الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

26  آذار  2008

ابحث في كتابات

 

التشكيل العراقي في مائة عام : التجريب / التأسيس / الحداثة - 2

 

كتابات - عادل كامل

 

7- الحداثة .. التمرد :

 

     لم تعد المفاهيم التي توصل إليها جيل الرواد إلا مقدمة لمرحلة سيطورها هذا الجيل نفسه من ناحية وسيتمرد عليها الجيل التالي من ناحية ثانية . فجيل الستينات عاصر مرحلة انتقالية منذ ثورة 1958 لغاية ثورة 1968 .. فقد شهد هذا الجيل المتغيرات السياسية محلياً وعربياً وعالمياً أيضاً .

     وربما يمكن اعتبار أهم الأفكار الخاصة بالحداثة قد تأسست وتبلورت في هذا العقد ، أي الحداثة الخاصة بالفن العراقي . فبعد ان وضع الرواد أهم المعالم والقواعد للفن الحديث ، وبعد ان غدا دور معهد الفنون الجميلة متميزاً ، فضلاً عن دور الجماعات الفنية وجمعية الفنانين التشكيليين ، جاء جيل آخر من الذين درسوا في المعهد نفسه ، الذين درسوا في الخارج وتأثروا بالتيارات العالمية ، صحيح ان جيل الرواد ، منذ الأربعينات شاهد الحركات الفنية العالمية وتأثر بها ، إلا ان الجيل التالي كان أكثر استعداداً لفهم الحقائق السابقة والجديدة معاً .

     فكان هذا الجيل ، بعد ان أنجز جواد سليم ملحمة (( الحرية )) يتطلع الى أساليب أكثر تحرراً من القواعد السابقة .. فشهد منتصف العقد السادس ، والسنوات التالية ، عدة تجارب اتسمت بالبحث الأسلوبي والنزعة التجريبية . هنا نتذكر معرض كاظم حيدر حيث استطاع هذا الفنان ان يشكل انعطافه في الأسلوب الفني .. وان تكون تجربة معرض (( الشهيد )) إضافة للتجارب المتمردة والمتحررة من الرسم التقليدي .. كذلك كان معرض إسماعيل فتاح خطورة مهمة في هذا المجال .. فقد اختزل الأشكال وكاد ، كما سيفعل فرج عبو بعد سنوات . ان يختار الأسلوب التجريدي . إلا ان شجاعة وتمرد إسماعيل فتاح الترك كانت متوازنة وواعية لمغزى الحداثة : التجريد في سياق الفن نفسه ، وفي هذه السنوات ، على رغم استمرار عدة جماعات بالعرض ، كانت ثمة جماعات جديدة قد ولدت وفي مقدمتها جماعتي (( الرؤية الجديدة )) وجماعة (( المجددون )) والجماعة الأخيرة ، من عنوانها ، كانت تبحث عن التجديد . ولعل الأسماء في الجماعتين ما زالت حتى يومنا هذا مؤثرة ورائدة ومنها أسماء : محمد مهر الدين .. ضياء العزاوي .. رافع الناصري .. صالح الجميعي .. هاشم سمرجي .. إسماعيل فتاح .. سلمان عباس .. عامر العبيدي ..

     وهي أسماء كانت قد تمردت ، بشكل من الأشكال ، على التجارب السابقة ، فعندما نتذكر تجارب سالم الدباغ أو كاظم حيدر أو محمد مهر الدين أو رافع الناصري ، لا بد أن نتذكر العوامل التي ساعدت على ظهورها .. وفي مقدمتها استيعاب وتمثل التيارات العالمية المعاصرة . فضلاً عن الجهد الشخصي ببلورة نظام خاص للعمل الفني . ولو تأملنا تاريخ الفن العراقي ، على رغم وجود تجارب تنطوي على تيارات واضحة كالواقعية والانطباعية ، إلا ان الحركة الفنية كانت ، وما زالت ، قائمة على عدد من المهارات الفردية .

     فعلى عكس اتجاه الفنان محمد غني حكمت كان إسماعيل الترك متطرفاً في معالجاته الفنية .. فقد كان محمد غني حكت مرتبطاً بالموروث . لكن كاظم حيدر ، وبوعي لا يختلف عن وعي إسماعيل فتاح . كان يبحث عن تراث مضاف أو لنقل عن زاوية نظر مختلفة . فإذا كانت الحداثة التي بلورها جواد سليم متنوعة ، فان كاظم حيدر استطاع ان يبدأ من الحكاية الشعبية ويجعل التكعيبي فان صالح القره غولي سيستعمل الأسلوب الرمزي .. كما ان إسماعيل الترك سيغامر بالأسلوب نفسه ، مثلما سنرى ذلك في تجارب محمد مهر الدين ورافع الناصري   وضياء العزاوي وإبراهيم زاير وخالد النائب وفائق حسين .. أي ان التمرد الأسلوبي ارتبط بالحقائق التالية :

 

-                          إن دور الرواد قد مهد لهذا الواقع الفني الجديد .

-                          وإن الفن العالمي لعب دوره .

-           وإن الأحداث العامة والخاصة مهدت لهذه التجارب ان تأخذ مسارها في الوجود . ولنتأمل قليلاً في الكلمات الواردة في دليل معرض (( نحو الرؤيا الجديدة )) أي فـــــــي أهداف هذه الجماعة من خلال هذا المعرض . جاء في البيان :

 

-                               (( نحن الجيل المطالب بالتغيير والتجاوز والإبداع نرفض القديم المحنط )) .

-             (( الفن الحديث لغة المجتمع القادر على تجاور حدود الذات الحضارية المعاصرة .. ليلتصق بنظافة خالية من كل تعصب بالحضارة في مسعى لتأكيد الوجود المبــــــــدع لهذه الأمة من خلال الفن ومَنْ يرفض هذه اللغة أحياء محنطون ))

-                               (( حرية التعبير هي حرية الثورة .. الخ ))

-                               (( الفن كل إبداع جديد .. وهو تناقض مع الجمود .. وخلق متصل .. الخ )) .

-                               (( … يكون الشارع لا قاعات المتاحف نقطة الالتصاق الصادقة معه – أي الفن .. الخ ))

-                               (( نمجد جيل الرواد في دورهم التاريخي لنهضتنا التشكيلية وترفض الوصاية الأكاديمية والفكر التعليمي .. ))

-             (( نتحدى العالم .. ونرفض الهزيمة العسكرية والفكرية لأمتنا .. ونمجد حرب التحرير الشعبية في صدور الشهداء .. مجد هذه الأمة الخ ))

-                               (( ممارسة الفن رهن بممارسة الإنسان لجوهره الإنساني ))   .

 

     وعلى كل فان تاريخ الفن المعاصر في العراق ، بعد الرواد ، يرتبط بإبداعات هذا الجيل . حيث الحداثة ليست الشكل إنما الضرورة . كما ان فكرة ( التمرد ) توخت اكتشاف الأساليب المناسبة للواقع الاجتماعي والثقافي .. فإذا كان الرواد قد وضعوا الأسس ، فان الجيل التالي ، هو الآخر ، قصد التأسيس . أو ان فكرة الريادة ما زالت قائمة ولكن هذا الجيل ، بسبب وعيه ، لم يتمرد على أساليب الرواد أو أفكارهم فحسب ، بل تمرد على نفسه . لهذا كانت أعمالهم أقرب الى التجارب الجديدة من أعمال الرواد . ومع ذلك لا يمكن إلا الإعجاب بأعمال جواد سليم وحافظ الدروبي وعطا صبري وفرج عبو وفائق حسن .. فالرواد كانوا يبحثون عن الفن الحديث .. وحتى عندما عاد الرحال أو ضياء العزاوي الى دراسة الموروث ، فان أعمالهم لم تكن تقليدية . ومغزى الهوية الوطنية بهذا الصدد لم يتقاطع مع الاتجاه السابق . فالحداثة لم تكن مجرد حلم ، بل كانت جزءاً من قانون حتمه الخيال السيوسولوجي ، كما ان مشكلة الأفكار الجديدة جعلت الفن على المحك : لمَنْ نرسم .. ولماذا .. وكيف ؟ مما جعل هذا الجيل ، وحتى يومنا هذا ، حلقة وصل مع الرواد . وفي الوقت نفسه إضافة .. أقصد من هذا ان التمرد الأسلوبي على الأقل ، كان طبيعياً . كما ان المضامين في تجارب كاظم حيدر ، إسماعيل فتاح .. محمد مهر الدين .. رافع الناصري .. صالح الجميعي .. علاء حسين بشير .. خالد النائب .. علي طالب .. فائق حسن .. كانت مكملة لجهود الرواد .

     لكن الحداثة هنا . مرة ثانية ، مرآة شائكة . فهناك المدارس العالمية .. وهناك الأسئلة الخاصة بالهوية الوطنية للفن .. وهناك الواقع الاجتماعي نفسه ، أي هناك محاولة لوضع اجابة كلية . فكما حاول الرواد ، حاول هذا الجيل ان يعبّر عن الحياة بروح العصر . وربما لم تكن الحداثة إلا هذا البحث عن الفن الأصيل – المعاصر . لكن هذه الفكرة تعود الى جواد سليم . عندما تمرد عليها هذا الجيل ، حاول ان يؤسس شخصيته من خلال عصره ، ومن خلال المؤثرات العالمية .. واعتقد أنه لم يمثل إلا هذا التطور نحو المعاصر بفعل وعيه لمشكلة الهوية - الأصالة .

     على ان هذا التمرد والبحث عن الأشكال الجديدة لا يقارن بالحداثة الأوربية . وعلى رغم الحوار الثقافي العام وتأثر الفنان العراقي بالاتجاهات المعاصرة ، إلا أننا لا بد ان نبحث عن الجوانب الخاصة بهذا الفنان . أي إبداعه وشخصيته .. وهنا تتجلى أهمية جيل الرواد وعدد آخر من الجيل التالي . انها أهمية التأسيس بالدرجة الأولى .. ومهما نحاول الوقوف عند هذا الجيل فان فكرة الحداثة ما زالت قائمة .. لأن استنساخ التجارب العالمية ، أو التأثر المباشر بها لا علاقة له بالحداثة .. ولكننا سنرى الفنان العراقي ، عامة ، ومنذ عبد القادر الرسام وحتى الآن ، حاول ان يؤسس بداية يمكن تطويرها . ولم تكن هذه البداية إلا ثمرة دراسة الفنان للأساليب العالمية التقليدية والحديثة على حد سواء . وبفعل وعيه وموروثه العريق استطاع ان يبلور تجارب متقدمة قد لا تكون لها علاقة بالحداثة . فجواد سليم كان يبحث عن جدلية : الموروث والعصر . كذلك حاول كاظم حيدر باستلهام الموروث والتعبير عن روح العصر من خلال قيمة الرمز . بينما كان إسماعيل فتاح أكثر تطرفاً الأمر الذي جعله يتراجع نسبياً عن تجاربه الستينية ..

     بينما راح ضياء العزاوي يبحث عن حداثة تنتمي الى الشرق .. حداثة الشكل والتكوين والمعنى .. فكرس مئات اللوحات من أجل فلسطين .. ومع ذلك لا نجد حداثة بالمعنى الأوربي في هذه التجارب . واعتقد ان ملاحظة الفنان رافع الناصري في كون الحداثة ما زالت تنتظر تجارب جديدة تنسجم مع تحليلنا للتجارب السابقة .

     وهنا يثار السؤال التالي : هل يتجه الفن نحو المحلية لكي يكتسب سمته العالمية أم العكس ؟ أعتقد ان الفنان العراقي حاول الإجابة عن هذا السؤال ببحثه المستمر عن المحلية دون إهمال النتائج التي توصل إليها الفنان في العالم ، فتأمل البيئة .. الطبيعة .. الموروث .. التراث الشعبي .. كانت ثمرة نصف قرن لوضع النتائج التي توصل إليها .

     وعندما نعود الى مغزى الالتزام في الفن ، نجد هيمنة الواقعية بل والأساليب التقليدية بالفن .. بينما كانت الحداثة الأوربية ، بالأصل ، ومنذ الانطباعية ، تشكل ظاهرة تمرد وتجديد ومحاولة لفهم المعنى المتجدد للفن في عصر شائك . حتى كادت الحداثة ان تفقد أصالتها بفعل هذا التطرف .

     إن الحداثة لم تلغ إبداعات رافائيل أو غويا أو دوميه .. ذلك لأنها حلقة متواصلة في التاريخ الاجتماعي للفن .. ومهما بدت بعض التجارب متطرفة إلا انها كانت تمثل استجابة للحرية في سياق قانون الضرورة . وعندما نتأمل اليوم هذا التاريخ لا نمتلك إلا الإعجاب بها . الإعجاب الذي يجعل هذه الأعمال جزءاً من التاريخ الكلاسيكي وليس جزءاً من الإعجاب بروح التمرد ، على رغم ان التمرد جاء استجابة لحركة التطور وقوته المؤثرة .

     نستخلص من هذا ان هناك أكثر من (( حداثة )) ومبدأ الالتزام في صياغة الفن المعاصر ، ضمن أشد الأزمات – أزمات الحروب الطاحنة مثلا – أو في الظروف الاعتيادية – كأزمة التلوث أو قلة الموارد .. الخ – حتم ألا تفهم الحداثة فهماً أحادياً أو قاطعاً . فقانون الحداثة ، يجدد نفسه .. والفنون البصرية استطاعت أن تقدم مئات التجارب على هذا الصعيد .

     ولكن ما هي الحداثة وما هو قانونها ؟

     لقد شعر جواد سليم بالقلق ، مثلما شعر به حافظ الدروبي ، إزاء هذا السؤال . ولولا الوعي بالموروث لكانت الحداثة محض استنساخ .. بدل ان تتحول الى أسئلة .. فنحن هنا أمام مفهوم آخر للحداثة بلورته التجارب الرائدة : أي مفهوم الرؤية الشاملة لعلاقة الموروث بالعصر .. وهو المعنى العميق للحداثة باعتبارها تأسيساً لا استنساخاً . وهو المعنى الذي يجعل لمبدأ الالتزام الاجتماعي قيمته الموازية لفهم المبادئ السابقة . أي مبدأ التجديد وضرورته على الأقل . ومهما يكن فأن الفن المعاصر لا يستطيع الانغلاق على نفسه .. ومفهوم الأصالة في الفن ، لا يمكن عزله عن المؤثرات المختلفة .. كما ان التراث البشري غدا منتشراً وبمتناول الجميع .. فالثورة التكنولوجية ، والتقاء مصالح الشعوب ، كلها قللت من العزلة ومهدت لهذا الحوار والحداثة في الفن العراقي استمدت شرعيتها من :

-                          المؤثرات العالمية .

-                          الموروث العراقي القديم .. والموروث الإسلامي ..     

-                          ومن الواقع نفسه .

 

     إنها عوامل حتمت وجود هذه التجارب . وجعلت تتخذ مكانه خاصة عند المشاهد .

     ولكن هل هناك (( حداثة )) في التشكيل العراقي ؟ هذا السؤال يعود بنا الى جذور الحداثة نفسها . فجميع الرواد الكبار منذ   فان كوخ  مروراً بالتعبيريين والمستقبليين ، وليس انتهاءً بالفن الشعبي الأمريكي ( البوب آرت ) والواقعية النقدية ، كانوا خلاصة تجارب إبداعية لشعوب وحضارات مختلفة . فلم تكن تلك التجارب التي اصطلح عليها بالحداثة بمعزل عن تبادل الخبرة وحتمية المتغيرات والتطور الحاصل في مجالات الحياة .. الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر وبعمق في معنى الحداثة في الفن العراقي . وان نتأمل معنى التأسيس ومعنى الحداثة من خلال هذه المصادر التي شكلت روح المعاصرة .. وبهذا المعنى ، كما في الشعر والقصة ، كانت هناك حداثة حاولت التعبير عن روح العصر مثلما قصدت التعبير عن جوهر الواقع . فمثلاً يرى الأستاذ محمد الجزائري (( التقصي حد الموت .. ذلك هو بحث الفنان المتواصل من أجل تكاملية الرؤية والتقنية ، بوصفه نشاطاً حسياً ، بوصفه ممارسة ! فالتواصل ما بين الجمالي واليقين الفكري ( السياسي ) هو مذبح الفنان المبدع ،الملتزم ، في كل زمان ومكان ، إزاء قضية بعينها أو هدف منظور))  .

 

8- الحداثة ورموزها :

 

     تفضي المقدمات السابقة الى حقيقة ان الحداثة ، وليس الفن الحديث أو المعاصر أو الجديد ، لم تظهر إلا باعتبارها جزءاً من التيار الفني العالمي في صياغة الأساليب . أي أنها جاءت لتعبّر عن حتمية التطور . وعن تبادل الخبرة التي يمكن اعتبارها حالة موضوعية . فالحداثة الأوربية ، لم تكن أوربية خالصة . ويمكن تذكر عشرات الأسماء بهذا الصدد : فان كوخ   وتأثره بالفن الياباني .. بيكاسو وتأثره بالفن الزنجي .. ماتيس وتأثره بالفن الإسلامي . بكلمة أخرى ان رواد الحداثة جاءوا للتعبير عن ظاهرة تخص القرن العشرين .

     ولا نهمل هنا دور الاتصال بين الشعوب – كما أشرنا الى ذلك - : على صعيد الصحافة .. الكتب .. والمواصلات التي أنهت أسطورة الانغلاق . مما حتم أن تكون هذه الإبداعات تنتشر وذات تأثير متبادل أو مشترك .

     وعندما نعود الى بدايات الفن المعاصرة في العراق فسنبدأ بجواد سليم .. ومحمد صبري .. وحافظ الدروبي وخالد الجادر وأكرم شكري وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وعطا صبري .. ذلك لأن هذا الجيل الذي تأثر بالأساليب الأوربية ، استطاع أن يبلور ، عبر مصداقيته ، حقيقة الحداثة كروح في الفن على الأقل . فالأساليب ما زالت تجريبية . والفنانون ما زالوا يبحثون عن نتيجة .

     إلا ان الجيل التالي الذي حمل اسم الستينات كان أكثر بحثاً عن الصياغات الجديدة .. وأكثر تعبيراً عن (( الحداثة )) بالمعنى المتعارف عليه .

     ففي أواسط  الستينات ظهر كاظم حيدر في ملحمة (( الشهيد )) للتعبير عن الموروث الغربي بأسلوب معاصر .. فاستلهام استشهاد الحسين بن علي مثلاً كانت تعكس وعياً متقدماً . وسنرى الفنان ينفذ عدة تجارب ، بدت يومها متطرفة ، مثل محاولاته في جمع عدة ساعات عاطلة عن العمل للتعبير عن زمن الخلود ! إلا هذه التجارب كانت تعكس نبض ذلك التاريخ الاجتماعي والفني على حد سواء .

     وهنا يمكن القول ان الحداثة ليست سوى نزعة تجريبية .. ومحاولة لوضع حلول أسلوبية تتناسب – مقارنة – مع التيارات التي حدثت في الشعر والقصة والمسرح .. تجريبية اعتمدت المؤثرات العالمية .. والعودة الى الموروث كما في تجارب ضياء العزاوي في معرضه عن ملحمة جلجامش أو في استلهامه للمعلقات مثلاً – فضلاً عن محاولات الفنان لتصور البيئة بأسلوب مختلف عن الأساليب السابقة .

     هذه التجريبية تذكرنا بالاتجاهات الأساسية للحداثة التي ظهرت في أواخر القرن الماضي وفي مطلع القرن العشرين : أنها تبحث عن صياغات مناسبة لتراكم الخبرة من ناحية .. وللتعبير عن روح العصر من ناحية ثانية .

     هنا نستنتج ان الحداثة ليست حكراً على مجموعة من المبدعين – أو على أمة من الأمم – بل هي ظهرت بدافع ضرورات العصر .. وأنها ذات أفق عالمي بالدرجة الأولى ، على رغم محليتها ، كما في المستقبلية الإيطالية .

     هنا لا بد ان نشير الى تجربة صالح الجميعي ، لا في فن الكرافيك فحسب ، بل في فن الرسم .. كما لا بد ان نشير الى تجربة محمد مهرالدين .. ففي التجربتين ، على اختلافهما ، نزعة تبحث عن روح العصر في العمل الفني . وإذا كان الفنان صالح الجميعي أكثر صلة بالجانب النفسي للتعبير عن اغتراب الإنسان ، فان محمد مهرالدين ، يعبّر عن إشكاليات الإنسان آيديولوجياً .

     ولا بد ان نتذكر تجارب أخرى متفرقة : إبراهيم زاير .. طالب مكي .. عيدان الشيخلي .. صادق ربيع .. سلمان عباس .. عبد الرحيم الوكيل ..

     وهي تجارب توخت ، بعد تجارب الرواد ، التعبير عن المناسب لمرحلة جديدة في الحياة الاجتماعية والثقافية ..

     ولعل تجربة الفنان راكان دبدوب تمثل التجريبية على نحو واضح .. بل ربما انها من أكثر التجارب أهمية في الحداثة .. فقد رسم راكان دبدوب آلاف اللوحات للتعبير عن حقيقة الحياة العراقية ، وبأسلوب ينتمي الى شخصيته .

     نستخلص من هذا ان (( الحداثة )) باعتبارها نزعة عالمية ، إنما هي في الوقت نفسه ، محاولة للتعبير عن الذات . وعلى كل فالحداثة ليست فن (( العبث )) أو التمرد من أجل التمرد . وليست هي رمزية خالصة .. فالأشكال ، والتقنيات ، لم تكن مضادة للأبعاد الجمالية .. بل كانت منذ (( مونيه )) بل ومنذ (( غويا )) وتجارب (( رامبرانت )) وما أنجزه عصر النهضة ، تجربة تبحث عن لغة تمثل عصرها في مجال الابتكار الأصيل . هذا الكلام العام – المطلق – يمكن ان نفسره على نحو آخر .. ان الحداثة أعطت للفن قيمة الحياة ذاتها . فإذا كان مرسيل بروست وجويس في الرواية ، ومالارميه ورامبو وبودلير وإليوت في الشعر .. وتشيخوف وادغار آلان بو في القصة من رواد الحداثة بالمعنى المجدد للأساليب ، فأن تلك الأساليب لم تكن منفصلة عن الحياة . إننا هنا نستنج حقيقة أكيدة : الحداثة لم تكن إلا مرآة لحقائق لا تحصى ومتداخلة تخص الحياة . وهذا الاستنتاج هو الذي جعل (( الدادا )) تظهر وتموت سريعاً .. وهو الذي جعل (( التكعيبية )) تتحول من مرحلة الى ثانية وثالثة .. لكن الفن الذي توخته (( الحداثة )) لم يكن ينجز للعدم ! أنه كان مرآة لحياة يومية صاخبة وعميقة وسريعة ومدمرة وصادقة معاً .

     وفي العراق ، منذ عبد القادر الرسام حتى الآن ، لم تكن الحداثة إلا صيغة للتعبير عن مرحلة جديدة في الفن . صيغة ما زالت تنتظر المزيد من التجارب . وهنا يثار السؤال مرة ثانية : ما هي (( الحداثة )) المطلوبة ؟

     ليس لدينا إجابة أخيرة أو قاطعة .. لأن عملية التطور ما زالت في أوجها .

     إلا ان الأصالة مطلوبة لا كعمق للتجربة الفنية فحسب بل كبُعد رؤيوي لمسار الإبداع برمته . ولهذا فأننا نتذكر التجارب الرائدة في الحداثة العالمية ، على رغم ان بعضها لم يمتد به العمر طويلاً .. إنما سنلاحظ ان هذه التجارب – وحتى الخاطفة كالدادا مثلاً – كانت تترك ظلالها في التجارب اللاحقة . ولهذا السبب لا أحد من النقاد يستطيع ان يقول بأن الانطباعية فقدت تأثيرها في مسار الفن العالمي .. مثلما ان السوريالية ما زالت مدهشة وغريبة ومثيرة للأسئلة . بمعنى أننا عندما نبحث عن الأصالة لا نلغي التجديد وضروراته .. كما لا نلغي الأصالة التي تؤسسها التجارب المضافة ، فالفن حركة متواصلة وصيرورة دائمة ، كما أثبت تاريخ الفن العام منذ عصر الكهوف .. فالحداثة لا تتقاطع مع الأصالة والانتماء .. إنما ، من ناحية ثانية ، لم تولد التجارب الجديدة إلا لضرورات تحققت فيها حريتها الداخلية ، حرية استلهام حقائق الإنسان وجمالياته . وهذا المفهوم لا يتعارض مع فكرة استلهام الموروث أو تمثل تجارب الشعوب .

     إن مستقبل الفن العراقي ، على حد كلمة الفنان إسماعيل فتاح يرتبط بالإنجاز الذي تحقق على مدى نصف قرن . وهذا المقال – الكتيب – ليس إلا جزءاً من حقيقة تأثيرات هذا الإنجاز . حيث كانت الحداثة وما زالت تمثل أرقى نتائج البحث عن المعنى غير التقليدي منذ تأسيس القواعد ، مروراً بالتمرد الفني – الأسلوبي – الذي عاصر ، وعكس ، طبيعة الحياة الاجتماعية ، وقد كانت (( الحداثة )) في بُعدها التجريبي ، الصياغة الممهدة لحاضر التشكيل المعاصر في العراق .

     ولا بد ان نشير الى جيل جديد آخر ، هذا الجيل الذي ظهر في مطلع السبعينات حتى يومنا هذا . جيل لا يمكن عزل محاولته عن الإنجاز عند الرواد أو الجيل التالي .. ليؤشر حقيقة قالها جواد سليم أنقلها بالنص : (( لا بد للفن العراقي – كأي فن في العالم – من طابع إنساني أشمل ووجه وطني أخص يؤهلانه للبقاء والنماء والاستمرار والتطور ))   ذلك لأن الحداثة ، في معناها هنا لا تسير في ركاب الفن الغربي – والنص للفنان شاكر حسن – بمعنى ان الحداثة الوطنية – القومية ليس إلا النظام التقني للتعبير بالفن عن تجدد الحياة . وقد لا نجد في هذا الجيل إلا محاولات متوقعة بسبب المراحل السابقة ، لكن المشكلة برمتها تفصح عن ذاتها : ما هي الحداثة اليوم .. وهل ثمة حداثة حقاً .. كتلك التي كانت قائمة في أعمال جواد سليم .. أو كالتي ظهرت في الستينات في أعمال كاظم حيدر وإسماعيل فتاح ومحمد مهرالدين وعلاء حسين بشير ورافع الناصري وعلي طالب وراكان دبدوب وفائق حسين ومقبل جرجيس مثلاً ..

     ليس السؤال المعقد يمكن هنا بالضبط .. بل هل يمكن اعتبار التجارب التقليدية الجديدة ، للفن العراقي أو للفنون الأوربية ، حداثة ؟ ان النقد الموضوعي يضعنا في مأزق . ولأسباب في مقدمتها ان أنظمة الفن قد اخترعت تقنياتها في هذا المجال . هناك نوايا وهناك حقائق . فالفنان لم يعد مرآة لمجتمعه – حسب كلمة لجواد سليم – بل غدا ظاهرة لأنظمة فنية تخص العمل الفني ذاته . فالأصالة ليست مثلاً ان ترسم ما يراه الجميع .. وليست ، وفي الوقت نفسه ما تراه الذات .. وأعتقد ان أسئلة الشاعر عبد الرحمن طهمازي مثمرة ، على رغم أنه لم يكررها كثيراً : ما الأصالة .. وما الحداثة ؟

     أرى هنا ملاحظة – كما قال رافع الناصري لي – ان الحداثة لدينا في مأزق .. بل أذكر ان أحدهم قال للدكتور علي عباس علوان : (( أنك جيد في كل شيء عدا دفاعك عن الحداثة )) . والأس