟ إذن لارتحت وهدأت لوعتي!!؟ فكيف إن هدأت لوعتي تهدأ لوعتك أنت!!؟ فكيف إن حلّت سكينة قلبي تحلّ سكينة قلبك!!؟ يا صديقي الحميم... !؟ أبكي بكل الدموع!! ولا أدّخر منها شيئاً لبكاءٍ بعده ..!!؟ بكاءً أذله لفلذات كبدك الممزقة !!؟ بكاءً أُذِلُّه ولا أترك لخلائقه من كبرياء !!؟
|