الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

23  آذار  2008

ابحث في كتابات

 

الحرية ، محاولة استقراء للنصوص القرآنية - 10

 

كتابات - محمد سعيد الخطيب

 

   وبعد ومضة النور التي استضأنا بها من سورة – الكافرون – لنمضي إلى نص أخر فيه من التصريح والتبيّيّن ما لا يحتاج منا إلى الأعراب ولا أسباب النزول ولا أيَّ تأويل وليٍّ للحقائق القرآنية من اجل تحقيق مآرب التسلط والتحكم بالبشرية ومصيرها وما انعم الله تبارك وتعالى عليها من نعمه.

   هنا نفتح قلوبنا إلى نور الآية المباركة رقم 99 من سورة يونس:-

 { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }.

    ونعود على بدء حيث فهمنا بان أيّ شيء هو بمشيئته وأرادته ، وهو لو شاء أو أراد أن يجعل جميع البشر على دين واحد وعلى درجة واحدة من الأيمان ، بل تتعدى هذه الإرادة وهذه المشيئة إلى كل من في الأرض ، أي أننا نفهم بوضوح تام أنه سبحانه وتعالى ، وضمن حكمته في أدارة شؤون وجوده وهذا الكون بكل ما فيه  وبعلمه الأزلي قد جعل موضوعة الأيمان والكفر- ونؤكد هنا على موضوعة الأيمان والكفر فقط لا غير  – جعلها ضمن فضاء حرية واسعة يجري من خلالها تمييز خلقه .

   ونهاية الآية الشريفة يكاد نوره أن يذهب بأبصار الفئة الظالمة والأخطر؛  وهي فئة المنافقين التي هي الأشد خطرا من المشركين والكافرين، تقول الآية الشريفة رقم 43 من سورة النور {   أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ } وقد وصفت الآيات الشريفة حال أولئك المنافقين عندما يعودوا من غيهم ويمتلكوا رشدهم وكيف يستطيع حينذاك الاستضاءة بنور الهداية ولكنه سرعان من يفقد ذلك النور حين يعود إلى ظلمه ونفاقه ؛ وتقول الآيات من 8 إلى 20 من سورة البقرة :-

{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }

    لا يمكن لأي كان علما أو موقعا أو أيَّ صفة أخرى ، لا يمكنه إلا أن يفهم أنه سبحانه وتعالى قد أعطى كامل الحرية وتمام الاختيار ومطلقهما في العبادة والعقيدة والرأي ، فاللفظ القرآني واضح بيانه حيث جاء بصيغة الاستفهام الاستنكاري وهو يمنع  النبي (ص) عن أكراه الناس على الأيمان بعدما خلقهم عز وجل مختلفين فمنهم مؤمن ومنهم كافر،  كما أدرجنا سلفا ذلك حسبما جاءت به الآية رقم 2 من سورة التغابن {   هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وهو تعالى اسمه قد خلق خلقه جميعا مختلفين .

    ولابد من استقراء لبعض النصوص الكريمة التي تتحدث عن الاختلاف سواء في الأمور الطبيعية أو البشرية وفي كل ما خلق سبحانه وهُنّ (( 6 ست آيات )) كريمات:-

    1- رقم الآية 164 من سورة البقرة {   إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    2- رقم الآية 190 من أل عمران {   إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }

    3- رقم الآية 6 من سورة يونس {   إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ                        يَتَّقُونَ }

    4- رقم الآية 80 من سورة المؤمنون { وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

    5- رقم الآية 22 من سورة الروم {   وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ }

   6- رقم الآية 5 من سورة الجاثية {   وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    فله تبارك وتعالى هذا الاختلاف في خلقه من أمور طبيعية مثل الليل والنهار والى الاختلاف في الألسن والألوان للبشر من أبناء ادم عليه السلام ، ويمكننا هنا الاستدلال بالآية الشريفة رقم 118 من سورة هود والتي تقول { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } فهو لو يشاء تعالى في مشيئته لجعل الناس كلهم بلون واحد وبلسان واحد وبدين واحد ، لكنه تقدست صفاته أراد وشاء أن يكون الناس مختلفين ؛ وقد قلنا سابقا أن هذا الاختلاف من البديهيات المحسوسة في ذات البشر قبل غيره ، فهو تقدست أسمائه أمرنا بصيغة الأخبار بان نرى آياته في الآفاق وفي أنفسنا كما بينت ذلك الآية رقم 53 من سورة فصلت {   سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.

    وليس هذا هو الموقع الوحيد الذي تأتي هذه الحقيقة الإلهية بعدم الإكراه في القران العزيز، بل إن آية تابعة لآية الكرسي المباركة فيها ذات الأمر وذات الحقيقة فتقول الآية رقم 256 من سورة البقرة {   لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

    فلما كان النص الحكيم يخاطب حامل الرسالة ومبلغها (ص) بعدم أكراه الناس على أن يكونوا مؤمنين ومن قبله أكد عليه حقيقة عدم الإكراه في الدين ، فهل بعد هذا بيان غيره ؟ وهل بعد هذا الحق إلا الضلال المبين ؟ تقول الآية الكريمة رقم 32 من سورة يونس { فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ }.

    ثم تقول آية أخرى وهي الآية رقم 24 من سورة سبأ { قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }.

    أي تسامح تأمر به هذه الآية الشريفة ؟ وأية تربية نفسية سامية هي التي تؤدبنا بها ؟ وأي منظومة اجتماعية سليمة النوايا وطيبة الأفعال تلك التي تبنيها هذه الإرادة والمشيئة الربانية تعالى علوا كبيرا؟ وما هذا الميزان الذي يضع خير خلقه أجمعين (ص) وهو المخاطب مباشرة ونحن بغير المباشر يضعه في ميزان واحد مع من هو في الضلال؟.

   هي روح التسامح والمحبة والسلام الذي دعت أليه رسالاته تبارك وتعالى حبا وتكريما وتفضيلا لأولاد أدم عليه السلام قبل خلقهم فتقول الآية رقم 16 من سورة المائدة {   يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

     والله من وراء القصد.

     يتبعه تابع بمشيئته تعالى .....

 

 

ملاحظة جدُ هامة

يمنع منعا شرعيا وعرفيا أعادة النشر في أي موقع عدا (( موقع كتابات )) فقط.

Alkatibe_53@hotmail.com