|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
27 آذار 2008 |
|
قصة : راديو محمود السوداني
كتابات - ابن البلد
عذبني هذا الراديو السخيف ، الذي لا يسحب في بثه سوى المحطات الإذاعية اللقيطة ، تلك المحطات المشؤومة التي نصَّبها الاحتلال الأمريكي على طول أجواء العراق وعرضه ، وراحت ترطن بكل السموم القبيحة ، المثيرة لفتن الطائفية والعشائرية والعرقية ، وقسمت الشعب العراقي إلى أصناف متخاصمة ومتناحرة فيما بينها ، من جراء التضليل الإعلامي والشبهات الحاصلة . هذا الراديو الجميل المظهر ، الفاشل في عطائه ، لم يعُدْ يصلح لي بتاتاً ، إنَّه تجاري المنشأ ، وقد أخذ يتمارى في تنغيص حياتي وعالمي بالأكاذيب ، كلما حاولت اللجوء إليه طويلاً ، بسبب غياب الكهرباء اللئيمة ، علاوة على كونه لا ينطق إلاّ بلسان المحتلين الأمريكيين ، مثل إذاعة سوا والعراق الحر وإذاعة الفرس الصفويين والأحزاب العنصرية والطائفية الكثيرة ، والمصيبة أنَّه يستهلك مع ذلك بطاريات وبطاريات وبطاريات ...! ماذا افعل .؟ ولا بُدَّ لي من متابعة الأخبار وحوادث العراق اليومية ، التي علقما على النفوس ومرارات على المشاعر ، فلا كهرباء ولا ماء ولا ثقافة ولا أمان ، وخير جليس هو الكتاب ، وباتت قراءتي الطويلة تتعب ناظري وطاقتي ، وتعصر قلبي ، إذْ أنَّ عالم الكتب الجميل والأفكار المتحررة ، يتناقض تماماً مع حياتي المقيدة وسط بغداد والعراق بفواجع الاحتلال ، وانحباس الحركة بين الأحياء المسجونة . لا بُدَّ من فعل شيء يا ابن البلد .؟ الصحف تكذب ، والسياسيون يكذبون ، وكثير من المعارف والأصدقاء يكذبون ، والنهار سيف اليأس والضجر والعزلة ، المسلط على كل مَنْ يحاول الخروج عن محيط قفص الاحتلال ، مجازر الجنوب في الكوت والبصرة ، لا تفتح نافذة للخير ولا للطمأنينة على مجتمع يمكن أن ينعم بمستقبل قريب بكرامة ، المحتلون يضحكون على العراقيين من جميع الجهات ، والأخبار متضاربة ، والحقيقة تنهشها سكاكين كثيرة من الأباطيل . فماذا افعل يا إلهي ، وهذا المذياع الكلب وفياً لأسياده المحتلين ، ولا يخبرني بما يطمئن قلبي حقاً .؟ سحبت ذاتي مبكراً من البيت ، وقلت : لا يسعفني غير صديقي ( محمود ) الخبير بجودة المذياع ، وسيعينني على شراء واحد جيد ، يسحب صوت العرب من القاهرة ، وربما يسحب صوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينية ، وبرنامج قُلْ ولا تقُلْ ، وحزمة الأناشيد الوطنية بصوت عبد الوهاب : أخي جاوز الظالمون المدى ، ووطني حبيبي الوطن الأكبر ، وأصبح عندي الآن بندقية ، وكذلك بصوت أم كلثوم : بغداد يا قلعة الأسود ، وثوار ، و والله زمان يا سلاحي ، وغير ذلك مما أحبّ وأرغب في سماعه ، وبخاصة أغنية أدير العين ما عندي حبايب ، للملحن رضا علي . ومحمود هذا ، هو مواطن سوداني مقيم منذ أكثر من عشرين عاما في بغداد ، ومنطقة الباب الشرقي تحديداً ، وتربطني به علاقات حميمة وقديمة ، فقد كان تاجر مفرد يتعامل مع أجهزة الصوتيات ، ويكتب الشعر والقصائد ، وكنت أتولى تنقيحها وضبطها ، وأمررها بدوري لأصدقائي من الأدباء العاملين في الصحف لينشروها له ، لكني توقفت عن هذه المهمة له بمجيء الاحتلال ، وتوقف هو عن نشر القصائد أيضا ، وصرنا نلتقي عقب كل شهرين أو أكثر مرارا في مقهى على الرصيف ، نتحاور حول المأساة وأحوال العراق المحتل والعالم العربي ، وأستمع لبعض كتاباته مع رشفات الشاي الأسود . وقفت عند باب سكنه القديم في الدروب الفرعية ، طرقت بقوة .. مرة .. فمرتين .. فثلاث ، فتحرك الباب بهدوء ، وظهر شخص لم أعرفه من قبل ، فقلت سريعا : الله يساعدك ، أين محمود .؟ فردَّ بلهجة ناعمة سودانية : ما موجود ، وأضاف : لقد رحل إلى السودان قبل شهر تقريباً ..
قلت : شكراً .. وتراجعت مشوشاً ، وسمعته يقول لي : أنت ابن البلد .؟ هززت رأسي مؤكداً معلومته ، فارتفع صوته قائلا : انتظر – انتظر يا أستاذ ، فقد ترك محمود لك أمانة ...! توارى في الداخل ثم عاد مرتبكاً ، وهو يسلمني كيساً ورقياً منفوخاً ، مضروباً عليه لاصق شفاف طولاً وعرضاً ، ثم قال بنبرة متكسرة : لقد أخبرني محمود ، بأنَّك ستأتي سائلاً عنه ، وعندئذ سلّمه هذا الكيس . أخذت الأمانة ، التي تركها لي محمود ، وبنيتي أن أعاود لاحقاً خلال الأيام المقبلة ، لأستعلم أسباب سفر محمود إلى السودان ، وانتابتني فجأة حالة شعور بالحزن والكآبة ، حيال غياب محمود وسفره ، فقد كان مفعماً بحبه للعراق والعروبة ، والأخوة والنضال والصبر على المحن ، وكتابة القصائد ، كنت أستذكر ذلك التاريخ الذي يبدو أصبح في أوج تلاشيه ، عن صديق حميم لم أعد أراه مستقبلاً ، بقدر ما أسترجع ماضيه ، الذي لا أضمن تبعثره بين تلافيف الركام المر ، عبر ذاكرتي المحشوة بالأحزان والنكسات . تحسست ما بداخل الكيس وأنا أدخل مقهى الرصيف ، وأجلس حيث كنت سابقاً أجلس ومعي محمود ، فقرأت عبارة مخطوطة بوضوج وسط واجهة الكيس : هذا لك يا صديقي ...يا ابن البلد . بسرعة ... وأنا أرشف الشاي الأسود ، أزحت اللاصق الشفاف ، ومددت يدي لأخرج ما في بطن الكيس ، وإذا هو مذياع يلمع – من نوع ( القيثارة ) القديم ، وثمة ورقة صغيرة ، مدسوسة بين حافظته الجلدية في الواجهة ، تقول : هذا مذياعك يا ابن البلد ، يسحب كلَّ ما ترغب في سماعه ، يسحب صوت العرب من القاهرة ، وربما يسحب صوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينية ، وبرنامج قُلْ ولا تقُلْ ، وحزمة الأناشيد الوطنية بصوت عبد الوهاب : أخي جاوز الظالمون المدى ، ووطني حبيبي الوطن الأكبر ، وأصبح عندي الآن بندقية ، وكذلك بصوت أم كلثوم : بغداد يا قلعة الأسود ، وثوار ، و والله زمان يا سلاحي ، وغير ذلك مما أحبّ وأرغب في سماعه ، وبخاصة أغنية أدير العين ما عندي حبايب ، للملحن رضا علي . حزنت كثيراً على محمود ، وعلى فراسته العجيبة نحوي ومعاناتي ، وهدأت نفسي بعد فترة حياله ، حين علمت بأنَّه كان واحداً من العراقيين الذين تلقى بصدره الحر ، رصاصات القتلة المحتلين ، ليشكل رقماً كبيراً في حسابات الشاهدين على المأساة ، بروحه الفراشة التي تحوم ما بين بغداد والخرطوم .
|