|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
25 آذار 2008 |
|
التشكيل العراقي في مائة عام : التجريب / التأسيس / الحداثة - 1
كتابات - عادل كامل
* مدخل إلى الحداثة :
(( هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي ان القرن العشرين جاء بنوع جديد من الفن )) بيد ان محررا كتاب (( الحداثة )) سيستشهدان بمئات المقولات والتعريفات الخاصة بمصطلح الحداثة منذ ( 1890 ) حتى ( 1930 ) . لكن القرن العشرين ، على حد قول هربت ريد ، يجعل الحداثة وليدة هذا العصر . بكلمة أخرى أنها تمتلك مبرراتها . بل يمكن القول أنها تمثل قطيعة عن الماضي .. لكن هذه القطيعة مضللة ، بشكل أو بآخر . لكنها مثيرة وأكيدة على صعيد التقنيات والأشكال المبتكرة التي تبدو بلا معنى أو بلا هدف . بيد ان تذكر المدارس والتجارب الفنية التي ظهرت ، منذ الانطباعية ، حتى منتصف هذا القرن ، لا يمكن إخضاعها لتعريف أخير . إلا ان محررا كتاب (( الحداثة )) يقولان : (( هناك شبه اتفاق على معنى مصطلح (( الحداثة )) ولون الآراء تضاربت حول تفاصيله وطبيعته . لقد أستقر النقد في تحديد بعض جوانب الحداثة . ونحن نقرأ الآن عبارات مثل : الحركة الحديثة ،التراث الحديث ، العصر الحديث ، القرن الحديث ، المزاج الحديث ثم … ((الحداثة التي نذكرها الآن كما نذكر (( عصر النهضة )) أو (( عصر التنوير )) . وما يعاب على هذه التسمية – الحداثة – هو أنها تحدد سلفاً ما يجب ان نتخذه من مواقف ووجهات نظر إزاءها ، ثم أن هذه التسمية تحتوي على الكثير من ظلال المعنى الذي قد لا ننجح في استخدامه بصورة دقيقة )) . على أن مفهوم (( الحداثة )) يتطور بتطور الزمن ، فما كان حديثاً في السنة الماضية لا يكون حديثاً في هذه السنة .. ولقد مر هذا المصطلح بمراحل من التغير والتغيير السريع ، ربما أسرع من (( الرومانسية )) أو (( الكلاسيكية الجديدة )) .. على أننا بالإمكان ، لو عدنا الى بداية هذا القرن ، أن نعتبر تجارب حديثة باعتبارها صاغت الأفكار على نحو جديد تماماً .. وتختلف عن الأسلوب الذي كان سائداً قبل خمسة قرون . أنه ضرب من الثورة (( أو تدمير الأشكال التقليدية لخلق قواعد إبداعية تناسب روح العصر . على أن هذه القواعد سرعان ما ستنسفها تجارب جديدة )) فإذا كانت الانطباعية قد حصلت على الاعتراف الرسمي ، فأن جيل ما بعد الانطباعية قد أحدث ثورة داخل الثورة السابقة . وإذا كانت ( الدادا ) قد قدمت تجاربها الصاخبة ، فان (السوريالية ) ستفرض هيمنة كاملة لأكثر من عقد من الزمن . من ناحية ثانية أننا نتذكر التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية والرمزية والتجريدية .. الخ التي لا يمكن عزلها عن مفهوم الحداثة الأوربية . وسنلاحظ ان مالكم برادبري و جيمس ماكفارلن يعترفان بجلاء (( ان سبب عدّنا الحداثة سمة بارزة من سمات فننا المعاصر يكمن في كونها خير ما يمثل الفوضى الحضارية والفكرية التي تعم حياتنا المعاصرة والتي جاءت بها الحرب العالمية الأولى . لقد تغير عالمنا كثيراً وواكب ظاهرة التغير هذه تفسيرات شتى . هناك تفسيرات ( ماركس ) و ( فرويد ) و ( دارون ) . ونتلفت حولنا لنجد الرأسمالية وكيفية استغلالها الصناعة ، ثم نجد الوجودية ودعوتها الى العبث واللاجدوائية . والحداثة هي بعدئذ أدب التكنولوجيا . أنها الفن المتأتي من عدم الاعتراف بالأمور الواقعية التقليدية ومن تحطم تكامل الشخصية الفردية . أنها الفن الذي ولدته الفوضى اللغوية القائمة على استهجان بعض الظواهر العامة للغة ، أنها الفن الذي حول الواقع الى خيال نسبي . إذن الحداثة هي فن (( التحديث )) فن الابتعاد الصارم عن المجتمع . أنها ، كما يعتقد الفنانون التعبيريون ، فن اللا فن الذي يحطم الأطر التقليدية ويتبنى رغبات الإنسان الفوضوية التي لا يحدها حد . بهذا المعنى ، لا تكون الحداثة عن الحرية ، بل فن الضرورة )) . هكذا نكون إزاء مستويات متباينة لتحديد هذا المصطلح .. إلا أننا في الغالب ، ونحن نقترب من نهاية القرن العشرين ، نعترف بالجهود الجبارة التي تحققت على صعيد الفن والأدب عامة . فالحداثة لم تهبط من الفردوس أو من العدم . أنها مشكلة حضارية ومشكلة جمالية .. مثلما هي مشكلة بحث عن المعنى الأخر : معنى إنسان هذا العصر . فالآثار التي تركتها ، منذ الانطباعية والتكعيبية والتعبيرية والمستقبلية ، مازالت تدرس ، مثلما ندرس آثار عصر النهضة والعصور الأكثر توغلاً في القدم .. بل مازالت الحداثة تثير الأسئلة .. ولم يحصل هذا بفعل المواهب الفردية فحسب ، بل بفعل المناخ الحضاري العام . أنها وليدة الضرورة إذن . لكن علينا أن نتأمل التراث السابق لهذه النزعات المتمردة والمجددة .. أي التراث بكل ما يتضمن من قواعد وتقاليد من ناحية .. وان نعيد النظر بدراسة المواهب الكبرى التي مثلت الحداثة من ناحية ثانية . فالتراث الكلاسيكي لم يكن إلا مظهراً من مظاهر الحضارة ، منذ عصر النهضة ، كما ان المواهب التي ظهرت لم تكن متطرفة بالتجديد إلا عن خبرة واستجابة لحقائق الحضارة . يكفي أن نتذكر ( مونيه ) و ( براك ) و ( بونار ) و (رينوار ) و(ميرو ) و ( دالي ) مثلاً .. فهم أساتذة كبار في فهم التجارب السابقة .. أي ، في الحالتين نحن إزاء تجارب لم تلغ التراث السابقة .. وهنا يمكن تأشير حقيقة أولى : ان التيارات التي ظهرت لم تستمر طويلاً .. لكن روادها واصلوا إبداعاتهم .. أي أننا لا نستطيع إلغاء المواهب بسبب موت الظاهرة . وعلى أية حال لا يمكننا تقديم الصورة الشاملة لها التي ظهرت في أوربا .. في باريس أو لندن أو روما أو زيورخ مثلاً .. إنما لابد من الاعتراف بأن ثورة الفن الحديث ، لها أسبابها وقوانينها .. إلا ان الفانين العرب لم يتعرفوا على هذا الإنجاز ، أو هذا الواقع الفني إلا بفعل دراستهم في تلك المدن التي شهدت تلك الإبداعات بالدرجة الأولى . ومن هنا كانوا أقرب الى الفن الأوربي ، في نزعة الحداثة ، منهم الى تجاربهم القديمة . لكن الواقع سيتغير ، وعلى نحو سريع .
* الحداثة بين المحلي والعالمي :
ربما هناك بيانات غير البيان المستقبلي الذي نشره الكاتب الإيطالي (مارينيتي) في العام 1909.. أي البيان الذي كان يريد به كاتبه الرحلة من العقل الى المجهول .. أي هناك بيانات عدد من التعبيريين الألمان .. وبيانات الدادا .. والبيانات السوريالية .. وغيرها .. إنما هذه البيانات ذات الطابع المحلي أو الوطني ، سعت – بوعي منها أو بلا وعي – لتكون مؤشراً من مؤشرات العصر . فالبيان المستقبلي الأول ، مثلاً ، كان يمثل الروح القومية الإيطالية .. والاحتجاجات التي وردت في البيانات الأخرى لا تختلق كثيراً عن هذا الاتجاه . إلا ان الزمن برهن على عكس ذلك وبدرجات مختلفة نسبياً . على الأقل ، في مجال التقنيات الفنية . فالشاعر (مايكوفسكي ) كتب لثورة تحرر الفيوم من الموت .. و ( ابولونير ) كان لا يريد ان يكون فرنسياً .. وبيكاسو حافظ على مزاجه الأسباني ، أي ان الحداثة ، بهذا المعنى الشامل لها ، كانت محلية المنشأ ، أو الأسباب ، إلا أنها سرعان ما غدت ظاهرة عالمية . ولتحديد هذا المعنى علينا أن نتذكر جذورها الأخرى :مثال على ذلك إنجازات (غويا ) أو ( دوميه ) أو ( دورر ) .. فهؤلاء هم من أكثر الكلاسيكيين فهماً للمعنى الوطني .. إلا أنهم ، من أكثر رواد الحداثة للتعبير عن إشكاليات الإنسان تجاه اغترابه . وعلى كل فأن هذا التداخل ينسحب على المراحل المختلفة للفن . فليس ثمة نزعة عالمية مجردة قبل تكامل شروطها .. إلا ان نزعة الحداثة ، وبفعل عوامل السرعة والحوار والتقنيات الجديدة ، لم تعد نزعة محلية بالمعنى الضيق أو القاتل . فأهم الإنجازات التي تحققت في باريس أو لندن أو روما مثلاً كانت ثمار لقاءات حشد كبير من فناني مختلف الجنسيات .. ومهما كان التعصب الفرنسي مباشراً تجاه الأجانب – حسب كتاب الحداثة – إلا ان عدداً كبيراً من رواد الحداثة هم من غير الفرنسيين . إلا أنهم في الأخير كانوا من المؤسسين لها . ومهما كان الخلاف حاداً بين نزعة الانتماء الى بقعة جغرافية محددة ، أو الانتماء الى العالم كله ، فأن العلاقة بين الوطني والإنساني لم تظهر بهذا الوضوح ، كما ظهرت في مطلع هذا القرن . ليس ذلك بفعل الاتصال فحسب ، بل بفعل المكتشفات العلمية والتبادل الاقتصادي وربما بفعل الاستعمار نفسه . هنا يمكن اعتبار الحداثة ، بعيداً عن التعميم ، ثمة عدة حضارات .. فمثلاً يقول الفنان شاكر حسن (( كان ما يمثل الثقافة العربية في العراق إذن كل ثقافات الأقوام القادمة من شبه الجزيرة العربية طوال آلاف السنين .. مضافاً إليها الثقافات المجاورة من جهة ، وهي على الأغلب آسيوية المشرب ، إسلامية الملامح ، بعد ان تمثلت الفكر الإسلامي )) . ففي الفن التشكيلي ، على تضاد أو اختلاف نسبي عن الشعر أو الرواية ، يستطيع الفنان التعبير عن المعنى بحرية أكبر من الشاعر أو القاص .. فبيكاسو تأثر بالفن الزنجي .. وفان كوخ تأثر بالفن الياباني .. وبول جوجان عاش سنوات ازدهاره الفني خارج فرنسا .. والمر هذا يلقي الضوء على كبار الكتاب أمثال إزرا باوند وجيمس جويس مثلاً . وفي الحالات كلها أشير الى ان الحداثة لم تكن ثمرة لحظة خاطفة من الزمن .. وأنها في الوقت نفسه لم تكن نزعة (( مدمرة )) للفن حتى في مثال (( الدادا )) .. إنما الضرورة التاريخية لعصر جديد حتمت اتخاذ أسلوب أو أساليب جسدت قلق العصر : القلق تجاه حركة الزمن والمستقبل شبه المجهول . وأقول (( تجسد )) لأن الحداثة لم تصبح ( بالية ) أو عفى عليها الزمن .. مثلما أننا ما نزال نندهش لإبداعات عصر الكهوف أو الفن المصري القديم . لكن الحداثة لا تعني ، حسب المصطلح ، الفن الحديث أو المعاصر أو الجديد ..بل دفعنا لفهم أو تفهم أعمق لكثير من الآراء الخاطفة الخاصة بالإبداعات الجديدة .. وهنا لابد ان نثير السؤال التالي : هل يختلف القرن العشرين عن سواه ؟ أجل . يختلف .. فهناك اكتشافات مذهلة تبدو لا علاقة لها بالماضي . هناك : دارون .. ماركس .. مندل .. فرويد .. أينشتاين .. وغيرهم .. فبعد خمسة قرون من عصر النهضة ، ترى أوربا النور .. أي هذه المعارف مجتمعة لبلورة حقائق كلية وجديدة مما حتم – حسب غار ودي – ظهور رد فعل مناسب لها . تارة يمثلها ويدعو لها وتارة يقف ضدها . وفي الحالتين فأن النزعة الوطنية – القومية – سرعان ما فقدت محدوديتها في المعالجة ، لتصبح ظاهرة عالمية . من هنا كانت هذه التجارب تلفت أنظار الجمهور وطلاب الفن . وبالإمكان اليوم الاعتراف ان الحداثة بهذا المعنى كانت متوجهة نحو العالم .. باعتبارها حصيلة ثقافات مختلفة .. وبالتالي فأن أثرها ، وحتى أن جاء في وقت متأخر في عدد من البلدان ، يؤكد أهميتها . فإذا كان (( بول سيزان )) قد اعترف – قبيل وفاته عام 1906- (( هرمت ولم أحقق شيئاً ، ولم يعد لي متسع لأحقق بعد أي شيء . وسأبقى بدائياً في الخط الذي اكتشفته )) فأن الحداثة ، عامة ، كانت تأخذ طريقها نحو النضج والتكامل . وكان سيزان أحد روادها الكبار . وهنا لابد من إشارة حول المصطلح وإشكالياته . فجميع نقادنا استعملوا تعريفات مثل (( المعاصرة )) (( الفن الحديث )) (( الفن الجديد )) (( الرؤية المعاصرة )) (( الفن المعاصر )) الخ كما ان هناك عدداً من الكتب تحمل هذه التسميات ذاتها . لكن الذي لفت نظري ان الدكتور محسن الموسوس كان قد أصدر كتاباً يحمل عنوان (( نزعة الحداثة في القصة العراقية )) بمعنى أنه لم يستعمل مصطلح ((الحداثة )) لأسباب أعتقد أنها موضوعية ، يمكن أن تنطبق على الفن التشكيلي لدينا . فليس لدينا (( حداثة )) بالمعنى الشامل لها لا في القصة ولا في الفن التشكيلي مثلما أستعمل هذا المصطلح في التجارب الأوربية المعروفة في مجالات الرسم أو الشعر أو الرواية . على أننا لا نستطيع إلغاء الجهود الواضحة للفنان العراقي وهو يبلور ملامح ((نزعته)) ((للحداثة)) التي سنلاحظ أنها قد بدأت بالتقليد ثم تدرجت بالنمو والتطور لتبلغ مرحلة متميزة وتأسس له ريادة في جدلية العلاقة بين الموروث والتراث الإنساني العالمي الحديث أو المعاصر أو الجديد . وسيلاحظ المتتبع مدى الإرباك في استعمالات هذه المصطلحات والصفات والإيماءات التي يمكن إيجازها بأنها جميعاً تعني – تقصد – تتوخى – التجديد إزاء أشياء أو قواعد قديمة اجتماعياً وفنياً . وحسب تاريخ الفن العام وحقائق التطور فأن ثمة علاقة للمناخ العام – الاجتماعي السياسي الاقتصادي النفسي الخ – في مغزى التطور وفي ازدهار الرؤى المعاصرة أو في قمعها . فعنوان الدكتور الموسوس (( نزعة .. )) ربما لا يضلل القارئ حول معنى الحداثة ، إنما يقربه منها وهو يعلم ، كما نعلم في التشكيل العراقي ، أننا إزاء تأشير حداثتنا الذاتية – الوطنية ونحن ندرس الظاهرات الحديثة – الجديدة .. فليس لدينا هذا التحديد الدقيق لمصطلح الحداثة .. ومع ذلك فأنني أتفق مع رأي الاستاذ شاكر حسن في (( … ان يقظة الفنان العراقي الحديث ، ومن ثم انبعاثه لم يستغرق أكثر من ثلاثين عاماً ، كمرحلة تمهيدية من ( 1921-1951 ) للفترة اللاحقة )) ويأتي حكمه (( لقد شهدت بغداد إذن عصر حريتها من جديد عند منتصف القرن العشرين ، وأصبح ميسراً للبغدادي أن يزهو بحضارته المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين ، وأن يستمر في صنعها )) موازياً لبلورة الأسلوب المعبرّ عن قضايا تخص الأساليب الممثلة لتطور المجتمع ذاته . فالحداثة في الفن العراقي ، إذن توخت ، مجهود عدد من الموهوبين ، التعبير عن مغزى الأصالة أولاً والتعبير عن معنى الفن ثانياً . بمعنى ان حدود (( التمرد )) – أي الحداثة تجاه واقع فني تقليدي سائد – كانت تتخطى الواقع الاجتماعي والثقافي بحدود لا يمكن ان تقارن بالواقع الأوربي . ومثال ذلك هل كان الفنان أو الشاعر العراقي ان ينشر بياناً في الصحافة يزعم فيه أنه هو رئيس الدولة ودون عقاب ؟ في الوقت الذي كانت فيه التجارب تولد وتزول تاركة ذاك الظلال الرمادي في مجريات حياة عصر الماكنة والحروب الطاحنة . فماذا كان المتتبع سيقول لو صادفته هذه الجملة ، في الخمسينات أو الستينات ، التي تصور دور السورياليين بأنهم (( يظهرون للعيان السريان الداخلي لفعل الرسم ويتتبعون السجل الزلزالي لهزات الدماغ العميقة )) ومع ذلك أقام السورياليين الأوائل محاكمة لأحد أتباعهم بارتكاب (( جرائم ضد أمن العقل )) . بإيجاز نحن بصدد جهود حاولت ألا تكون نسخة من الحداثة الأوربية . ولعل نقاد المستقبل سيلاحظون ، أفضل منا ، ان معنى الحداثة الذي قصدته هنا – متفقاً مع رأي الدكتور الموسوس – هو نزعة لتخطي الواقع السائد .. اجتماعياً من خلال الفن .. دون إهمال الجانب الجمالي والتربوي – التعليمي . وذلك من خلال بحثهم عن أســــاليب أكثر إتقاناً وفناً للتعبير عن واقع الإنسان ، وبفن لا يفقد شرطه الوطني .
* بداية الحركة الفنية الحديثة في العراق :
يقول الفنان نزار سليم (( يعود الفضل في بداية الحركة التشكيلية ، في أوائل القرن ، إلى عدد من الرسامين الهواة ، أشهرهم عبد القادر الرسام الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني وزملاؤه الحاج محمد سليم ، ومحمد صالح زكي ، وعاصم حافظ وغيرهم ممن تعارف على تسميتهم بالأوائل )) إن هذه البداية ، ستكون نواة لحركة فنية لا تقارن إلا بالتجارب الرائدة في مصر ، ففي الأربعينات ، ستشهد الحركة الفنية ظهور أسماء جديدة .. هنا يصف الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا تلك السنوات على النحو التالي : (( لقد كانت الأربعينات فترة الاكتشاف والدهشة والتوقع ، فقد بدأت الأربعينات بهجرة بعض الفنانين البولونيين الى بغداد بسبب الحرب . فتعرف إليهم جواد سليم وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم . وأول ما فعل البولونيين هو أن نبهوا هؤلاء الرسامين الشباب الى قيمة اللون وإمكاناته الهائلة ، إذ كان بعضهم قد درس على بونار بباريس ، وأتخذ (( النقطــة أسلوبــاً له ، وكان ذلك للرسامين البغداديين الشباب كشفاً عن عالم جديد )) لكنه يذكّرنا ، في مقال بعنوان : (( الفن الحديث في العراق )) ببدايات قديمة نسبياً . يقول : (( في مقبرة السليمانية في أوائل هذا القرن كان ضابط يدعى عثمان بك يرسم النساء اللواتي جئن لزيارة موتاهن ، وقد أحاطت بهن خضرة الربيع وزهوره . وقد أثار مشهده وهو يرسم من الفضول والعجب ما جعل ذكره باقياً حتى اليوم وإن لم يبقَ لنا شيء مما رسم )) كما ان الأستاذ شاكر حسن يلفت نظرنا الى الفنان : (( .. نيازي المولوي البغدادي الرسام والخطاط المزخرف الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر ومخلفاته الآن محفوظة في مكتبة المخطوطات في بغداد )) . إن الفنانين الأوائل ، كانوا قد تعرفوا على أساليب أوربية .. ثم جاء الجيل التالي الذي تلقى معارفه الفنية في أهم العواصم الأوربية ليعمق هذا المسار . بهذا الصدد يقول الفنان شاكر حسن : (( أن معنى فن حديث يربط أولاً بالرؤية المعتمدة على مبدأ محاكاة العالم الخارجي في الرسم ، أي الأسلوب الذي ظهر منذ بداية عصر النهضة الأوربية وأستمر بالتطور قرابة خمسمائة عام ثم أخذ بالتحول نحو الأساليب الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر ، ولكنه من ناحية أخرى يرتبط بالرؤية الجديدة في الفن الأوربي )) . على ان شاكر حسن يقول : (( ان معنى (( حداثة )) في الفن العراقي إذن يرتبط بحالتين ، الأولى تقليد الفن الأوربي على العموم ، والثانية محاولة اكتشاف عناصر التجديد والمعاصرة واستلهام التراث الحضاري المحلي والعربي وبالتالي التواصــــل إلى ما يمكن تسميته بالمدرســــة العربيـــة المعاصرة في الفن العراقي ))(18) . وبكلمة أخرى فأن الفن لم يكن بمعزل عن الواقع الاجتماعي نفسه ، على رغم الصدمة التي أحدثتها المعارض المبكرة في بغداد . يقول الفنان نوري الراوي : (( .. وظلت عجلة الفن تدرج على الأرض العراقية البكر ، فبرزت أسماء جديدة فتحت للفن العراقي آفاقاً لم يكن بعرفها أهلوه . ورأى الناس – لأول مرة – ان حياتهم تدخل الى قاعات المعارض وأخذهم العجب مما وجدوه من صور الوجوه التي يعرفونها ، والحياة اليومية لحياة البسطاء منهم ، وراقهم ان يجدوا في هذه الصلة الجديدة أثر الحب الذي يحفظه هؤلاء الفنانون الشباب لأصغر وحدات المجتمع المنسية المهملة )) ثم يتابع : (( كانت أول هزة أيقظت فيهم روح التجديد ، وأوصلتهم بتيارات المدارس الحديثة )) . لكن هذه الهزة سرعان ما تحولت الى علاقة حية دفعت بالفنان الى تخطي المشكلات التي واجهها لا بفعل خزينه التراثي فحسب ، بل بفعل الخبرة التي حصل عليها من جراء دراسته في أوربا ومحاولته الجادة لبلورة شخصيته وملامحها بفعل عوامل مشتركة سبق الإشارة إليها . لكن الناقد محمد الجزائري يلقي الضوء على معنى البداية والتطور في هذا المجال بقوله : (( ففي البدايات الأولى كانت (( الذات )) – على مستوى الإنتاج والتعامل – معدومة ، إذ كان الفن التشكيلي هواية ، وكان هم الفنان الذوبان في الطبيعة ومحاكاتها ، إذ لم يمتلك الفنانون العراقيون الرواد أبعاداً رؤيوية ، بل كان الفن تسجيلياً يكتفي بتلوين حدود المنظور الفوتوغرافي ، فالتقنية لم تدخل عالم التجديد أو تخطي حدود المنظور الطبيعي كما تقدم الطبيعة في الخط واللون والتناظر والظل والضوء .. ويتجسد ذلك في أعمال عبد القادر الرسام ومحمد سليم وصالح زكي وعاصم حافظ .. )) لكن الأستاذ محمد الجزائري لم يقصد بالرواد ما ذهب أو اصطلح عليه أغلب نقادنا .. لأنه سيقول : (( وحين التحق الخط الثاني – من الرواد – ( عطا صبري وأكرم شكري وفائق حسن وجواد سليم ) بحركة الفنون التشكيلية ، كان همهم البحث عن هوية تميز أعمالهم .. )) .
وقد شخَّص هذا التطور على النحو التالي :
[ أولاً : مرحلة البحث عن الذات ( 1920- 1930) . ثانياً : مرحلة البحث عن الهوية ( 1930-1940) . ثالثاً : مرحلة البحث عن اليقين وحركة التجديد ( 1940- 1950) . رابعاً: مرحلة التواصل مع القضية ( 1950 – 1976 ) ] (23) .
إن هذا التقسيم ، غير مضلل ، إنما يوسع من دائرة النقاش ، مستقبلاً .
4- الحداثة .. التأسيس :
كانت التجارب الأولى لجيل عبد القادر الرسام تقليدية . لكنها شكلت قاعدة واضحة للتطور في المفاهيم الجديد .. بل يمكن القول ان تلك التجارب التي تأثرت بالفنون العالمية قد مهدت الأسباب للتعرف على الإنجازات الأكثر تقدماً . فأرسلت الدولة ، منذ العقد الثالث والعقود التالية مجموعة من الطلاب لدراسة الفن التشكيلي . وبعودة هؤلاء شهدت الحركة الفنية تغيراً واضحاً في الاتجاهات والأساليب . وبتأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1936 وقسم الرسم عام 1939 ، ترسخت أولى التقاليد أولى التقاليد المنهجية .. أي العمل وفق القواعد المدرسية . وبالفعل ، بعد سنوات ، ظهرت النتائج ، وبفعل موهبة جواد سليم ومهارة فائق حسن ، كما أشار الى ذلك الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا في حينه ، وبوجود جيل الرواد عامة ، تجذرت تلك المهارات بنتائج متقدمة .. وعملياً فأن تأثير الأساليب الشائعة كان واضحاً ومباشراً .. وهو تأثير دفع بهؤلاء الرواد الى المعالجات الفنية الجديدة .. فقد كان لتأثير الحداثة – العالمية – سبباً مباشراً بظهور تجارب رائدة .. بهذا المعنى عالج الفنان العراقي تلك الأساليب التي درسها أو تأثر بها في سنوات تكوينه الأولى . فنراه يعود الى الانطباعية ، كما في لوحات حافظ الدروبي وسعد الطائي وآزاد شوقي وحياة جميل حافظ .. ونراه يجرب المناخ السوريالي كما في لوحات د. علاء حسين بشير ومحمد راضي مثلاً .. أي ان الفنان كان يدرك أهمية المعاصرة وضرورة التوصل الى نتائج توازي المتغيرات في الواقع الاجتماعي والثقافي .. فقد كانت الحداثة في الشعر والقصة والمسرح ذات أثر كبير في الواقع اليومي . ولعل أثر معهد الفنون الجميلة ( والتجمهات الفنية ) لا ينسى في هذا المجال .. ذلك لأنه كان الرائد الحقيقي لهذه القواعد والأسس الجادة لخلق التجارب ذات الطابع الحديث . كذلك فأن الدور الريادي لعدد من المواهب قد جعل للحداثة قيمة أساسية لمعنى الفن . وربما لهذا السبب لا نستطيع الفصل بين الحداثة والتأسيس .. ففي الحالتين كان الفنان يغامر من أجل النتائج الجديدة . فهو مشغول بالقواعد ووضع الأسس من ناحية ، وهو يبحث عن النتائج المتقدمة فنياً من ناحية ثانية . بمعنى ان مهمة جيل الرواد كانت مزدوجة .. فالهوية الوطن |