الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

24  آذار  2008

ابحث في كتابات

 

دخان أبيض كثيف

 

كتابات - رياض الأسدي

 

السيارة التي أقلتهما إلى الأحياء الهامشية في المدينة من نوع كرونا 1980 كانت تطلق خلفها دخانا أبيض كثيفا ومتواصلا مثل غيمة أرضية صغيرة، في كلّ  ضغطة للسائق على الدواسة، كما أنها تحدث طقطقة متصاعدة تذكر بفتح أبواب قديمة كلما اجتازت حاجزا كونكريتيا. من الصعب رؤية السيارات التي تلحق بسيارتهما وسط غياب مستمر من الدخان المتواصل. لم يهتما لهذه الظاهرة فقد كانا يركزان نظرهما إلى الأمام دائما.

الآن، لم يعد ثمة حواجز كونكريتية ضخمة فقد اختفت (الحكومة) حينما انعطفت السيارة نحو مناطق أكثر توحشا ورهبة. كان لا بدّ من ركوب هذه السيارة القديمة لعدم جلب الانتباه ومن اجل ضمان أكثر لنجاح المهمة التي نذرا نفسيهما لأجلها. لكن عطل تلك السيارة وسط عاصمة مخيفة كانت الفكرة التي سيطرت على الرجل والمرأة القابعين في الحوض الخلفي دائما. جلسا ملتصقين تقريبا وشبه مرعوبين من هول الدمار الكثيف الذي لحق بالمدينة طوال السنوات المنصرمة، في حين جلس المترجم الشاب بالقرب من السائق وهو يضع لبانا جديدا في فمه، وكأن ما يحدث في الخارج لا يعنيه كثيرا؛ فقد تعلم هذه (العادة) الجديدة من رقيب أميركي أسود اقلع عن التدخين مؤخرا. قال المترجم:

- من الصعب الإقلاع عن التدخين في هذا البلد، لكني سأجرب على أية حال.

فأجاب احد الرجل القابع في الخلف: يمكنك أن تدخن لو شئت فقد شبعنا دخانا.

- التدخين عادة سيئة، ولكن ليست هنا.. 

كلاهما شعرا بنوع مفاجئ من الخوف الحقيقي بعد أن انحرفت السيارة إلى أماكن أكثر تدميرا وخرابا، وتذكرا لأول مرة وطنهما البعيد، السويد، في تلك اللحظات الخاصة من الغوص المتواصل في الأحياء القذرة. كانت كلمة (rubbish)(*) لا تفارق شفتيهما مذ أن انحرفت السيارة وغابت السيطرات الحكومية، فبدت الأشياء أكثر حدّة كلما توغلت السيارة في عمق الأحياء الفقيرة التي تفوح منها رائحة موت دائم. أغلقت المرأة زجاج السيارة بقوة بعد أن هبت موجات من الروائح العفنة آتية من طفح المجاري وأكداس الزبال المنتشرة التي علت البيوت الواطئة، وكاد احد الجالسين في الحوض الخلفي أن يتقيأ لولا أنه حافظ على رباطة جأشه بعد أن تذكر طبيعة المهمة الشاقة التي نذر نفسه وزميله الجالس إلى جانبه. من الصعب التأكد من يكون بسبب هول الأماكن المحطمة.

وكان المترجم يتكلم بكلمات سريعة أحيانا ليظهر مهارته في اللغة الإنكليزية: نحن الآن أيها السادة في عمق الكارثة! هل ترون ذلك جيدا؟ هذه المدينة كانت قبلة العالم قبل ستة آلاف عام، تعرفون ذلك بلا شك، بابيلون؛ هذه هي بابيلون الجديدة: بغداد! تمتعوا بالمناظر البائسة- أقصد تأملوا جيدا! وضحك بصوت مسموع في حين لاذ كلا الرجلين الجالسين في المقعد الخلفي بصمت مطبق.

وكان السائق يتكلم بعربية سريعة ويشير إلى اماكن محددة على المترجم مما بعث في نفسيهما نوعا أخر من المجهول القابع وراء الحطام الماثل أمامهما. وتذكرا تلك الصور التلفزيونية التي وردت عن صحفيين مقطوعي الرؤوس أو أولئك الذين احتجزوا لمدد طويلة وسط أحراش غامضة أو في سراديب تحت الأرض ثم غابت أخبارهم إلى الأبد. لكنهما رغم ذلك لم يندما على روح المغامرة التي قادتهما إلى هذا المكان النائي. كانا يلتقطان الصور طوال الطريق وتصور المرأة الأماكن بكاميرا فيديو صغيرة بعد أن وضعت عليها خرقة سوداء في حالة تشي بان ثمة مغادرة ما ستحدث لهما.. وقال المترجم:

- كل شيء على ما يرام؟

  أجابا: كلّ شيء!

- ماذا ستكتبان إلى العالم؟

- القيامة!

- لا أفهم هذه الكلمة.

قالت المرأة بصوت شبه مختنق: هذا أفضل لك!

انعطفت السيارة قليلا إلى طريق فرعي ضيق خال من التبليط، وتوقفت على حين غرة بالقرب من رجل ضخم الجثة بدا متوثبا جدا وهو يرمق السيارة بعيني نسر. كان يرتدي دشداشة سوداء ويضع على رأسه طاقية باللون نفسه وبدت جديدة في حين كان الإزار الأخضر يوشح رقبته الغليظة، وقال بصوت أجش: السلام عليكم! فردّ المترجم والسائق: وعليكم السلام مهدي. ألقى الرجل جسده الضخم على المترجم الذي تنحى جانبا حتى بدا مثل عصفور مبلل وهو يفسح مزيدا من المكان على مقعد واحد. وقال بانكليزية شبه مختنقة:

- أقدم لكما مهدي دليلنا إلى الهدف.

فأردف الأخر:

- هللووو مستر هاو ارريووو!

فأجابا: هاللو!

- هذا كل ما أعرفه عنكم!

أجابا بصوت واحد: شششكرا!

- ها؟! يعرفون شكرا! تطورنا!!

لم يكن الهدف قريبا على أية حال بعد. وشعرا بضيق شديد لذلك، وتحدثا همسا بالسويدية لبعضهما، مما حدا بالمترجم أن يلتفت إليهما غير مرة بصعوبة بالغة لكي يطمئنهما من جديد بان كل شيء على ما يرام. ثم عادت السيارة تشق طرقا موحشة فرعية أخر أكثر ضيقا وغرابة من أحياء أميركا اللاتينية وهي تتكون من بيوت صفيح صدئ لعلب سمن بنية أذابت الأمطار علاماتها التجارية قبالة أكداس من الزبال المتفرقة.

قال المترجم بصوت شبه مختنق: أيها السادة هنا يعمل عشرات الآلاف من الأطفال لكسب قوتهم كما ترون؛ هم يجمعون أكياس النايلون أو العلب الفارغة من المياه الغازية وحتى بقايا الطعام؛ لن اكذب عليكم أن معظم ما يأكلونه هو من هنا، ثمة مناطق كثيرة مثل هذه في العاصمة وحتى في المحافظات ألا نعيش مأساة حقيقية؟ 

وبدت الأشياء كأنها نهاية العالم في بعض الأماكن الشديدة القذارة. قال مهدي للمترجم: قل للسيدين الأجنبيين: هل يعرفان النبي محمد؟ لكن المترجم لم يفه بكلمة واحدة. فأردف الرجل بلهجة آمرة: قل لهما هل يدركان أنه أخر الأنبياء؟ يمكنهما أن يستفيدا خلال هذه الرحلة في اكتشاف ما هو مفيد لحياتهما. وقل لهما ما نهاية الزمان بالنسبة لهما؟ هل يعرفان؟ ليتني كنت أعرف الانكليزية لقلت لهما: اعتنقا الإسلام قبل فوات الأوان! لكنكم انتم معاشر المترجمين ملاحدة مثلهم وألسنتكم معوجة دائما.

قال المترجم بإنكليزية سريعة:

- هنا! وردد الضخم خلفه:

- قف قف هنا هنا!

وبدأ السويديان حملة من التقاط الصور والتصوير بالكاميرا من جديد، وكأنهما أمام سبق صحفي كبير: كانت طفلة صغيرة لم تتجاوز السابعة من عمرها أسمها (زهراء) كما أوضح المترجم وهي تقف قريبة من السيارة تمسك يدها امرأة عجوز. يبدو أن لا صلة لها بالطفلة لأنها ما أن أمسكت بالورقات الخمس الخضر التي وضعها بيدها مهدي حتى غابت وسط تلال من الزبال قريبة مثل شبح أسود. صعدت زهراء إلى الحوض الخلفي من السيارة بصعوبة, وعمل المترجم على تأكيد قفل الباب ثم بصق على الأرض ليلقي باللبان القديم واضعا أخر بدلا عنه. مسّد احد السويديين – ربما تكون المرأة فقد كان من الصعوبة معرفة ذلك بسبب الغبار الكثيف- على رأس زهراء بحنو بالغ دون أن تتفوه بكلمة واحدة، في حين واصلت السيارة الاستدارة وسط تلال النفايات وغيوم بيض كبيرة أخر. 

ـــــــــــــــ

(*) نفايات وأنقاض.