|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
24 آذار 2008 |
|
من رأى منكم صورة جواد الحطاب فليحفظها
كتابات - علي السوداني
كمن يجلس قدّام جثة طازجة في بيت مهجور ، أراني الليلة . أستل من بطن البريد الألكتروني نسخة باردة من ديوان شعر أنجزه جواد الحطاب . الشعر طلع من مطبعة دار الساقي بلندن الباردة - أيضا - وشال عنوان " أكليل موسيقى على جثة بيانو " متوالية مهيبة من موت بهي يتهاطل ويسيح ويسحل خلفه زفة علامات هنّ ابناء المحو والفناء وبناته : بلاد ما بين النهرين . غطاء الكتاب الاسود . اصابع البيانو السود . صفرة وجه الشاعر كما استعدتها . العنونة . متكئات وأسانيد وواقعات ووديان تشبه وادي العاقول الذي انغدر فيه جسد ابي الطيب المتنبي . قاموس لمناحة مذهلة . موت يجرّ موتاً حتى قطع النفس على عتبة مدفن الشاعر والآخر معاً . يذهب النص كله حثيثاً الى أعلى درجات المفارقة التي ربما بدت طرفة أو ضحكة ، لكن فوق قبر ابداً . في مسبحة المسميات ، يلظم الشاعر قلادة ، خرزها مشتقة من لون وحيد : المتوكل على الله . المنتصر بالله . المستعين بالله . المعتضد بالله . المكتفي بالله . على رنّة رقمها ثلاث وعشرون ، يشق الحطّاب زيقه ، ويلطم رأسه ، وينحت وجهه بطين السؤال : يا اااااااه أربُّ هذا أم شمّاعة أخطاء ؟ّّ! حفلة تأبين لوطن . تلك هي حكاية الديوان كله وكلّها . قراءة لا تستدعي تلغيزات بمواجهة موت فخم يغني ويضحك ويرقص ويعزف ملحونات مدوزنة على سلّم الوجع . مراث فقدت طعمها وصارت باهتة . قرأت مرة عن موت بطعم الفراولة وميتات بطعوم الكرز والشوكولاته ، لكن الموت هنا ، وحيداً ، يتيماً لا شبيه له . شوفوا هذه اللقطة رجاءً : طفل غض يبحث عن أبيه . الوالد كان استضافه الغزاة في سجن أبي غريب الرهيب . الفضيحة كانت نشرت معلنة وبألألوان . جنديات أمريكيات وجنود يلتقطون صورة تذكارية مع أسرى عراقيين ، عراة تماماَ الّا من مؤخراتهم . مرأى رآه العالم على الشاشات وصدور الجرائد والهواتف المحمولة وشبكات العنكبوت الألكترونية والفضائيات وألأرضيات . الصورة مشهورة لكن عينا الطفل ما زالتا على حيرة . ثمة قهقهات تسوّر المنظر . الولد كان كسلان . قيل أنه رسب في درس الرسم والتلوين . لم يتعرف الى أبيه . كاد يبكي ، لكن جندية أمريكية طيبة شعرها من ذهب وعيناها بعض بحر ، ضمت الولد المهزوم الى بطنها وقالت : لا تحزن يا فتى ، أن أباك هو خامس مؤخرة الى اليسار !! مقروءاتي لم تر حزناً أخاذاً كهذا . منطقة نموذجية للقتل : الجسد بوصفه عاراً . استعراض الجنائز يتواصل . حشود حروف ينزفها الشاعر من حلقه . مزرعة سكاكين وكل قصيدة طعنة . سباق مأخوذ من نظام بريد الأغريق وماراثون متصل . راكض يسلّم عصا لراكضة فلا منجاة ولا معتصم . أراني ليس على نهج قراءة بريئة ، والحيف سحلني الى رسم تنويع على نص موجع . ان لم تصدقوا ، خذوا هذه الشتيمة المالحة من الديوان : " لتصبح أمك مترجمة ، وأبوك سجيناً عند الأمريكان " يشقى من يقرأ يا جواد يا صاحبي . عري بمواجهة أغان وتراتيل . وليمة سبخ وكنت قلت لي مرة : ألله كريم . أنا زعلان جداً . بلادي ما زالت محتلة ، وتلك القصائد أجهزت على قلبي .
|