|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 نيسان 2008 |
|
الرقص مع الذئاب
كتابات - المحامي / سليمان الحكيم
حمل بيان السيد مقتدى الصدرالمتعلّق بإحالة قضية حلّ جيش المهدي إلى مراجع دينية في النجف وقم , من التذاكي الممجوج أكثر مما حمل من الحنكة والدهاء , ذلك أنه يعرف كما يعرف الناس جميعاً , أن هذه المراجع الدينية لن تجتمع على فتوى موحّدة وبخاصة إذا ما كانت متعلقة بشأن سياسي , فالشيخ كاظم الحائري - وهو مرجع السيد مقتدى في حوزة قم - من أتباع ولاية الفقيه , وفتواه في شأن جيش المهدي معروفة سلفاً , وفضلاً عن ذلك فهو مصدر الشرّ الذي أجّج الفتنة المقتدائية , إذ كانت توجيهاته ترسم لمقتدى خطواته منذ الساعة الأولى لسقوط النظام السابق , و هما يحملان معاً في رقبتهما أمام الله والعراقيين وزر كل الجرائم التي اقترفها جيش المهدي . ومن جهته فإن السيد السيستاني - مرجع حوزة النجف وملاذ مقتدى في ساعات الشدّة - قد تجاهل استفتاءه عن حلّ جيش المهدي , ولم يردّ عليه لأنه يرفض ولاية الفقيه من حيث المبدأ , ويرفض تدخل رجال الدين في قضايا السياسة . ولم يكن صحيحاً على وجه اليقين ما ادعاه الصدريون بشأن رفضه حلّ هذا الجيش . وفي ظني أن لسان حال السيد السيستاني يقول بأن السيد مقتدى لم يستفتِ مرجعية النجف أصلاً عندما أسس جيش المهدي حتى تفتيه في مسألة حلّه . وقد ألحق السيد مقتدى بيانه المتذاكي هذا بآخر يلغي فيه المظاهرة المليونية التي كان يزمع تسييرها في بغداد بمناسبة ذكرى يوم احتلالها , وختم ذلك البيان بالتهديد بإلغاء تجميد جيشه , وقد تصور بعضهم أن هذا التهديد ليس إلا تهويشاَ يستر به موقفه الضعيف , ولكن الأحداث التي تجري بعيداً عن أرض العراق , وفي سوريا ولبنان تحديداً , تدفع المطّلع على تفاصيلها لأن يفكّر مليا بهذا التهديد ويأخذه على محمل الجدّ . وأبطال الأحداث التي أشير إليها والتي تجري وقائعها ما بين سوريا ولبنان , هم أربعة أطراف , الشيخ حسن الزركاني ممثل السيد مقتدى الصدر في لبنان ومعه ممثله في سوريا , والسيد خليل الجميلي أحد قادة الجيش الإسلامي , وجهاز أمن سوري معني بالشأن العراقي . وتتلخص الحكاية أن الشيخ الزركاني ومعه ممثل السيد مقتدى في سوريا , قد التقيا في نهاية شهر آذار الماضي بالعاصمة اللبنانية مع السيد خليل الجميلي , وبعد محادثات تمهيدية تناولوا فيها رؤيتهم للوضع في العراق وتصوراتهم حول إسقاط النظام القائم والضغط على القوات الأميركية لتصل إلى تفاهم مع أطراف المعارضة , واستعرضوا موقف الحلفاء المحليين والاقليميين , قرروا استكمال محادثاتهم في دمشق حتى إذا توصلوا إلى اتفاقيات محددة أمكن لأحد الأجهزة الأمنية السورية المعنية بالشأن العراقي أن تشهد على تلك الاتفاقيات وترعاها . ومن الواضح هنا أن تنسيقاً قديما كان يجري بين الجيش الإسلامي وسوريا التي ستضيف هذه النقلة إلى حسابات سياستها تجاه الولايات المتحدة والعراق , وضمن إطار تحالفها الاستراتيجي مع إيران . وكذلك فإن التوجه الصدري نحو الجيش الإسلامي غير بعيد عن إطار التحالف السوري - الإيراني . وكذلك تجددت الصلات بين الجيش الاسلامي وجيش المهدي بعد أن كانت قد انقطعت عقب تفجيرات المراقد المقدسة في سامراء عام 2006 , وما تلاها من مجازر وتجاوزات قام بها جيش المهدي ضد العراقيين السنّة بلا تمييز . ومن أهم مقتضيات الاتفاقية الجديدة قيام الجيش الاسلامي بشن عمليات عسكرية واسعة ضد أهداف أميركية وحكومية , والسيطرة على المدن التي يتواجد في محيطها , وبتقديم العون والاسناد لجيش المهدي فور أن يعلن السيد مقتدى إلغاء تجميد ذلك الجيش ويعطيه إشارة الهجوم لخوض معركة حاسمة ضد سلطة الإئتلاف المتشيّع , يتم خلالها إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الحكومية والسيطرة على المدن , وإقامة أمر واقع جديد يفرض نفسه على القوات الأميركية ويدفعها إلى التفاوض معهم وترسيخ معادلة جديدة للسلطة في العراق . وقد تبيّن الآن أن العلاقة بين جيش المهدي والجيش الإسلامي تعود إلى تلك الأيام التي كان يتودد فيها السيد مقتدى إلى الشيخ حارث الضاري وهيئة علمائه وقام بمسرحية الصلاة بإمامتهم . وقد حدث في معركة النجف التي دارت في سنة 2004, أن رفد الجيش الاسلامي جيش المهدي ببعض قادته العسكريين وكان من بينهم السيد خليل الجميلي الذي مازال يحمل ندوباً نجمت عن جراح أصيب بها في تلك المعركة , كما تبيّن أن لجوء المقتدائيين وقتها إلى مقبرة وادي السلام الشاسعة وخوض معركتهم بالتترس وراء قبورها , إنما جرى بناء على مشورة عناصر الجيش الإسلامي . وقد ردّ السيد مقتدى فيما بعد الفضل بأحسن منه , إذ ما إن بدأت معركة الفلوجة الثانية بعد شهور من معركة النجف , حتى كان أفراد من جيش المهدي يتسللون عبر صحراء النخيب الفاصلة بين كربلاء والأنبار , حاملين أعتدة عسكرية ومستلزمات طبية لتعزيز وضع مقاتلي الجيش الإسلامي الذين كانوا عملياً تحت سيطرة تنظيم القاعدة , قبل أن يفترقوا عنها ويصطدموا معها في قتال مرير ودامٍ مازال متواصلاً حتى اليوم . ................................................. ................................................. يقيم الشيخ حسن الزركاني في لبنان منذ أواخر سنة 2005 باعتباره ممثلاً للسيد مقتدى الصدر , وقد حدث أن زار السيد مقتدى بيروت في 3شباط 2006 , ونزل في فندق ماريوت الواقع في منطقة الجناح الراقية جنوبي بيروت , وفي يوم 5 شباط وقبل تفجيرات سامراء التي قطع مقتدى بسببها زيارته وقفل راجعا الى بغداد , تابع الناس المنتشرون في صالة الفندق الكبيرة مشهداً عجيبا , إذ ارتفع صوت رجل ذي عمامة سوداء بسباب وشتائم أتبعها ببصاق في وجه رجل ذي عمامة بيضاء كان يجلس في مواجهته , ولم يكن المعمم الأول سوى السيد مقتدى , وكان الآخر ذو العمامة البيضاء حسن الزركاني . ويبدو أن خلافاً على حسابات مالية هو سبب تلك الثورة التي اعترت السيد القائد , وفي الواقع فإن الصدريين كانوا قد تسلطوا على شركة لبنانية تملك طائرة تعمل ما بين بيروت وبغداد , وفرضوا عليها أتاوة عن كل ساعة طيران على ذلك الخط , وكانوا يمسكون بتلك الشركة من حلقومها ويملكون وقف نشاطها , إذ كانت وزارة النقل والمواصلات من حصتهم , وكان وزيرها السيد سلام المالكي - كشأن كل ممثلي الصدر في مؤسسات الدولة - فاسداً ومرتشيا , ويبدو أن الشيخ الزركاني كان هو المفوض باستلام تلك الأتاوة من الشركة قي بيروت , وقد اكتشف مقتدى أن الأرقام التي قدمها إليه تقلّ كثيراً عن تلك التي قدّرها السيد سلام المالكي ! ويبدو الآن أن أهل الخير قد توسطوا للصلح بين العمامتين, ورجع الزركاني إلى سابق حظوته عند سيده الذي بدأ يوكل اليه من جديد أدواراً حساسة , ولكن بعيداً عن عالم المال . أما السيد خليل الجميلي , فهو خريج كلية الادارة والاقتصاد , واكتسب خبرته العسكرية من خدمته للعلم في فترة التسعينات , وهو يتنقل ما بين العراق وسوريا , ولكنه يزور لبنان أحيانا للحصول على دعم مالي من المستعدين لتقديمه للجيش الاسلامي , وهم خليط من كبار مسؤولي نظام صدام من الذين هربوا بالجمل بما حمل من سفاراتهم ودوائرهم , ومن متمولين جمعوا ثروات طائلة في فترة النفط مقابل الغذاء , وعملوا كواجهات مدنية لجهاز المخابرات العامة السابق في الأردن قبل أن ينتقلوا الى بيروت , وهم أيضاً برغم ضحالة وزنهم الثقافي والفكري , يطمحون استناداً إلى وضعهم القبلي في منطقة الأنبار بالذات , للعب دور سياسي في مستقبل العراق ! ولابد لي من القول إنصافاً أن السيد الجميلي يرفض في لقاءاته مع معارفه من الشيعة المنطق الطائفي , وهو يدعو إلى وطنية عراقية جامعة ذات توجه إسلامي , ويدلل على سلامة موقفه بالمعارك الدموية الطاحنة التي لا زال الجيش الاسلامي يخوضها ضد تنظيم القاعدة . ولكن لا يسعني الأخذ بادعاءاته على إطلاقها , فجيشه يقتصر في تكوينه على متعصبي السنّة , وعموده الفقري يتشكل من ضباط ومراتب الجيش العراقي السابق , وهم جميعاً من ذوي الخبرة العسكرية وخاضوا اختبارات النار لسنوات طوال, ولكن رؤيتهم السياسية مازالت غائمة وليس لديهم تصور من أي نوع لدولة ما بعد خروج الاحتلال , وهم في غالبيتهم من الأصوليين الذين يجرح يقينهم مجرد صلاة مشتركة مع الشيعة , فضلاً عن اللقاء معهم على كلمة سواء أو أرضية دينية مشتركة , وهم من الذين تورطوا في عمليات قتل وتهجير لآلاف العوائل الشيعية في مناطق الأنباروديالى وبغداد وخاصة في أحياء العامرية والخضراء والغزالية والدورة . وقد تفرض ضرورات السياسة على أحد الأطراف أن يتحالف لمرحلة مع من يظنه عدوّاً عقائديا , ولكن هذه الضرورات لا تلغي الأسس التي قام عليها العداء , وتبقى جذوته كامنة بانتظار لحظة تصفية الحساب , وبخاصة إذا كانت هذه الأطراف مكبلة بسقف طائفي يحكم رؤيتها للأخر . .............................................. .............................................. بمثل هذا الحليف الخطر , يستعد السيد مقتدى ليزج بجيشه في معركة يزعم أنها ستكون فاصلة , وفي حين أن حلفاءه يمتلكون عمقاً قبلياً وطائفياً يلجأون إليه طلباً للسلامة إذا ما دارت الدائرة عليهم , فإن جيش المهدي لن يحظى ببواكٍ عليه, فهو منبوذ من جلّ العراقيين الشيعة , وهو مخلوع عشائرياً كما أثبتت أحداث الجنوب الأخيرة , بل حدث قبلها أن هام مطلوبون للعدالة من هذا الجيش على وجوههم في البوادي والخرائب بعد أن عجزوا عن اللجوء لخباء خيمة , وهو أيضاً بلا غطاء حوزوي ذي قيمة يمنعه ويحول دون تجريمه . والمؤسف أن قاعدة هذا الجيش هم من أبناء الطبقة المسحوقة والمهمشة والمحرومة من أبسط حقوقها في ثروات بلدها , وهي طبقة آخذة بالاتساع يوماً بعد آخر بسبب فساد وسوء النخبة الحاكمة وعدم وطنيتها . وتستحق هذه الشريحة الهائلة من العراقيين أن تحظى بقيادة سياسية واعية ومخلصة تأخذ بيدها نحو الحرية السياسة والاقتصادية , ولا يجوز أن تُترك لقدرها العاثر في يد من يعتبرها مجرد رعية له , معمّم جاهل يسوقها من منفاه الآمن بعصا الخرافة وأوهامها إلى حلبة تؤدّي عليها مع حلفائه الذئاب , رقصة الموت .
11 - 4 - 2008
|