|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
23 آذار 2008 |
|
عزلة الصبّار - 3 "حياة متخيلة لـ سعدي يوسف"
كتابات - حمزة الحسن
وفي يوم من الايام كنت أجلس على شرفة بيتي في بوينس آيرس، محاولا فهم معنى جملة افتتاحية كتبتها قبل سنوات طويلة تقول" من فرط التفكير بالخلود، تركنا الغسق يطبق دون أن نشعل المصباح" حين رن هاتفي وكان المتحدث على الطرف الاخر هو الشاعر دوبزنسكي من باريس": انت السيد بورخيس؟" وكان ردي على طريقة المتصوفة المسلمين:" انا السيد بورخيس لكنني لست موجودا الآن؟" وجاءت ضحكته عاتية:" اسمع لويس، بعد اسبوع سنحتفل بذكرى بول اليوار وفي مقبرة بير لاشيز وسنضع باقة زهور حمراء على ضريحه". فقاطعته": ولماذا حمراء؟ لست شيوعيا غبيا كي أفعل ذلك. سأختار باقة ورد بيضاء. لكن لماذا في مقبرة وأنا قبل لحظات كنت أفكر في الموت؟". رد عليّ الشاعر الهرم":ماذا ستخسر لو مت؟ ألم تقل هذه العبارات في قصتك "الشاهد":ما الذي سيموت معي حين أموت، ما الشكل التافه الهش الذي سيفقده العالم؟ صوت ماسيدونيو فرنانديز ـ كاتب ارجنتيني؟ صورة جواد أغبر فوق قطعة أرض مهجورة في سيرانو وكاركاس؟ قضيب كبريتي في درج منضدة خشبية؟". تساءلت متعجبا:" هل قلت حقا هذا الهراء؟ طيب سأصل باريس مع ماريا بعد ثلاثة أو خمسة ايام الى اللقاء في المقبرة؟".
اتجهنا لضيق الوقت، حالا، الى مقبرة بير لا شيز القريبة من جدار كومونة باريس، وكان الوقت خريفا والأوراق الصفر تملأ أرض المقبرة ولم يكن ذلك يهمني لأنني لا أراه، لكني شممت في الهواء عطر ماريا، مستفزا، كعطر جواد مستثار، وأنا أعرف لون الفصول والألوان والمشاعر من عطرها الداخلي. سمعتها تقرأ اسماء بعض الشواهد الرخامية: لويس أراغون، ايف مونتان، وقبل أن نصل الى قبر بول ايلوار قبضت علي يدي بقوة وكان الجزء الوحيد في جسدي الذي جفل هو ذراعي. قلت:"ماريا، ماذا حدث؟". أجابت، مبهورة الأنفاس:" لا شيء. مصور من صحيفة لومانيتيه ديمانش. ربما يضعون الأمر غدا في اطار مختلف". قلت:" لا تكوني حمقاء الى هذا الحد. سأقول أنني جئت أبحث عن قبر مزعوم لهتلر لكي أتبول عليه".
في المقبرة لم نجد غير اربعة أشخاص هم كما قال لي دوبزنسكي: شاعر فرنسي لا أتذكر اسمه، ومصور صحيفة، وهو، وشخص آخر بسحنة شرقية متحفزة كشخص خارج توا من سفينة قراصنة غارقين قال دوبزنسكي انه شاعر عراقي اسمه سعدي يوسف ظل يردد في صلاة طويلة أمام الشاهدة:" إن كنت أنت المسيح، فخلص نفسك وإيانا" غرقت في عطر ماريا اللذيذ، ولم أفق الا في سريري المنزلي وقد نسينا شراء باقة زهور من فرط العجلة.
حين ذكرت ذلك لسعدي في البار الايرلندي، قال:" يوم مات ايلوار، مشى في جنازته ربع مليون فرنسي. لكننا في ذلك اليوم لم نكن سوى أربعة أشخاص". قاطعته:" لم تحسب ماريا وانا؟". رد علي باستنكار لطيف:" معذرة، لم أر أحدا غيرنا نحن الأربعة". قلت وأنا ارفع كأسي:" كنت مشغولا بصلاتك". علق، ضاحكا:"وأنت؟". أجبته:" قد لا تصدق. كنت في تلك اللحظة أفكر برجل رمادي العينين، أشيب اللحية، كان يتمدد بين رائحة الحيوانات، باحثا عن الموت، وفي إسطبل يقع تقريبا في ظل الكنيسة الحجرية الجديدة، مثلما يبحث انسان عن النوم. ينام الرجل ويحلم منسيا. يوقظه قرع ناقوس".
قاطعني سعدي:" أعرف ذلك. قرأت عن الأمر في حكايتك" الشاهد" لكن الشيء غير المؤكد بالنسبة لي هل ان الناقوس قد أيقظ الرجل من النوم أم من الموت؟ هل نام حقا أم انه نسى الحياة وحلم انه ميت؟" قلت:" في الحقيقة كنت أفكر في مقبرة بيير لاشيز بالانتحار على عطر ماريا كما فكر ميشيما صاحبك بالانتحار من اجل الكرامة كم قلتَ يوما، لكني أجلت الأمر حتى عودتنا الى بوينس آيرس وفي الليلة نفسها، ولا أدري، أقولها لك بصوفية تماما الآن كما قلتها في حكاية لماسيدونيو فرنانديز: في لحقيقة لست أتذكر ان كنا انتحرنا تلك الليلة أم لا".
لو أردت يوما كتابة سيرة سعدي مفصلة، مع أنني لم أكتب سيرتي الشخصية ابدا، ولن يحدث هذا، لأنك حين تكتب سيرتك، إنما ترسخ صورة ذهنية واحدة، وأنا لا أحب ذلك، وأرغب في أن ينساني الناس وأتلاشى كعاصفة رمل، أقول لو أردت، لأطلقت عليه اسم أنا أخماتوفا التي قال عنها سعدي نفسه:" خٌلعت عليها ألقاب وصفات غاية في التناقض، فهي السيدة العظيمة، والملكة، وسافو الروسية، وهي أيضا المرتدة، الرجعية، والسيدة البورجوازية ذات الرأس الحائر بين الفراش والكنيسة. إنها المطرودة من اتحاد الكتاب في العام 1946، والمتولية رئاسته في العام 1964... إنها أميرة التتر ـ أنا اخماتوفا اسم جدتها التترية ـ .المجد لا يوازيه الا الشقاء. كانت تحتفظ بقطعة نقدية قدمتها اليها، صدفة، امرأة عجوز في الطريق. حسبتها متسولة. ويقال ان دستوييفسكي أيضا كان يحتفظ بقطعة كوبيك قدمتها اليه امرأة في الشارع، بعد أن قالت لها ابنتها التي كنت بصحبتها، قدمي كوبيكا لهذا التعيس".
لقد حدث له ما هو أسوأ من رمي قطعة نقدية ترمى لمتسول حين وجد نفسه يوما في غرفة بائسة في باريس، باريس بلا نخل ولا سيسبان، لكن تدخل عبد اللطيف اللعبي في العام 1992 الذي بذل مساعيه لدى بلدية أوبرفيلييه وأقنع رئيس البلدية، الوزير السابق جاك راليت، بقضيته ـ كتب ذلك بنفسه ـ فحصل على شقة أفضل. لكن رسالة من دائرة البوليس تطلب منه مراجعة الدائرة، وبعد انتظار دخل على المسؤول الفرنسي الذي أطلعه على تقارير حول نشاط المنفيين في باريس ومنهم هو لكنه قال:" المعلومات سطحية حتى الآن. بإمكانك مساعدتنا" كتب سعدي عن ذلك فيما بعد:" أحسست بدمي يتصاعد، وبحبات عرق تنبجس من جبيني. قلت على الفور:" ايها السيد، أنا لا أحب هذه الكلمة". كان عليّ، إذا، أن أغادر باريس. وقد غادرتها مرغما".
كنا قد جلسنا مرة اخرى في البار الايرلندي"أعني حانة فيتزجيرالد" ولم أساله أين اختفى في ذلك الغبش أو المساء كما يصر بارنستون، فحدثني عن مطاردة الشرطة السرية له في العراق وحدثته عن الأمر نفسه لي في بوينس آيرس. كنا نتبادل المطاردة والقتلى والشعر. انتهى بي الأمر، حين ذكر اسم البار، الى أن أردد مقاطع من رباعيات الخيام ترجمة فيتزجيرالد: " يعبث بقطعة اللعبة الواهنة على رقعة شطرنج الليالي والأيام يحركها هنا وهنا، يتفحصها ثم يلقي بها في صندوق العدم واحدة فواحدة". فراح يقرأ المقاطع نفسها بطريقة مؤثرة: "غدونا لذوي الأفلاك ألعاب لاعب/ أقول مقالا لست فيه بكاذب على نطع هذا الكون قد لعبت بنا/ وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقب".
" وأنت تقرأ، قلت له، كنت أفكر بنمر بلا ماض، ولا مستقبل، اللحظة الراهنة فقط. نمر قوي، وبريء، وجديد. سيقفز مساحات بربرية وسيتشمم من تلك المتاهة المظفورة بين الروائح كلها شميم الفجر، وعطر الغزال اللذيذ". " كنت أفكر في ميشيما وانت تتحدث عن حلمك في قصيدتك: النمر الآخر". " آه. هل صدقت ما كتبه الأبله هنري ميلر في كتابه" تأملات في موت ميشيما" بأنه انتحر من أجل الكرامة؟ لا أصدق ذلك. أغلب الظن أنه انتحر من اجل حلم. انت نفسك غير مصدق الأمر وتتساءل: اذا كان انتحر من أجل الكرامة، فلماذا ربطها بالجيش الياباني؟"
فكرت في أن غير الموضوع فرددت بعض مقاطع من شعري: " بعيدا عن البحر، والحرب الجميلة، اللذين حملهما الحب معه الآن حتى ضاعا، كان القرصان العجوز الأعمى يمشي وئيدا، في طرق الريف الانكليزي البلهاء".
وكان هو يكمل البقية: " كان يعرف أن السواحل الذهبية بعيدا قد أخفت له كنزه الخاص ولذلك فإن لعن القدر لا يستحق زفرة".
قلت وقد بدا لي وجهه، في عتمة البار، كساحل فجري مهجور الا من الطير والضباب": اسمع يا سيد يوسف، لقد كان الماضي، كما يقول سلفك المقتدر المغربي الذي عاش في القرن الثاني عشر، أفضل مواسم الموت".
عندما لم يعلق سعدي، تابعت:"رغم كل هذه الضجة عنا وحولنا، يخيل لي أننا نعيش في وحدة مطلقة" " وحدة حجر في برية قاحلة، لذلك أطلقت على حديقة منزلي في عمان اسم حديقة الصبار". " ولماذا الصبار؟" رد علي ّ يوسف، شعرا:
" يباغتني الصبار... في كل نظرة وملتمس ألفاه صلبا ولامعا! ................ ................ ............... ويقلقني الصبار... أهجس أنني ضعيف وقد أنبته في حديقتي قويا كأكواز الصنوبر ربما تعاوره ثلج الشمال وربما تناوبه القرٌّ المُشِتُّ وربما أمَضَّ به بول الكلاب وربما تناستهُ من تهوى الزهور وربما... لكنه الصبار صلبا ولامعا يظلُّ ومرأى للحديقة ملعبا وملتجأ للعنكبوت وقطرة مخبأة للنحل بيتا مقدسا..."
سألته :"على ذكر عمان، زرت البتراء وسألت عن الينابيع السبعة التي قيل إن النبي موسى ضرب الحجر بعصاه فتفجرت ماءً. لم أجد شيئا من هذا. ماذا كنت تفعل هناك؟". أجاب سعدي:" أصطاد الغيوم". " لا أدري من قال لي يوما انك كنت تسمي حديقتك هناك الحديقة الجوراسية أيضا. هل هذا صحيح؟". "صحيح، لكني حين علمت انه عنوان فيلم لستيفن سبيلبرغ، تخليت عن الاسم". " تخيل، سيد يوسف، لو كنا نعيش فعلا في زمن الديناصورات التي عاشت في زمن الحديقة الجوراسية أليس هذا مثيرا؟". " شرط أن تكون ديناصورات حقيقية".
لعلعت ضحكتي في فضاء البار الايرلندي، فجأة. جاءت ماريا وجلست الى جواري، فشممت رائحة الخزامى التي اشتراها لها سعدي من دكان الهندي في الساحة القريبة من المنزل. قالت لي هامسة": ألا يذكرك بأنطونيو ماتشادو؟" "ابدا. لا يذكرني بشخص. يذكرني بنمر الأحلام:صاف،خاطف، وناعم بملمس طائر. عطرك له رائحة ظلال صيفية لسرب من الطيور المهاجرة. اذا كان يجب اختزال العالم بكتاب، فهو هذا العطر".
ضحك سعدي قائلا:" الخزامى من مراعي الإبل وتظهر رائحتها في الحليب" ثم راح يقرأ علينا شعر "امرؤ القيس":" كأن المدام وصوب الغمام/ وريح الخزامى ونشرٌ القطر".
قال سعدي لماريا:" يبدو انك محبة لأنطونيو ماتشادو كثيرا؟" "ربما، ولكني أتذكر جيدا صرخته بعد مقتل لوركا صديقه. يقول" حملت الي الصحف هذا الصباح نبأ اغتيال لوركا في غرناطة. لقد قامت مجموعة من الرجال، ترى هل هم رجال؟ قامت فصيلة من الوحوش بإعدامه بثقب جسده بالرصاص، لا نعلم في أي جزء من مدينة الخنيل والدارو القديمة مدينة النهرين اللذين تغنى بهما. ما أتعسك يا غرناطة، وستكونين أشد تعاسة لو كان لك ذنب في موته، لأن دم فدريكو، ابنك فدريكو، لا يجف مع الزمن".
قلت:" أنا لا أحب هذا المأتم في هذا المكان. ماريا كوداما تقول أشياء كارثية في بعض الأحيان بسبب جذورها اليابانية. كنتما تتحدثان عن أنطونيو ماتشادو. اليس كذلك؟ في الحرب الأهلية الاسبانية عاش في بلدة كوليو الفرنسية في أقرب نقطة حدود مع اسبانيا كي يكون قريبا من الأخبار وهذا ما فعله يوسف في عمان. ماريا، هل أعددت شيئاً لهذا المساء؟". " قليلا من النبيذ يفرح القلب". " وأنتَ؟ هل ستتركنا وتقفز مرة أخرى؟". " لا، سأمشي مشي القطا".
هوامش: ـ استفدت من كتاب"خطوات الكنغر" للشاعر سعدي يوسف وكذلك من دواوينه كخلفية للتخيل. ـ وكذلك من كتاب الشاعر بارنستون" بورخيس: مساء عادي في بوينس آيرس". ومن كتب بورخيس أيضا للغرض نفسه: الصانع، الألف، المرايا والمتاهات. ـ الباقي مخيلة. ـ عزلة الصبار: نص روائي والمنشور هو عدة فصول منه.
|