|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
9 آيار 2008 |
|
مهرجان المربد الشعري : الأيام تدور حول نفسها
كتابات - عبد الكريم كاظم
هل أصبح الصمت ثقافة وطنية؟ الصمت آفة الكتابة، والكتابة آفة ذهنية، لذلك كان عليّ أن اختار بين آفتين، آفة الصمت التي تتعفن فيها الروح وآفة الكتابة التي يحترق فيها كل شيء وقد آثرت أن أحترق بالكتابة على أن أتعفَّن بالصمت، ثمة من يقول وعلى وجهه ابتسامة شديدة التهكم: المصابون بآفة الكتابة، قومٌ غريبو الأطوار، إذ بدلاً من أن يقوموا على إنهاء معاناتهم، يحاولون تضخيمها وتأبيدها من خلال الكتابة عنها، سنرد بالقول: إذا ما تجرأ أحدنا وأعترض عليكم، اعتبرتم ذلك خروجاً عن الجماعة أو تعطيلاً لحركة الثقافة واعتداء على حرية الإبداع، يا لغرائب اللغة التي تشبه غرائب الأيام وهي تدور حول نفسها . كانت ثقافة الصوت الواحد تبيد خصومها بتهمة الحداثة أو الاختلاف أما ثقافة الانتقام اليوم فتبيدهم تحت حجة أعوان صدام، نفس الاسطوانة تدور رحاها، منذ أول مهرجان وهذه المشكلة تحتضن حروب الحداثة مع البداوة، فمرة تخطفنا البداوة ومرة تخطفنا حداثة الانتقام، سجال يلبس قناع التهميش ودروع الإقصاء وكأننا في ثكنة مليئة بشعراء الحروب وفقهاء المديح، تلتهب العداوة لتذكرنا بعنترة الذي يقول: (ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي) ترى أين الحقيقة، وأين الشعر؟ ومن هو الشاعر الذي يفترض جعله وثنياً يعبد التماثيل؟ مع من يقف الشاعر الأعزل، حين يُظلم شعبه أو يُبيد، مع الشعر أم مع الأصنام؟ سؤال بليد، لكنه لا يخلو من فاجعة، ترى ما الذي يتشابه به شعراء اليوم والأمس؟ ثمة خلطة عجيبة من معجون الأشعار النفعية الخطابية ومفاقس الظلم والإقصاء والتجاهل؟ يبدو أن الأمر لا يخلو من قصدية خصوصاً ونحن نقرأ بغرابة تامة ملاحظة اللجنة القائمة على تنظيم مهرجان المربد الخامس الذي سيعقد في البصرة للفترة من 9 ـ 11/5 2008: (تعتذر اللجنة التحضيرية عن استقبال من لم يرد اسمه في القائمة أعلاه عدا اللجنة العليا والتحضيرية والتنفيذية) إذن الدعوة إلى إحياء المهرجان لا تشمل الدعوة إلى إحياء الشعر، ولأننا لا نقرأ الأشياء تبعاً لوعي مبلط ثم نهرع إلى إصدار الأحكام النقدية، بل نقرأ تبعاً للمطابقة التاريخية التي يسهو العقل المتشبث بميراث الماضي عن ملاحظتها، إنها عقدة الغزاة الجدد وغرائب الشعراء حين ينتصرون بالجنود الغرباء ويتحصنون بالانتقام من الشعر، هذه الملاحظة لا تعطينا درساً في الانتقام الثقافي وحسب بل درساً في الكراهية التي ضاقت في صدورنا ذرعاً منا، ترى هل نحتاج درساً جديداً وإضافياً في الشعر كي لا نجعله ملكاً لثقافة العضلات؟ هكذا سيوفر علينا، هذا الدرس، دفع ضرائب ثقافية إضافية . بعد أن تحملت الثقافة العراقية ما تحملت، من جنون وظلم وأوثان، أملاً في يوم تستنشق فيه نسمات حرية غير مخلوطة بروائح الكراهية والانتقام والأقنعة، نرى الواقع الثقافي العراقي اليوم يرتدي أقنعة مختلفة تحاول تمرير أبشع الجرائم وفق سياقات أيدها وصفق لها، شارك وتواطأ عليها المثقفون أكثر من جلاديهم، كريهة هذه الثقافة التي تريد أن تحمي جلادها الجديد أو تستعيد الوثنية، كيف يمكن للثقافة أن تحمي القاتل وتروض القتيل؟ هل أصبح الشعر فعلاً بطولياً كما اعتدنا عليه في الحقبة الغاربة؟ أي ضحية تسقط بالعراق اليوم هي أكبر من أية قصيدة يقولها شاعر؟ ماذا لو كان للضحايا عيون أيضاً أو لسان؟ كيف نتمكن من جعل القصيدة قوية الأثر كفعل الفلفل باللسان؟ ثمة خروقات ثقافية قاتلة صادمة تكرس كذبة المهرجانات التعبوية والشعارات السياسية والخطابات الحماسية لتثبت لنا أن الحروب الثقافية المتورمة قائمة ومستحكمة . الصورة القديمة لا تزال في الذهن: شاعر يُسمعنا قصيدة جديدة له وصوته مفعم بالحرمان والتحسّر وأحياناً الحماسة، كأن هذه الصورة باقية ما بقيّ المهرجان، ما بقيت الأوثان وأنا لا استريب في أن ذلك هو سر من أسرار ثقافة الانتقام التي تريد وتعمل وتخطط، في كل مرة، لتصفية حساباتها المتراكمة مع محيطها أو فلكها التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي، وحدها الصورة القديمة أصبحت أوضح شكلاً، ولكن من سيحاسبنا على صورة نحملها معاً؟
|