|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
23 آذار 2008 |
|
المسار المستقبلي والنخبة الثقافية
كتابات - عبد الكريم كاظم
المراهنة على النخبة الثقافية .. لعلّ فكرتنا عن النخبة الثقافية واتجاه نظرتنا لها تشكل جانباً لا بد من مقاربته من أجل وضوحٍ أكثر يجوهر موضوعنا هذا، فقد كانت النخبة تعني لنا فيما تعنيه الحفاظ على الإرث الثقافي الحقيقي ومساره المستقبلي من الضياع وقد أقول إن النخبة في هذا السبيل تدخل في صلب نظرتنا الثقافية المتحررة من الاشتراطات الإيديولوجية المستهلكة والأهم في نظرتنا، عن النخبة، هو أنها تقضي بأن نحوّر تطلعاتنا المعرفية تجاه أي نظام سياسي أو قمعي عندما يبدو أن هذا النظام يتعارض مع الثقافة في علاقاتها الفكرية المتشعبة والمختلفة مع هذا النظام أو ذاك، لذلك لم تنحصر التعديلات التي طرأت على بنية النخبة الثقافية العاملة في التغييرات ذات الطابع الكمي فقط بل ارتدت في بعض جوانبها طابعاً نوعياً محدوداً وإذا كان من الصعب في هذا المجال بل ومن الخطأ الجسيم أيضاً التعميم والتسرع في استخلاص الإستنتاجات النقدية في ظل الواقع الثقافي المتحرك الشديد التعقيد، إلا أنه يمكن ملاحظة بعض التحولات الحاصلة، غير الثابتة ولا المكتملة، المتباينة في مدلولاتها الفكرية ـ المعرفية، ففي ظل الانحسار الثقافي النسبي للكتابة النقدية والمعرفية بشكل خاص والفنون الأخرى عموماً وفي ظل التشتت المؤسساتي الثقافي وبسبب آلية الفرز الحزبي والديموغرافي والمناطقي على أساس طائفي أو قومي نتيجة الغزو وردود الفعل عليه المتقاطعة وفي ظل انتشار ظاهرة التثاقف بأشكالها المتنوعة وتضخم جيش الراغبين في الكتابة إنقادت فئات من النخبة الثقافية إلى مواقف تتنافى ومواقعها الإبداعية المعروفة وقد ساعد في ذلك استيعاب ميليشيات الصحف الرسمية لإعداد غير قليلة من العاطلين عن التفكر وحصل نتيجة ذلك تشوه في وعي هؤلاء ـ القاصر ـ لمصالحهم الفردية إلا أنه يلاحظ في مقابل هذه الظاهرة تطور خطير يشير إلى تنامي عملية انفصال الفكر والعقل، سياسياً وإيديولوجيا، وانخراطهما بصورة متزايدة في الكتابة الإنشائية والمقامرة بمصير الثقافة . هذه النخب التي أخذت ترى بمزيد من الوضوح مخاطر الانجرار وراء المشاريع الثقافية الرديفة للطائفية والمليئة بالأوهام والكراهية والإقصاء الذي يترافق مع نماذج متخلفة من التسلط الفئوي في كل ميادين الثقافة بحيث تبرز هذه الظاهرة في ملامحها الأولى في ظل انهيار عام لسبل الحياة ومستوى التحضر في البلاد التي يسحقها الغزو مثلما تسحقها الأزمة الاقتصادية السياسية الاجتماعية والثقافية الشاملة التي تعمقها، في الوقت نفسه، الحروب اليومية القاتلة . أن النخب الثقافية إذ تدرك أن الثقافة لم تكن يوماً صراعاً سياسياً بل حواراً فكرياً معرفياً لا لبس فيه ولا التباس وإذ يدرك البعض أن الانهيار الحاصل بالبلاد سيلغي الدور الحقيقي لهذه النخب التي لجأ البعض منها إلى الصمت أو آثر البقاء في عزلته القاتلة وعندما أدى ذلك إلى صعود (الأنا النرجسي) بدأت تدابير وتطلعات، الأنا نفسه، تتجلى كأنها محنة داخل محنة وبهذا أعلنت تلك النخب التخلي عن دور المركز والنموذج ومع هذا قلنا: حسناً ربما بدأت مرحلة إعادة النظر بالجسم الثقافي العليل ولا بد أن تدخل النخب هنا في مرحلة إعادة النظر سواء في طبيعة علاقاتها بالثقافة كفعل معرفي وسلوك متحضر وإعادة النظر في تكوينها الفكري المعرفي بحيث تجذّر وتجدد علاقاتها ـ معرفياً ـ بمجتمعاتها وتاريخها وتراثها ومستقبلها . حسناً، قلنا، سوف ينطلق النقاش والحوار والنقد الصريح وسوف يُتاح للمكبوت أن يظهر ويتاح لهذا الكاتب وغيره أن يقول رأيه النقدي، بمنتهى المعرفة والحرية، في الظاهرات السلبية داخل الثقافة والمجتمع وفي الممارسات السياسية السلبية في بلادنا وسوف يُقال ما لم يُتح قوله سابقاً وما لم يسمح هذا النظام أو رديفه للمثقف أن يقوله علناً طوال عشرات السنين، وبالفعل بدأت تتكسر الكثير من القيود وبدأت تظهر في الصحافة العراقية مقالات ودراسات هي علامات مضيئة على طريق إنتاج فكر حضاري وأخذت تبرز ـ على النطاق العراقي ـ الأهمية الاستثنائية لعديد من الكتابات النقدية المغايرة والمنحرفة عن مسطرة المقدس والأحزاب الدينية ولكن المفاهيم البدائية بالمقابل أو الأحزاب المغلقة تريد صياغة التخلف، من جديد، واستعادته في سياق العملية الضرورية نفسها لإنتاج فكر التقديس والاحتفاء الاحتفالي بما يقوله هذا المؤسس الجديد أو يطرحه هذا الحزبي المنغلق ذهنياً مروراً بالغيبيات، وصولاً إلى التقليد الأعمى، إذن .. بانهيار مؤسسات الدولة ـ لا أعني النظام ـ لم يعد ثمة وجود لما كان يُعتبر نموذجاً للمجتمع الثقافي ولم يعد ثمة ما كان يُعتبر طوال العقود المنصرمة نموذجاً للثقافة وهكذا تقف مشاريع النخب الثقافية في العراق تفتش قلقة عن آفاق جديدة كما ورد في نتاج ومقالات وبحوث العديد من الأقلام المهمة ولا نريد أن نتطرق للأسماء لا خوفاً من ردود الأفعال بل تجنباً لسوء الظن المتفشي هذه الأيام في حياتنا الثقافية والعامة وهي أسماء معروفة بنزاهتها وفكرها وكتاباتها الرصينة المندرجة في الإطار الواسع لما اصطلح على تسميته "الفكر الحر أو المعرفي" فهل يحق لهذه النخب الآن، بعد أن وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام الخراب، أن تقول كلمتها المجردة وتركز على قراءة الواقع العراقي بمنظور معرفي رصين لكي تكشف الأسباب الحقيقية، لما لحق بالثقافة، وتفتح ثغرة جديدة في جدار المستقبل الذي قد يستجيب لحركة الواقع المؤمل بأكثر مما كان عليه في الماضي والحاضر ولأن ما يُكتب الآن ويُنشر ويُقال في الصحف والمجلات والندوات والمناقشات والإعلام المرئي هو في معظمه نقيض وفي بعضه مغاير، إذن لا بد أن يُسهم ـ هذا المغاير القليل ـ لاحقاً في جعل التغيير الثقافي أكثر علمية ومعرفية ومعبئاً أيضاً لنخب التغيير الثقافي بصياغاتهم المستندة إلى بحث معرفي وأساس نظري فهي هنا، أعني الصياغات، أقرب إلى التصورات المعرفية منها إلى استنتاجات فكر مثالي كما نشهد تسارعاً لدى بعض النخب إلى مواقع في الفكر المتحرر تحت وطأة البلبلة الراهنة وبالأخص تحت وطأة وهمٍ بأن هذا هو التجديد والدخول في العصر ومتطلباته المتحضرة فإذا حديثهم عن الثقافة أو المستقبل المرتجى يكتسب لهجة ومضموناً كما لو أنهم من خارجه وأحياناً كما لو أنهم نقيضه . في ضوء ما تقدم ورغم كل شيء نأمل من النخب الثقافية أن تتابع مساراتها الدؤوبة المتفانية من أجل قيام الثقافة وتثبيتها كإطار حضاري حقيقي فاعل يوحد جهود المثقفين العراقيين على اختلاف توجهاتهم، أفراداً وجماعات، في سبيل تعزيز المنجز الثقافي العراقي وتطويره ومجابهة جميع أشكال التزييف والتفتيت والتدمير الذي يستهدف هذه الثقافة، تراثاً وهوية ومساراً صحيحاً في التطور .
|