|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
23 آذار 2008 |
|
اضطراب أفكار السطور...!
كتابات - د.مراد الصوادقي
اضطراب الأفكار حالة معروفة وتشير إليها العديد من الأعراض المرضية والسلوكية وقد تتطلب علاجا مناسبا. ولا تعني دائما أن صاحبها مصاب بمرض عقلي . ففي رأس البشر تدور الأفكار وتتفاعل ويتم التعبير عنها بالكلام المنطوق أو المكتوب الذي يمكننا من خلاله الاستدلال عليها. وعندما تضطرب الأفكار فأنها تأتي وتذهب بسرعة فائقة مما يمنع التركيز طويلا على فكرة واحدة, فيتشوش الانتباه ويفقد الشخص القدرة علي المتابعة المركزة والانتباه الفعال. وقد لا يمكنه تمحيص ما هو ضروري وغير ضروري وله علاقة بالموضوع الذي يتفاعل معه. وأحيانا لا يمكن تحقيق الربط المنطقي بين الأفكار فتكون غير منظمة وتفقد الخيط الذي يربطها. وفي هذه الحالة تضيع القدرة على المحادثة مما يندفع صاحبها إلى العزلة الاجتماعية , لأن الآخرين لا يمكنهم أن يفهموا مقاصد الحديث والطرح , وهذا يبعث على عدم الراحة والتواصل مع الموضوع مما يحقق الإهمال والانطواء. وقد لا يمكن للشخص أن يضع أفكاره في سلة واحدة , فينحرف عن بيت القصيد الذي هو الأساس المنطقي وعمود الموضوع الذي يتم تناوله. وأحيان يتميز التفكير بوفرة أو فقر الأفكار وقد يحصل التقطع في سيل الأفكار فيؤدي إلى المحو المفاجئ والتام لها. ونحن نعتقد بأن الأفكار ملكنا ونراها تجربة خاصة يمكننا الإفصاح عنها بالكلام وبالتعابير اللاكلامية , بينما العقل المضطرب يرى أن الأفكار قد زرعت فيه بواسطة قوة خارجية وسميها ما شئت. وهناك عقول ترى أن الأفكار تؤخذ منها أو تحلب منها وكأنها حوض يتدفق منه ما فيه, كما أنها قد ترى بأنها تبث أفكارا مثلما يحصل في المذياع والتلفاز, كما أن بعضهم يفكر بصوت مسموع كما يظن ويحسب الآخرين يسمعون صوت أفكاره ويدرون ما يدور في رأسه. ووهم زرع الأفكار في الرؤوس حالة مؤذية وقد تدفع إلى سلوكيات غير حميدة خصوصا عندما يحسب الشخص أن الآخرين يضخون الأفكار في رأسه. ومنهم من يتصور بأن التلفاز والمذياع يتحدث عنه. والأفكار البشرية تصاب باضطراب المحتوى كالوهم والوسواس والخوف واضطراب الخطط والمقاصد ودوران ذات الأفكار في أفق التفكير ومعاودتها الضغط على البشر, وبعضهم ينشغل ببدنه ولا يصدق أنه بلا داء, وآخرون لديهم رغبات واندفاعات لا اجتماعية لا يمكنهم السيطرة عليها ويقعون فريسة لها. والأوهام تشكل ركنا كبيرا وفعالا من اضطراب المحتوى وقد تتفق مع المزاج أو تتعارض معه. فبعضهم يتوهم بأن الآخرين يتحدثون عنه فتراه كلما رأى مجموعة تتحدث مع بعضها حسب ذلك عنه أو ضده, وأصابه نوع من الاضطراب السلوكي فقد يقترب من الآخرين ويستفهم منهم لماذا يتحدثون عنه وقد يهجم عليهم. وشكل الأفكار أيضا يتعرض للاضطراب حيث تتطاير الأفكار وتفقد ترابطها ويتواصل تكرارها ومواظبتها في الرأس المضطرب. فالأفكار قد تتقافز بسرعة من موضوع إلى آخر لا يعرفه وقبل أن يكتمل الحديث فيما سبقه , ويمكن عقل ذلك عندما نجد خيطا دقيقا من التواصل, أما بالإيقاع أو غيره من أسباب التواصل التي قد لا تكون واضحة وسهلة المعرفة. وقد نرى ذلك في بعض الكتابات التي تتكاثف فيها الأفكار المتناقضة والمتواصلة مع غيرها برابط قد نكتشفه من خلال الموضوع. وربما يلعب دورا صوت الكلمات وتكرارها ولكن بمعاني مختلفة وكذلك الإيقاع. والمنبهات المحيطة بالشخص قد تدفعه إلى قول الأفكار المرتبطة بالمنبه الخارجي الذي يستجيب له. كما أن الشخص قد يصاب بالمواظبة وهي استمرار الإعادة الغثيثة لذات الفكرة أو الأفكار ويمكن ملاحظة ذلك من محض الكلام والكتابة والفعل. فعندما تسأل الشخص سؤالا سيجيبك عليه , لكنك عندما تسأله سؤالا آخر يبقى يجيبك كما أجاب على السؤال الأول دون القدرة على وعي السؤال التالي وهكذا. إن فقدان الترابط يشير إلى انعدام التركيب السليم للتفكير, فترى الشخص نفسه قد سقط في وحل المحادثة اللامنطقية التي لا يمكن الخروج منها بمفيد. وقد يصاب التفكير بفقدان الوضوح والطينية فلا تعرف له صفاء ورؤيا. ومنهم من ينتقل بتفكيره من مكان إلى آخر لا يعرفه وبزاوية قائمة كما يتحرك الرخ على رقعة الشطرنج , أو يعيد الكلمات والجمل بطريقة غريبة وبلا معنى. وهناك مَن يريد أن يقول شيئا ويعبر عن وجهة نظره لكنه يبقى يدور حول النقطة التي يريد الوصول إليها لكنه يعجز عن ذلك. وقد يحصل أن يتم وضع أفكار كثيرة لا علاقة لها ببعضها في سلة واحدة, حيث تتوسع الأفكار وتتورم بأسلوب لا يوحي بالتفاعل المعقول, فيعجز الشخص عن الربط بين أفكاره التي تتوافد من غير مسوغات منطقية ويفشل في تنظيم أفكاره في مسبحة تفكيره. والبعض يمزج الأفكار مزجا قاسيا ليصنع منها ما لا يمكن فهمه فيسميه غموضا أو رمزا أو غيره. فالناس تتفاعل بسلسلة منطقية من التوافق مع الأفكار بينما خلط أفكار لا تقترب من بعضها في بودقة واحدة يحقق حالة من التفكير المشوش الذي يجلب الويلات, فترى الأفكار المحشوة في جراب الخلط قد فقدت الهدف وأضاعت الاتجاه والفحوى. فهناك مزج مضطرب لها, وقد يتوقف قطار الأفكار فجأة وينحرف عن مساره دون سابق تحذير أو إشارة. وربما تزدحم الأفكار في الرؤوس وتتكدس لدرجة يفقد فيها الشخص القدرة على التفاعل مع ما في رأسه. وربما تضيع حدود الأفكار وتكون هلامية أو أميبية الشكل والتفاعل. وقد يتحدث الشخص عن فكرتين من غير مبررات كافية للربط بينهما, فيحشر موضوعات وإشارات ضعيفة الارتباط بالفكرة ويجعلها تؤثر على المسار العام والأساسي لتفكيره. والأفكار قد يعبر عنها في مساراتها الاضطرابية المختلفة بالكتابة والإبداعات الأخرى التي تشير إليها وتؤكدها , خصوصا عندما يكون الإبداع مجردا من المسار , فترى الأفكار فيه قد تمازجت وتزاوجت وتهشمت وتطينت وضاعت حدودها وبوصلة اتجاهها , وحققت حالة من التفاعل الذي يصيب القارئ بالدوار الشديد وربما يتسبب بوجع في رأسه. وكلما ازداد اضطراب الأفكار تحقق الغثيان في الشخص المتلقي لها. ولا نعلم إن كان للإبداع علاقة وطيدة باضطراب الأفكار أو أنه محاولة للالتفاف عليها والاحتماء من سطوتها وتمكنها. وهل يا ترى أن من الممكن حصر اضطراب أفكار الإبداع وتصنيفه وفقا لخصائص حالة معينة تنطبق عليها مواصفات وعلامات تشير إليها. وهل أن هناك صنوف من الإبداع تميل إلى الاضطراب أكثر من غيرها. ويبدو أن العطاء عندما يبتعد عن بيت القصيد الذي هو عمود خيمة الموضوع يتحول إلى ساحة للأفكار المضطربة والتي نسميها بأسماء متنوعة وقد نضعها في خانة الإبداع الأصيل.
|