|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
24 آذار 2008 |
|
المثقف والسياسي..جدلية التقاطع والالتقاء
كتابات - صلاح بصيص
غيرت الأحداث الأخيرة التي تعاقبت على العراق تغيرا ثقافيا وسياسيا ذا رؤى بعيدة تهدف في ختامها الى احتلال مساحات ثقافية وسياسية لكلا المتنافسين - المثقف والسياسي - فالثقافة كونها الرافد الرئيس للأفكار والمنبع لدمج تلك الأفكار في ذهن الشارع للارتقاء به إلى ثقافة يعكس من خلالها كل ما يحيط به من عقائد وقوانين كونية او تشريعية او تنفيذية تتعلق ليس بالثقافة وحدها بل تتعداها الى ابعد من ذلك لتصل الى السياسة والاجتماع والاقتصاد بل والى أدق من ذلك فهي تحفز القدرة العقلية والمعرفية على استيعاب اراء المختلفين واختيار ما يصلح ان يكون مناسبا للرؤية والإتباع وكذلك العلم بصلاحية المتبع من تلك الثقافات فيما إذا كان صالحا للزمن الحالي الذي يعيش، فهناك أفكار تؤتى لزمن ما تناسبه في فترة معينة ولا تناسبه في أخرى...من هنا ومن خلال خلق خصوصية لنوع الثقافة قياسا بالأنواع الأخرى التي تندرج تحت هذا المسمى-الثقافة- وبينها وبين بقية العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد والاجتماع صار حريا على المنافس ان يحصن نفسه ويدعم ما يتبعه من أفكار وأفضل حصانة هي ان لا يختص بثقافة واحدة وعلم واحد، حتى يتمكن من الحفاظ على معتقده، والاختصاص هنا لا يعني البحث الغائر في غياهب الأفكار وتفنيد كل ما من شأنه ان يقف بوجهه من باب المصادرة الفكرية لكل ما يحمل غيره- وهو ما يدرج عليه الكثير من الباحثين اليوم اذا ما أرادوا ان يفندوا رأي ما او يثبتوا أخر- فقد يختلف مع البعض ويتوافق مع البعض الآخر دون الإشارة الى حجم المتوافق او المتخالف، فالكل يخضع للنظر ولا يزكى أي مثقف يعصمه البعض لما له من حجم لا يتوفر بغيره ، ولا يستهان كذلك بالنقيض فيما اذا كان لا يملك الحجم الذي يملكه الأول...فالمشاهدة لما هو مطروح لا لمن طرحه وتأثيره وملء مناطق الفراغ في الثقافة العراقية بشكل خاص والعربية بشكل عام، مع الأخذ بالاعتبار ان المثقف العراقي عربي بالضرورة لان الثقافة تشترك (إلزاما) بين كل الشعوب التي تحمل لغة مشتركة وقد تتعدى ذلك في حال ترجمة هذه الأعمال، فالشاعر العراقي قد يحصد جائزة عربية بمهرجان عربي على ارض عربية وبين جماهيرها... فالمشتركات اقل من المفترقات لأنها مرتبطة بلغة واحدة، وآليات واحدة، فآليات كتابة القصة –مثلا- لا تختلف كثيرا بين بلد وأخر، وكذلك الشعر، والقراءات، والرسم، والتأليف(في بعض الأحيان)، والثقافة بالعراق لم تتأثر بقدر تأثر السياسة، فلم يكن(س) من الشعراء شاعر المرحلة الذي انتهى بانتهاء المرحلة(بخلاف السياسي)، بل هناك شاعر وجه قلمه وقرطاسه وإحساسه الى السلطة، وهو في النهاية شاعر متمكن من أدواته وبقي شاعرا حتى بعد انتهاء المرحلة وحتى بعد جفاء بعض الناس له لأنه ناغم الدكتاتور وأباح له امتلاك قريحته وإحساسه، فالكم الهائل من الشعراء والقصاصين الذين ناغموا السلطة المقبورة لديهم الان مساحة وحجم لا يستهان بهما، ولا يمكن ان يقول عنهم احد بأنهم ليسوا شعراء او غيره بالنسبة لما يتعلق بالأدب ، بخلاف السياسي الذي أدمن سياسة السلطة بعد ان كان جزءا منها ومن أعمدتها فقد أوغلت فيه الكراهية والبغضاء وعدم الثقة بالآخرين، ومصادرة الرأي المخالف وقمعه بلغة الدم التي اعتادها فليس من السهل عليه تغييره او العزوف عنه اذا ما توفر له مرة أخرى مساحة مرضية قياسا بالتي كانت متوفرة في المرحلة السابقة... والفجوة بين السياسي والمثقف هو ان المتصدي للسياسة ليس مثقفا والمثقف ليس سياسيا، ليس معنى هذا ان المثقفين على الإطلاق ليسوا سياسيين، وليس كل الساسة غير مثقفين، ولكن من تصدى للسياسة فقط هو سياسي محظ وليس مثقفا وحتى صفة السياسية قد نضع تحتها أكثر من خط اذا ما قورنت مع غيرهم من السياسيين المثقفين، فضلا عن خوف السياسي من سلطة المثقف واطلاق العنان لقلمه ليكتب بحرية، قد لا تنسجم في اكثر الاحيان مع ما يتمنى السياسي... فما يعكس من منجز نتيجة الجهد الذي يبذله السياسي والمثقف من أجل ملء المساحات الفارغة هو استحقاق يجنيه المتنافسان نتيجة ما قدمه كل منهما بمنأى عن غريمه وعدم تتبع احدهم للآخر، ما احدث الفجوة الطبيعية(والطبيعة نزولا لحقيقة موقف التباعد القائم بينهم) وهذا التباعد بدوره ولد قليلا من الهوس لتحقيق الجديد الذي يقرب بينهما في مضمار يوحد رؤاهم وأهدافهم -كل حسب اختصاصه- في العراق خصوصا -على الأقل- فهم يمتلكون منفردين مساحة مستقلة قد تكبر اكثر وتقترب اذا ما أدخلت أفكارهم في حقول التجربة المستمرة والمزدوجة بين السياسي والمثقف لحين الوصول الى طريق واحدة يصهر الاثنين في بوتقة واحدة. فالغربة الحاصلة نتيجة عدم تثقيف السياسي وبالعكس، هي مما يعانيه الواقع العراقي اليوم من تباعد يصل في احيان كثيرة الى التباين، فالعلاقة وان كان يشوبها الكثير من النفور الا انها بحاجة الى الالتقاء ومديات واسعة يوفرها السياسي للمثقف ليعزف الأخير بحرية على أي وتر يشاء، بحدود يطلقها الأول تنتهي ان يقف عندها المثقف ولا يتعداها... ولم يكن عدم الانسجام بين السلطة والمثقف وليد الساعة بل هو منذ زمن بعيد بفضل ما تعرض له العراق من تقلبات سياسية افرزت تيار مخاصم (دائما) للسلطة وهو تيار المثقفين الذين ما انفكوا يقفون ندا لها حتى بصمتهم الذي كانت تخشاه السلطات التسلطية الديكتاتورية التي تعاقبت على العراق وقدمت نماذج إبان حكم الدكتاتورية الأخيرة من مثقفين قارعوا النظام بالشعر او الكتابة او التلميح المستمر وطالما لعب المثقف دور الضحية، ومن هنا نشأت القطيعة بين الغريمين السياسة بما تملك من سلطة، والمثقف بما يملك من مقارعة لأي سلطة يراها لا تتناغم مع الشارع. ربما سيكون حريا بالمثقف اليوم ان يفرض المساحة التي تناسبه بعيدا عن هوس السياسيين وحرصهم على مقارعته وتحجيمه فالدولة الديمقراطية دولة الجميع ومساحة المثقف من المجتمع اليوم اكبر من مساحة السياسي فيه، بعدما واجه أكثر الساسة فشل ولد سخط ونفور الشارع ، بخلاف المثقف الذي ظل حريصا على ان يواجه السلطة في حال أحس بضعفها- بالتأكيد ليس كل المثقفين - والمثال العراقي دليلا لا يحتاج الى كثيرا من التعريف في قبول المثقف ورفض السياسي...
|