الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

26  آذار  2008

ابحث في كتابات

 

 رحلة الغربة ... لفنان في بلد الغربة - 6

 

كتابات - ايـاد البلـداوي

 

خلال فترة الاعتقال .. وأنا في زنزانتي وفي ساعة متأخرة من الليل سمعت صراخا قويا لصبي ... اعتقد انه لن يتجاوز الخامسة عشر من العمر ... كان جلاوزة النظام يعذبونه ... يطالبونه بالأعتراف على والده ...كان يستنجد بهم ... يتوسل... يستعطفهم أن لا يضربوه.... فما بالك وقساة القلب والضمير الذين لا تهتز مشاعرهم الإنسانية لوهلة من الزمن .... لم تمض لحظات حتى توقف ذاك الصوت ... خيم الصمت على تلك القاعة ... صمت بائس ... ترى ماذا حدث... ماذا حل بهذا الطفل ؟ هل فارق الحياة ...؟ حال ظل يعذبني طوال الليل ... في اليوم التالي اقتادوني الى تلك القاعة الكبيرة معصوب العينين ... حان دوري الآن ... علقوني ربما بحبل او بأي شيء اخر بشباك عال من الرسغين ...لم اشعر سوى بصوت كقضمة الخيار... إنه كسر في رسغ اليد اليسرى ...إنهالوا علي ضربا .... علي أن أعترف ... ما العلاقة التي تربطني بالفنانيين الكويتين ... لم أتصلت بهم خلال فترة وجودي في الكويت إبان الآحتلال ؟ اسمعوني تسجيلا لجميع مكالماتي التي أجريتها معهم ...سألوني لم رفضت مصاحبة داود القيسي حين كلفني بمرافقته لسرقة اجهزة وأثاث مسرح الخليج ومكتب الفنان عبد الحسين عبد الرضا ... وأمور عدة أخرى بينها بعض الكتابات التي كنت أحتفظ بها .... كل ذلك لم يجدي نفعاً لأنني لم أرتكب خطأ ... انزلوني ثم رفعوا ساقيّ وانهالوا ضرباً أعتقد أنهم كانوا يستعملون قضيباً صلبا من البلاستيك ... بعد برهة من الزمن اصبحت لا أشعر بقدمي .... راحوا يوخزوها ربما بأبر فأنا غدوت لا أدري لأنني معصوب العينين ... ضربوني على ظهري وطلبوا مني أن أركض بتلك القاعة   شعرت حينها بالدماء تسيل من قدماي ... عندها ازداد الألم ... كل ذلك تم في تلك القاعة الموحشة ...وما خفي كان أعظم .... بقيت على هذا المنوال 45 يوما حتى أطلقوا سراحي بكفالة ....بعد ما  أشترطوا علي أن لا أبوح بشيء مما جرى لي حتى لنفسي ... توعدوا إن حصل ذلك ستكون النتائج وخيمة على جميع أفراد أسرتي .... قبل أن يطلقوا سراحي جلبوا لي ماكنة الحلاقة لأحلق ذقني ... بعدها بذلت قصارى جهدي للهرب من جحيم ذلك النظام ... معروف لدى جميع أنظمة العالم ... المتقدم والمتخلف أن الفنان والمثقف هو واجهة البلد الأعلامية والثقافية ... الينبوع الذي يرفد دون توقف...إنه المرآة التي تعكس حضارة وتطور ذاك البلد ... إلا أن ذلك لن يحصل في بلدي ... العكس الصحيح... منعوا سفره...انطلاقته ... اطلاعه على ما يجري في العالم المتقدم... ربما يحدث ذاك في بعض من دول العالم الثالث كما يسمونه... تلك هي أدنى وأرذل اساليب القهر للفنان والمثقف .

 بعد 8 شباط 1963 اصبحت زيارتي لدوائر الأمن مستمرة بين الحين والآخر ...زيارة مجبرعليها .... إنه إثبات حضور مع المقسوم كما يطلقون عليه ... إلا أن الزيارة الأخيرة  كانت الأطول والأهم على مستوى الفعل اللئيم والمتوحش.

    سألني البعض كيف يشعر الإنسان بالغربة وهو في وطنه ؟ استغربت كثيرا وأنا استمع لذاك السؤال ... كأن السائل  غريب عن العراق ... كأنه من كوكب آخر ...  لم يخبره أحد بماجرى ويجري .... لا بأس ...

حين تسلب حقوقك الأنسانية والتي صادقت عليها دولتك بمواثيق رسميه ... حرية الرأي ... السكن ... الثقافة ... التنقل التعليم الثقافة وما الى ذلك من مواثيق إنسانية ... تسمع بها .. تقرأها ... يروجها لها الأعلام الحكومي المحكوم ....دون ممارسة حقيقية ... كل ذاك الحرمان ألم يجعل منك إنسانا غريبا في بلدك ؟ انعكس ذلك على أولئك الذين ينضوون تحت عباءة ذلك النظام .

أمر في غاية الغرابة أن يتجرد الإنسان من إنسانيته .... والأكثر غرابة حين تلتقي شخصا يدعي الثقافة والاحساس الفني المرهف ... فاقد لأنسانيته ... كنت أسال نفسي في أحيان كثيرة ..... هل الثقافة والحس الفني المرهف نعمة على الإنسان أم نقمه ؟ ما يثير فضولي هنا .. أن البعض من المثقفين والفنانين – أقول البعض وأشدد عليها – يعتقد أنه سوف لن يصل الى تلك الدرجة من التطور مالم يلج الأساليب الخبيثة في حياته اليومية ... حيث التلون والتملق في كل وقت وحين ... أستخدام مختلف الطرق الملتوية والخبيث حتى لو أدى ذلك الى إيذاء الغير .

 وأنا في ريعان الشباب كنت أنظر الى المثقف والفنان على أنه النور الذي يسطع لينير الدرب للآخرين .... كنت أنسج له هالة من حرير ... لكني حين ولجت هذا المجال صدمت ... رحت أقارن بين الإنسان البسيط الذي لا يمتلك ذاك المستوى الثقافي والفني .. لكنه متمسك بإنسانيته... بأخلاقه الحميده التي تربى عليها بين أكناف العائلة العراقية البسيطة ... لقد عمد النظام السابق الى تبعيث جميع الدوائر المهمة الاعلامية والثقافية منها على وجه الخصوص ناهيك عن الجامعات والمدارس الثانوية .... إن تصبح بعثيا تبقى في مجالك الأعلامي او الثقافي وإلا سيكون مصيرك النقل الى أبعد مدينة يعرفها العراق ...ذاك هو الحال ... من هنا بدأت رحلة المتلونين واللاعبين على جميع الحبال في كل الأوقات والأزمان ... فبغير تلك الاساليب القذرة لن يتمكنوا من أرتقاء المناصب ... إنه مركب الشعور بالنقص ...فقد كانوا يعمدون الى تهميش الآخر ... محاربته بشتى الأساليب فمنهم من يستغل ذاك المنصب للإيقاع بالآخر ومنهم من يحاول إبعادك عن مجال عملك ...وآخر يعمد للحد من إبداعك في مجال عملك مستخدمين الآخرين كأدوات تنفيذية .... كي تكون غريبا حتى في مجال عملك ...علىسبيل المثال لا الحصر ... أحدهم حين كان يرأس قسم التمثيليات في إذاعة بغداد عمل المستحيل  ليرفض جميع كتاباتي للإذاعة وأن لا أشارك في اي عمل إذاعي .... وكذا الحال حين عمل في السينما والمسرح .... آخر كان يعمد للإقاع بي بإستخدام مختلف الوسائل الخبيثة ...صحيح أن الفشل كان نصيب القسم الاغلب منهم لكنها بذات الوقت كانت تؤدي بك الى الانكماش وعدم الأطمئنان للآخر وذاك هو الهدف ... أن تكون مترددا متخوفا في علاقاتك وبالتالي يؤثر على ابداعك ... أمثال هؤلاء فقط المستفيدون في جميع الأوقات والأزمان ...

 من هنا تعمقت الغربة في ذاتي ... بعد أن قررت ترك العراق متوجها الى عمان ... بمساعدة ( زيد من الناس ) حيث كان ضابطا في وزارة الداخلية ... عنصرا طيبا يحب الفن والفنانين ... أنذرني بأن وزير الداخلية آن ذاك .. علي الكيماوي أمر بأحالتي الى المحكمة الخاصة ... طلبت منه مساعدتي في مغادرة البلد .. وبالفعل نلت المراد ... حين وصلت الى النقطة الحدودية أغلقت الحدود عند الساعة الثامنة مساء.. دب الخوف في نفسي وزوجتي التي كانت ترافقني ... صرنا نعد الساعات .. بل الدقائق لا بل الثواني ...

ولك يا ليل عجل وانتهي ... لا تكون انت العذول ... أنت حضن الكمر ونجوم .... أنت دومك صاحب أصول ...

ولكن هل سنجد الشخص الذي سيساعدنا في أجتياز النقطة الحدودية أم سيتم تبديله بآخر ... افكار كثيرة صارت تدور في رؤوسنا ... حسابات عدة ... هل يدب اليأس الى القلوب ... هل نستسلم ويكون مصيري حبل المشنقة ؟ اسئلة كثيرة كل منا يطرحها على الآخر ... وجاء الفجر ... أشرقت الشمس ... إنها دقائق حاسمة .... دخلنا قاعة الجوازات ....

الخوف أخذ مأخذه منا ... سلمنا جوازتنا ....

والى لقاء...