|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
27 آذار 2008 |
|
التشكيل العراقي في مائة عام : التجريب / التأسيس / الحداثة - 3
كتابات - عادل كامل
تنويعات الأسلوب والهوية
إذا كان الصراع الأسلوبي الأوربي ، قد دفع بالحداثة الى الذروة ، فأن هذه (الحداثة) خرجت من نظامها الكلي : الفلسفي ومختبرها الفني .. وما حصل من تنويعات ، ومتضادات ، فيها ، فهو مسلمة تطورية . لكن الأمر في الفن العراقي ، يختلف تماماً . كانت حتمية التنوع الأسلوبي ، تخص التجريب ، وأرضاء المشاهد ، والبحث عن خلاصة . أذكر جملة قالها حافظ الدروبي . قال أنه رسم بكل الأساليب ولكنه لا يعرف ماذا يريد المشاهد بالفعل ظهرت في التشكيل العراقي ، أساليب واتجاهات مستمدة من روافد مختلفة .. ومن بلدان متغايرة .. وقد عكست مفهوم التجريب من غير هدف عدا محاولة صناعة العمل المقبول ، أو السلعة القابلة للاقتناء . عامة ، يمكن اعتبار هذا التنوع ، دلالة حيوية ، وبحث ، ومراجعة .. ومع ان الحداثة الأوربية كانت تهتم بالتوقيع الخاص بالمبدع ، سنرى فنانا ، يهتم بهذا الجانب ، ولكن في إطار الهوية الجمعية أو شبه الجمعية . أنه – بلا شعور منه – يرجعنا الى النظام الفني عند القدماء ، أو عند العصر الوسيط ، حيث تبرز الذات الإبداعية ألا باعتبارها صوتاً جماعياً . هذا الأشكال جعل التوقيع ، عند الفنان ، مرتبكاً ، ومفككاً . وهذا الخلل يغاير أهداف الحداثة ( الأوربية ) التي لا يريد ان تصبح حداثة وطنية وقومية في الأخير ، أي ان الفنان يعمل على عكس التيار .. لهذا نرى الفنان ، خلال هذا القرن يعمل على - الرجوع الى الواقع : القرية .. والمدينة .. والطبيعة .. - ويستلهم الرموز ، التي صداها لدى المشاهد ، والمتابع : الرموز الدينية (قباب .. مساجد .. أرابسك ) والثقافية ( ظاهرة استلهام الحرف العربي ) والطبيعية ( كالخيول ) مثلاً .. - والموضوعات الاجتماعية ، والتاريخية .. ذات القصة أو التي تعتمد الحكاية . - والعناية بالتجديد ، وتحويرات العمل الواقعي ، واختزاله .. الخ
ان الفنان كان يعمل على إرضاء الأخر .. بالدرجة الأولى . وسيحدث التقاطع في هذه التوجهات ، بصورة جعلت التنوع ظاهرة عامة ، وحادة .. فالأشكال ، والتقنيات ، والعناصر كانت شبه مستعارة من مصادرها الأجنبية . ولم يكن العمل على بلورة مدرسة عراقية ، كما لدى جماعة بغداد للفن الحديث ( جماعة جواد سليم ) بالأمر السهل . ولم تكن مكونات الهوية الفنية موازية للنوايا ، والتوجهات الفكرية . فقد تداخلت التوجهات والأساليب واكتفت بالتنوع والمعاصرة . والسؤال كله يخص ماذا كان يريد الفنان .. وماذا كان يريد الوسط الاجتماعي – الثقافي ؟ ان دراسة ( الخلخلة ) الواقعية ، والصدمات ، والمتغيرات ، جعلت الفنان جزءاً منها : مرآة لقانونها المتحرك ، فقد أمتاز القرن بحركة وبحث واستئناف دائم للبدايات : أنها خلاصة لا يمكن عزلها عن نظام الحياة العراقية – العربية – العالمية ، ولا عن جوهر الفن ودوره ومصيره .
الفنان والأخر لسنا بصدد تأمل ( الضرورة – الحرية ) ألا باعتبار الفن ، حاجة ان كانت زمنية . تاريخية ، أو روحية أو معا . بهذا الدافع كان الفنان يلبي رغبات الأخر ، الوسط الاجتماعي ، الثقافي ،والذاتي أحيانا . بل كانت الذات ، في الغالب ، مندمجة بالأخر ، وبالمحيط ان كان ماضياً أو مستقبلياً . ومع ذلك كان وجود الفن تحدياً .. في الخزف والنحت والرسم ، وأمام تقاليد بصرية غائبة ، أو تنتمي الى مناخات الدولة العثمانية وهي تشهد موتها ، هذا التحدي له علاقة بالحوار – مع – الأخر ، في رحلة غير واضحة المعالم لقد لم استلام ( بنية ) شبه كاملة ، بالمضمون والشكل ، وراحت هذه البنية تتغير في الإطار ذاته . فمنذ كان الرعيل الأول يرسم بالواقعية التسجيلية ، الموضوعات التقليدية ، صار جيل الرواد يؤسس مفاهيمه للفن . الرواد يعملون على إنشاء الرسام ، وجماعة بغداد للفن الحديث تعمل على جدلية الموروث والمعاصرة ، وجماعة (الانطباعيين ) تعمل على اكتشاف ذاتها ( البصرية ) بالواقع العراقي .. وفي الستينات ، حدثت تمردات أسلوبية ، من داخل الرسم والنحت ، ولكن بمنطق البنية ( الأوربية ) : كانت الموضوعات ، أحياناً ، مستمدة من التراث ( شاكر حسن ، كاظم حيدر ، ضياء العزاوي ) أو من الواقع المتأزم ( محمد مهرالدين / إسماعيل الترك / صالح الجميعي / علي طالب / فائق حسين / أرداش كاكافيان ) أو في سبيل التعبير عن حداثة فنية لها امتياز التمرد ( المجددون / الرؤيا الجديدة ) لقد كان الفن ، في هذا الإطار ، يلبي رغبات الأخر ، ويعكس طبيعة الأحداث ، القومية (الجزائر / فلسطين / لبنان ) ويعكس طبيعة الثورات الوطنية ومنذ ثورة العشرين حتى ثورة 17/30 تموز 1968. وفي الوقت نفسه ، كانت هناك تجارب أكثر راديكالية ، وتطرفاً ، وقد قادها ، في أكثر الأحيان ، شاكر حسن ال سعيد ، وراح ينظر لها ، منذ ( البيان التأملي ) و ( الجدران ) و( البعد الواحد ) .. وليس غريباً ان معارض الخمسينات كانت تقام في ( السنتر ) البريطاني والأمريكي .. وكان الاقتناء يتم من قبل الأجانب ، بنسبة كبيرة جداً . هذا ( الأخر ) حتى نهاية القرن ( 2000) كان أجنبياً . وال‘مال الفنية التي اقتناؤها . في الداخل ، هاجرت ، خلال العقد الأخير ، ولم يبق منها ألا ما تم الاحتفاظ به في متحف الرواد ، أو عند عدد قليل من هواة جمع الأعمال الفنية . لقد لعب الأخر الدور الواضح في الأساليب .. وهنا يحدث الفارق بين التشكيل وفنون الكتابة .. لأن ازدهار الأول حصل بسبب الأخر ( الأجنبي ) بينما كانت فنون الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح ، تواجه أزماتها في الداخل . ان كلمة حافظ الدروبي تعكس عمقها في هذا المجال ، فالسوق بحاجة الى تنوع في ( البضاعة ) لتلبية ذوق الأخر ، بالدرجة الأولى . ومن الطريف ، ان الأخر كان يرغب بالفن الأكثر صلة بالتراث الشعبي ، وبالفلكلور ، والأساطير العراقية ، والطبيعة . فهو – أيضاً – لا يبحث ألا عن جماليات محددة : الحروف .. والإسلاميات .. والانطباعيات – ولم يكن يبحث عن الفن ( الهوية – التوقيع ) ألا في النادر . وسوق الأعمال الفنية ، اليوم (2000) وعبر قاعات العرض ، ودكاكين بيع اللوحات والآثار الفنية ، يفضح العلاقة بين المنتج ( الفنان ) والأخر ، وعلى حساب الفن من غير شك . فالنقد الفني لم يعد مؤثراً ، في هذه العملية ، وهو ، عامة ، كان مضافاً للعملية الإنتاجية الفنية ، ولم تكن له سيادة ، أو ذلك الحضور الواضح والمؤثر . بهذا المعنى ، كانت ( الهوية ) الذاتية مستلبة ، وابسط إشارة لها ان هناك عشرات الفنانين يرسمون بأسلوبين .. الأول ، الأسلوب يعرضونه في معارضهم الشخصية ، والأخر ، يتسرب الى دكاكين الفن ، للبيع ، والأمثلة تبدأ بالأستاذ فائق حسن .. ولا تنتهي عند تجارب : وليد شيت .. سيروان باران .. ضياء الخزاعي .. حسام عبد المحسن .. عاصم عبد الأمير .. الخ أنها ليست ازدواجية فحسب ، بل أنها تفسر قلق الشخصية ، وأثر السوق ( الأخر ) في أنتاج أكبر كمية من الأعمال التي تجد رواجاً وتسويقاً سريعاً . مع ذلك – وفي هذا المناخ الشائك – أسئلة الفنان تخص جوهر توقيعه : هويته الشخصية . فالفنان يكون ذاته بجذورها ورافدها لصالح بنية العمل الفني : البنية التي تصنع أفقها الإبداعي ، لدى الأخر ، جمالياً وإبداعياً . وهو المسار الذي أخلص له جواد سليم ، بعيداً عن الأخر ( المباشر ) . فالفن أفق آخر للحرية ، وتحرر الذات من اغترابها : أفق المغامرة وتحرك الزمن الحضاري .. فالفنان لم يعد يفكر باستنساخ إنتاج الأزمنة القديمة .. بل هو يستلهم من الكنوز ذلك السر الكامن في الخلق الإبداعي . لقد انتج السومري العجلة ، وعلى الفنان اليوم – ( في القرن 21) ان ينتج عجلة وملحمته وبصرياته مع حساب التراكم الزمني ، النفسي ، الحضاري . أنه سيقيم قطيعة مع ( الماضي ) ومع ( الفن الأوربي ) قطيعة موت من أجل انبعاث فني له توقيعه وعلاماته المحررة للرؤية . هذا الدافع ، في الجوهر ، يلخص نبض ومحركات التشكيل العراقي ، ومساحته الكبيرة عربياً في الأقل . ولعل أبرز الأسماء ، ومنذ نصف قرن ، تعمل بهذا الهاجس التجريبي ، المعرفي ، مع عشق للمغامرة والبحث والمعرفة والتحدي.
الهوية – الحداثة لم تحمل الفنون القديمة توقيع مبدعها ، وان وجد ذلك ، فلا معنى كبير له . كانت الهوية جمعية ، تبعاً للمعتقد ، أو لسيادة الدولة ، والحاكم على وجه التحديد . ومنذ بدأ الفن الحديث ، بعد غزو نابليون لمصر وتشكل الدولة العراقية الحديثة ، صار توقيع الفنان ، بشكل أو آخر ، له مغزاه . أنه جزء من الحداثة الأجنبية . حيث توضح هدف الفن ، في المسار الحديث للحياة العامة . بيد ان الفنان الذي راح يستعير هويته ، وعلى مدى قرن ،أخذ يتأمل معنى ( ألانا ) في هذا المجال . وسأغير نص أحد النقاد في مجال الشعر ، باتجاه التشكيل ، ليشخص ، بأن الحداثة التشكيلية ، ليست مجرد بنى وتشكيلات وعناصر فنية . فهي تفترض . بدئياً . معرفة الفنان نفسه بوصفه ذاتاً ، وبوصف هذه الذات إبداعاً، وكون الفن يعمل على الكشف ، والإفصاح ، والإيصال . هذه الإحاطة المعرفية نفسه ، الشرط الأول للهوية ، أي للعلاقة الخلاقة مع الأخر . هكذا سيتوضح لدينا المنهج في الحكم النقدي ، في كون الفن ليس امتداداً للزخرفة ، وليس امتداداً للعناصر الديكورية ، والترفيهية ، وإنما للفن ، كحداثة ، قضية ، وشروط فنية لا يمكن التخلي عنها ، أو أفعالها . ومثل هذه المراجعة ستقع على عائق نقاد الغد ، في تفكيك النصوص الفنية ، وغربلة الكتابات ، في مسار تحديد ملامح الهوية الحداثوية العراقية في التشكيل . بيد أننا لا نستطيع إغفال المهارات والمواهب شرط لا يلتقي مع الإبداع ، فهناك أسماء كثيرة نتعرف عليها . أسماء استطاعت ، بغياب التفرغ الكلي للفن ، ولدوره ، في الحياة الاجتماعية – الثقافية ، ان ترسم هوية التشكيل العراقي ، انطلاقاً من مصادر واقعية ، تراثية ، شعبية ، وتجارب الشعوب ، مع وعي بالتكنيك والتقنية ، لبلورة عناصر هويتها . فلا يمكن إغفال أسماء مثل : مديحة عمر / صديق أحمد / نوري مصطفى بهجت / جميل حمودي / د. خالد الجادر / إسماعيل الشيخلي / نوري الراوي / محمود صبري / نجيب يونس / كاظم حيدر / محمد علي شاكر / سعد الطائي / محمد عارف / سالم الدباغ / سعاد العطار / خالد النائب / ليلى العطار / ليزا الترك / علي طالب / فهمي القيسي / نزار الهنداوي / وليد شيت / مخلد المختار / كريم سيفو / فاخر محمد / عبد الأمير علوان / أياد الحسيني / كريم رسن / حيدر خالد / محمود العبيدي / علي آل تاجر / الخ وأسماء أخرى . فثمة ملامح مشتركة قد تبدو غير واضحة .. لدينا .. على صعيد التكوين .. والألوان .. بطرق التنفيذ .. والبعد الشرقي ، الصوفي والشفاف ، وتصوير المدينة والقرى . والحياة الاجتماعية . والصور الشخصية ، والعناية بالطبيعة العراقية ، والمشاهد الشعبية ، والحرف العربي ، والرموز المستمدة من الموروث ، والحضارات القديمة : ومعالجة فراغ غير مفهوم ص71 والأجنبية الأخرى ، كلها ، تتداخل ، تشكل بنية الفن الحديث : بنية الفن – التنوع – في إطار الوحدة العامة .. وحدة التجريب ، نحو التأسيس ، بل ونحو الريادة الإبداعية ، التي ستبقى قائمة ، بتجدد الزمن ، والأسئلة .
الأسلوب الفني المعاصر وهم اليقين وصدقه
يذهب كثير من متذوقي الفن في تحديد أهمية المنجزات الفنية ، لديمومتها الزمنية .. على ان هذه الديمومة ، وبفعل الشروحات المصاحبة لهذه الأعمال تكمن في أهمية تلك الأعمال فنياً وجمالياً فالذوق العام تشكل عبر حقبة طويلة ، حتى أنه يرتبط عميقاً بالعادات والمعتقدات والتقاليد المختلفة . فهل يحقق الفن الحديث ، والتجارب الأكثر حداثة ، هذا الحكم لدى غالبية السكان ؟ بلا شك ستبقى ثمة معادلة سليمة حتى في أكثر البلدان عناية بالفنون الجميلة .. فالذوق العام ، ليس الأخير في قول الكلمة الفصل ألا بعد ان تكون (( النخبة )) المفكرة قد قالت كلمتها ، بصدد هذا الاتجاه أو ذاك الأسلوب الفني لهذا ستبقى هناك مفارقة شبه دائمة بين المبدع والمتلقي / أي المسافة الفاصلة بين أنظمة التفكير وزاوية رؤية العالم وتحديد هذه الزاوية وطرق معالجتها . أننا لا نريد تفسير (( العبقرية )) حسب ما يقال بل نرى ان المهارات الكبرى هي القاعدة ، والذوق العام هو الذي يعاني من مشكلات عدم الأستساغة أو الاستجابة الصادقة .. وستبقى هذه المسافة ، بالرغم من محاولات التقارب والانسجام والشرح ، فاصلة بين منظومتين في الإبداع والتلقي ، فالفنان يرى إنجازه كشكل من أشكال ((ضمير)) عصره بينما سيتمسك المتلقي بإرث العادات .. ان هذه القاعدة ، ليست يقيناً بل هو الوهم الذي يتشكل لأسباب لا تحصى . ولكن أسلوب الفنان في الوقت نفسه ، لا يمكن ان يعالج في ( بنية ) ثابتة . فكل أثر ينضم إبعاده المتداولة (الأزمنة الثلاثة .. الأبعاد النفسية .. الاجتماعية .. الحرفية .. الروحية الخ) فالأسرار الكامنة في جوهر الخلق الفني ما زالت تسحرنا بوهمهما تارة .. وبيقينها تارة أخرى . وعملية الفصل بين اليقين وضده أو بين الحق والباطل محاولة ان لم تحصل تثير الغثيان وان حصلت فأنها لا تدل ألا مستوى غير رفيع في الحكم ، على أن الصمت تجاه عدة التفرقة بين الإبداع الوهمي ونقيضه هو بحد ذاته كارثة .. فالإنسان يعزف من هذه الزاوية ، كمخلوق جمالي يمتلك حساسية مشحونة بالدهشة والغرابة والاستبصار .. يضاف لهذا ان ( الوهم ) قد لا يخص ألا قانون التحولات .. والتراكم .. وفناء الأشكال وانبعاثها وفق عمليات دائرة أو حتى حلزونية لأن (( الوهم )) يساوي الباطل أو كون الأكثر تقدماً في الباطل لا يمكن ان يصير يقيناً .. ففوق كل وهم وهم ثان ، وثالث .. لأن الوهم الأول (( أس )) الأوهام المتراكمة ، كامتداد أفقي لها .. وحنى عندما تغدو الرؤية (( عمودية )) أو هرمية فأنها قائمة على العدد (( واحد )) الأول غير القابل للإضافة ألا كامتداد .. وهو الامتداد الذي لا يتمثل فيه اليقين . أننا هنا نتلمس مشكلات اللا فن في تاريخ الفن الذي لم يمض عليه زمن طويل ، واللا فن ليس محاولة لابتكار منظومات تفوقية لا تنفصل عن فلسفة عصر ما فوق الحاسوب التقليدي – في مرحلته الرابعة على الأقل – أو في عصر ما فوق التصنيع : عصر ينشط فيه الخيال كما في عصر سابق ، لإبقاء المستقبل حقيقة واقعية وصلبة واقصد بهذا ان الأساليب الفنية هي ثمرة مصادر لا تحصى تجعل ( التفرد ) منسجماً مع المشهد الجمعي للسكان . والتفرد بحد ذاته ، في اختبار طرق الحياة أو الإبداع الجمالي أو الموت ، أو الإبداع الوهمي . يتشكل بعيداً عن (الحرية) الخالصة ، فالحرية – حسب تعريف لها – إذا كانت تعني عدم الإيذاء ، فأنها ستكون ضرباً من الميتافيزيقياً .. لأن قوانين الديناميكية ، المباشرة والأكثر تعقيداً قائمة على نظام الإزالة فالأشياء كل الأشياء ، المادية أو الأفكار المتسامية لها عمرها الزمن مثل كل كائن لا متناهي في الكبر أو الصغر .. ومثل هذا القانون الثابت حسب ما لدينا من خبرة يجعل أساليب الإبداع الجمالي جزئية وستبقى طموحات البحث عن رؤية كلية جزءاً من الوهم السلوكي أو الخيالي .فإذا كان المتلقي ، لا يمتلك ألا هذه القاعدة فأنه لن يمتلك جسراً أخر للعبور نحو الفن ، وتفهم الابتكارات المستحدثة ، والتي لها علاقة غامضة أو غير قابلة للشرح ، بالقدم فالأساليب تستحدث ضمن حداثة وجودها .. والعملية التأملية للأساليب ، لا تمتلك ألا هذا القانون . على ان الإبداع – والتذوق عند المشاهدين – يحاول قلب الجزئي الى كلي .. والمتحرك الى ثابت والباطل الى حق .. وعلى الصعيد الأخير ، سيقال ان الجزء الذي هو ( الوهم ) ليس وهماً ، وإنما هو ثمة إطار الوجود الكلي ، يمتلك نسبة من ( الحق ) المطلق . فليس ثمة ما هو (( زائد )) .. وأن الوجود خارج وعينا ، ليس استهلاكياً .. وان الفنان – والمشاهد أو المؤرخ والناقد – لا يحق له الإحساس بعبثية (( سيزيف )) بل عليه بكل هدوء الامتنان بواجب الشكل . فحتى عندما يستعصي فهم الأشكال والموضوعات فأنها في واقع الأمر ، واجبة الوجود ، لأنها (( موجودة )) أو (( ملقاة )) بل لأننا في تعاملنا معها ، نبرهن على يقين العلاقة بينهما .. وألا لماذا كان هذا الوعي الذي يفند كونه ثمرة تطور من ( اليد ) والعمل الى ( الفكر ) والى عصر ما فوق (( الرابط الحساس ذاتي التفكير )) بمعنى أخر ان الأسلوب – والمنجز الفني برمته – يحقق ذاته . كبنية مترابطة مع عوالمها وعللها . فالأسلوب ليس ثمرة الوعي بمعزل عن الحاجات .. ولكن المطالبة الدائمة في الإبداع تتعدى هذه البديهة . لفن اللا أسلوب وكل ما يشكل ( مادة ) الثقافة الفنية الاجتماعية . وهكذا سيبقى الصراع بلا حد ولا يتاح لأحد ان يقول كلمة أخيرة عدا ان تاريخ الفن وتقاليد الذاكرة الجمالية ، وتجار الأعمال الفنية ، سيحصلون على مكاسب إضافية . بيد ان قانون تحولات المادة وعدم فنائها يبرهن على عظمة هذا الوهم لأن عملية الحدس بالتاريخ لم تعد علماً مثلما حاول عمانوئيل كانت ان يجعل من الميتافيزيقيا علماً .. فالوهم بالأسلوب يفصح عن فقر (( كبرياء )) زائف وعن سوء نية متجذرة في بؤس الوعي الفلسفي لا في حقيقة ما وراء حقيقة الوجود .. وفي الأخير يضطر ( الناقد – الحكيم ، المدرك لجهله ) بالكف عن الكلام ، ولكن ليس لصالح ( الصمت ) مثلما يضطر هذا النموذج للصمت ولكن ليس لصالح (الكلام) وإنما لصالح فكرة ان من يفرق بين الجمال والقبح لا يمتلك شيئاً من علم اليقين .. وان من لا يفرق بينهما ليس بأفضل من الأول الأمر الذي يجعل بحث الفنان يماثل بحث الباحث في ما وراء القبح والجمال وفيما خلف الصمت والكلام . وعلن كهذا ما زال قيد الطموح ولا يراود ألا أصحاب الامتنان للأشياء كلها ، باعتبارها أولاً وأخيراً صادرة عن علة واحدة وان الخلل في الحكم لا علاقة له ألا بمن يتعجل الحكم بينما تكمن الحقيقة في ذاتها بلا صفات أو مسميات ، وهي قبل كل شيء ليست بحاجة لمن يتزعم الدفاع عنها بثيوقراطية مقننة بوسائل علمية فائقة .. هكذا يتم النظر الى وحدة ( اليقين – الوهم ) بالأسلوب نحو نزعته اللا أسلوبية بحركة حلزونية إنما مغاير للقبح كجمال .. أو للجمال كقبح ومثل هذا الوعي بتفسير الأشياء لا يقود الى كوارث خرقاء بل الى استمتاع يخص جوهر قانون الأجزاء وهي تعمل ضمن قانونها اللا مرئي .
في نهاية القرن العشرين أسئلة الفن .. والأسلوب
ما الذي يكمن في الفن : هل يظهر في تفاصيل الأشكال أو يختص وراء علاقات العناصر .. وهل ثمة ما هو أبعد من ذلك الذي تم التطرق أليه ، عملياً ونظرياً ، حتى نهاية القرن العشرين ؟ وهل ان نظرية أو فرضية ( موت الفن ) محض فكرة وقد تلاشت ، أمام إبداع الإنسان في مختلف الحقول ، العملية ، والجمالية .. وان الدراسات ذات البلاغة العلمية لم تأخذ مكانتها في اجتياز ظاهرة إثبات الفن ..؟ وأسئلة أخرى ما زالت كامنة وقائمة بين ( لماذا ) الفن .. و ( كيف ) تتولد بسبب ظاهرة الفن ، بكل أبعاده ، ومستوياته ، وعند مختلف الشعوب والفئات السكانية .. ففي وجود الفن قوة شيه سحرية تنتمي الى نشأته الأولى : ذلك التحول من التأمل المجرد الى الإنجاز التأملي .. والى الفعل الجديد الحاصل بقوة الإبداع .. الأكثر بلاغة من أي تعريف يحاول الإحاطة بها .. فقد ظهر الفن لدى سكان الكهوف .. وظهر في القرى المبكرة .. وتطور .. وأزداد صلة بالتطور الحضاري .. وما أنفك يزداد تعلقاً بالقلب والماكنة التقنية على حد سواء : الفن في خطابه الذاتي .. والكوني .. والمشترك أو المتداخل بينهما .. الفن المجرد .. والتشخيصي .. والمحور .. والمتوازن بين المعلوم المرئي وغير المعلوم أو المجهول . الفن الذي يتحدث عن الأزمنة في الزمن الواحد .. والفن الذي يتحدث فيه الزمن الواحد عن الأزمنة .. الفن البدائي والفطري والفن المقنن بتقنيات عليا .. هكذا ، لم يتوقف الفنان في عمليات الإنتاج ولم تتوقف الدراسات والمناهج الجديدة في تسليط الضوء على ظاهرة الفن ، في البعد العملي أو الجمالي ، أو الروحي ، أو السياسي ، أو الاجتماعي ، أو النفسي الخ وكان ثمة قوة خفية ما زالت تكمن في مكان مجهول . قوة كامنة في الإنسان ذاته ، كظاهرة غريبة ، ذات دلالات كبرى ، محيرة ، عميقة ، عبثية ، هادفة ، مرحلية مطلقة ، مثالية ، لا أدرية ، وقوة تكمن فيها أكثر الفلسفات وضوحاً وغموضاً على حد سواء . الإنسان ذاته الذي يصنع الفن ، ويخترع ، ليدل عليه ، أو ليختفي داخله ، أو كإشارة له ، وأثر .. حيث لا يمكن فصل الفنان عن فنه .. ولا فصل الدال عن المدلول ، في حضارة تحمل تاريخ الإنسان وأسراره المعلنة أو الخفية .. فما هو الفن .. بعد كل هذا التاريخ الطويل .. هل هو محض ( شيء ) أو (سلعة) أو إشباع رغبة أو تعبير عن غاية قومية أو إنسانية أو كونية .. أم أن حدود الفن ، ما زالت في مكان أخر ، أبعد من هذا كله .. ومن الظاهر المنجز .. ؟ وبمعنى أخر ما هو الإنسان .. لكي نعرف الفن وماهيته .. هل هو سر الميلاد والموت .. سر الشعلة والحياة أم سر الانهيار والتحول .. هل هو محض زمن وجيز أم هو أحد أشكال الخلود .. ؟ يقيناً .. لولا عظمة الإنسان ، بكل ما لدينا من فلسفات ، ومعتقدات ، وأيديولوجيات ، وطباع ، وأحوال ، ومتغيرات ، لما كان للفن كل هذه الأهمية ، في الحياة اليومية والثقافية لدي البشر .. الأمر الذي يجعل الفن ، بشكل ما من الأشكال ، يكمن في ميلاد الفن ذاته .. وفي تجرد الأسئلة أيضاً . لكن الأسئلة ، في الفن ، تبحث عن إقناع ، وصياغة توازي روح الابتكار ، في سياق القانون العام ، من هنا يكون الفنان ، بالدرجة الأولى ، الناقد المباشر لنفسه ، بدل انتظار الآراء الأخرى . فما دام الفن غدا ضرورة في حياة الإنسان ، فأن هذه الضرورة لها (( حريتها )) الإبداعية ، في حدود النص الفني .. وهي بعض مهارة الفنان . أنه الأثر الذي يختزل التراكمات السابقة ، ويعيد صياغتها ، من وجهة نظر الفنان .. الخبير بأسلوبه . فالفن هو الأسلوب ، حتى في حالة التمرد على الأسلوب . فتاريخ الفن يبحث عن الشخصية ، وعمقها ، وصدقها ، بالدرجة الأولى . فمن خل الأسلوب يتم التعبير عن الإبعاد الكامنة في النص الفني ، وكان الفنان محض ( جسر ) .. وهذه مشكلة تضاف الى المشكلات السابقة . فهناك : الفنان .. الفن .. والأخر . وكل منهم له دوره في ظاهرة الفن ، وأسئلة الإنسان . فبين الوضوح التام ، وبين الغموض ، بين النظام الجمالي ، التمرد الدائم ضد الثبات ، بين النائية والتأمل الذي يصل حد اللا عمل والفناء في المطلق ، بين الخبرة والبدائية ، بين الترف وبين الاختزال .. الخ يكمن ذلك السر الغامض الذي يجذبنا أليه .. سر الفن الكامن في المعنى وفي الإشارة وفي الرمز وفي الشكل وفي وسائل أكثر بساطة أو أكثر تعقيداً .. لكن هذا كله لا يحدث ألا بإقناع يبدأ بظاهرة الفن .. وظاهرة الفنان غير قابلة للموت ، حتى بموت الأطراف الثلاثة . ذلك لأنها كامنة في انبعاثها وتجددها عبر قناعات إضافية . أنه الفن الكامن في هذه العملية الديناميكية ، حيث المعنى يكمن فيها ، وينبعث منها ، كخطاب لا يمكن فصله عن ظاهرة الإنسان ، وظاهرة أسلوبه في الأخير .
الحوار وأبعاده تحتم أية مرا |