الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

21  كانون الأول 2004

السودان بين ثورة الإنقاذ وإنقاذ الثورة / 1989-2002م

 الجزء الأول

كتابات - إبراهيم الهطلاني

 

الإهــــــداء / إلى من يهمه الأمـر..

 

فهرس الكتاب

 

الفصل الأول

المدخل للسودان  15

لمحة تاريخية عن الحركة الإسلامية في السودان           18

الوضع السوداني قبل ثورة الإنقاذ     24

مرشد الثورة في السودان  28

خلفيات عملية الانقلاب      33

المؤتمر الوطني  40

مواقف الأحزاب السودانية من ثورة الإنقاذ      47

 

الفصل الثاني

العلاقة بين السودان ومصر            69

الموقف المصري من ثورة الإنقاذ     73

محاولة اغتيال الرئيس المصري       75

الخلاف.. وبداية الصراع بين القصر والمنشية              84

محاولات الإصلاح ورأب الصدع    91

المبادرات والمساعي الخارجية         104

 

الفصل الثالث

أحداث منظمة الدعوة الإسلامية        123

مشكلة الجنوب    127

العلاقات السودانية الأمريكية           148

 

تمهيـــد:

 

في الوقت الذي كانت تعيش فيه أوروبا خلال القرون الوسطى حياة تسودها الفوضى الثقافية والتخلف السياسي نتيجة للصراع القوي والطويل بين السلطتين الدينية والسياسية للسيطرة على مراكز القوى، ونتيجة لازدواجية السلطة واتساع دور الكنيسة في الحياة العامة بل وسيطرتها على الشؤون الثقافية والسياسية التي استمرت أكثر من ألف عام، كان العالم الإسلامي يعيش نتيجة الفتوحات والرحلات الدعوية حياة ثقافية وسياسية متطورة ومنفتحة، كما أن الاتساع الجغرافي والتنوع السكاني إضافة إلى التداخل والتعدد الحضاري أكسب العقلية العربية مزيداً من الرؤى واتساع الأفق انعكس أثره إيجابياً على الثقافة العربية، حيث نشطت حركة التأليف والتنظير العلمي والأدبي والتوسع في النشاط الحرفي والاقتصادي بشكل عام، ومع ذلك لم يصرفهم هذا الوضع الجديد عن منهج الدولة الإسلامية التي نشأت في المدينة المنورة على أساس الإيمان الخالص المستمد من الوحي السماوي وواصلت العمل الدؤوب على نشر المبادئ الإنسانية السامية، ومروراً بفترة الخلافة الراشدة الأولى التي حرصت على نشر المبادئ الخالصة والمخلصة في شتى بقاع الأرض، وصولاً إلى الإمبراطورية الإسلامية على اختلاف مساحاتها وقوتها وما صاحبها من ظهور للدويلات واختلاف في المبادئ والأفكار، بعد أن كان الدين غاية ووسيلة للدولة الأولى أصبح الفكر السياسي بعد زوال آخر خلافة جامعة يتضمن مفاهيم وغايات مختلفة مبدؤها الغاية تبرر الوسيلة أدى هذا الوضع الجديد في ظل دويلات متعددة المواهب والمشارب إلى قيام تنظيمات وهيئات تعمل على تقريب المسافة بين أصحاب المبادئ والثقافات وبين أصحاب السلطة والنفوذ.

وتأسيساً على ما سبق يمكننا القول بأن النظام السياسي في أي بلد يرتبط ارتباطاً بنائياً وتبادلياً بالنظام الاجتماعي القائم فيه، وبمعنى آخر إن مفاهيم وثقافة أي مجتمع تؤثر وتتأثر بنوع السلطة القائمة، والعكس صحيح، وعادة ما تستخدم هذه السلطة إمكانات ومفاهيم مجتمعها عن طريق الإقناع أو الخداع لتأسيس هيكل باطنه المأساة وظاهره الملهاة، ثم تسييس المنظومة الفكرية السائدة وإخضاعها لتلبي حاجاته وتزيد من قدراته للوصول إلى الفوقية، وهناك نماذج وتجارب واقعية رصدها التأريخ تثبت هذا المذهب.

ولقد عانى علم السياسة كأي علم من العلوم الاجتماعية من الاختلافات المنهجية البحثية وتعددت الرؤى، حيث تباينت الاجتهادات وتعددت التعريفات لتحديد مفهوم علم السياسة قديماً وحديثاً ويرجع هذا التباين والاختلاف إلى التباين في الأيديولوجيات والأولويات لكل مرجع من مراجع التعريف.

ولو اخترنا أحد تلك المفاهيم الحديثة التي حاولت تحديد مفهوم للسياسة بأنه العلم الذي يدرس السلطة في تفاعلاتها داخل المؤسسة الحاكمة أو مع المجتمع الوطني أو الدولي، ثم حاولنا من خلال هذا المفهوم معرفة الأثر التغيري أو التعبيري على الثقافة وعلاقتها بالسلطة لوجدنا أن عنصر القوة والمصلحة هما أساس تلك المعادلة الخاضعة للتناسخ التاريخي وإن اختلفت الأسماء والمواقع.

فإذا كانت المرجعية الثقافية سواء الفردية أو الجماعية في وضع لا يقوى على التحرك والوصول إلى هدفه فان تلك المرجعية ستبحث آجلاً أم عاجلاً عن سلطة تتحالف معها لتستمد منها القوة التي تبلغها الهدف المنشود بغض النظر عن مصداقية تلك السلطة التي ستستفيد لا محالة من هذا المستنقع المتحرك لتسييس الثقافة والطروحات الفكرية، لتحقيق مصالح الدولة أو النظام الحاكم؛ لأن أساس الارتباط عندئذ يكمن في القوة، وعندما تكون السلطة في حاجة للثقافة أو المؤسسة الفكرية ستضطر تلك السلطة إلى مسايرة التوجهات الثقافية والفكرية القائمة، بمعنى آخر تثقيف السياسة أو أدلجتها ولو على مضض وبصورة مؤقتة حتى تتحقق أهداف السلطة إلى أن يعود الوضع إلى حالته الطبيعية أي قبل الاندماج العُرفي وتنفرد السلطة بالحكم مستغنية عن المرجعية الفكرية التي صاحبتها إلى الواجهة، ولقد عملت بعض الأنظمة العربية بهذا المبدأ الميكافيلي، حيث لجأت إلى قوى فكرية وإيديولوجية في فترة من فترات عمرها السياسي لتحقيق بعض الأهداف بمعنى آخر تسييس الثقافة.

وفي المقابل للصورة السابقة تمكنت الحركة الإسلامية في السودان من أدلجة بعض القوى السياسية والعسكرية بمعنى تثقيف السياسة ليتمكنوا من السلطة عن طريق انقلاب عسكري في عام 1989م، الذي كان عبارة عن مجموعة رؤى فكرية في الدين والسياسة اختار أصحابها طريقاً على الرغم من خطورته إلا أنه يوصل إلى الهدف بأقل قدر من الجهد والوقت، حيث قاموا باستمالة بعض القيادات العسكرية ليتمكنوا من تغيير النظام.

وبغض النظر عن حقيقة النوايا عند أصحاب الفكرة ومدى ملاءمة أسلوبهم للمنطق العولمي الحديث، فإن هذا التعاون أو الاتحاد بين الأيديولوجية والسلطة أمر لابد منه وضرورة حتمية على الأقل في مناطق الحكم الاستبدادي لمن أراد أن يثقف السياسة ويطوعها، بمعنى يلبس الكيان الهدف لباساً ثقافياً وفكرياً يؤثر على توجهاته السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية من القاعدة المجتمعية أو من قمة السلطة، فلولا القوة لما سيطرت الأيديولوجية لمدة تزيد عن العشر سنوات استطاعت خلالها تغيير كثير من المفاهيم والسلوكيات الاجتماعية والعقليات القديمة التي ظلت تتأرجح حيناً من الدهر بين الشرق والغرب.

إلا أن تلك الوحدة لم تستمر لعدة أسباب داخلية وخارجية سنتعرض لها لاحقاً عند الحديث عن الانفصال بين جناحي الإنقاذ، حيث يمثل فيه الدكتور حسن الترابي الموجه والمنظر الفكري والأب الروحي للسلطة الجديدة في السودان.

كما أننا سنتعرف من خلال محتويات الجزء الأول من هذا الكتاب على أهم الملامح البارزة لتجربة تكاد تكون فريدة في عالمنا العربي؛ لأنها جمعت في إحدى فتراتها بين الدين والقوة بمفهومها المادي والسياسة وسنحاول معرفة طبيعة ومصدر انقلاب 1989م، واستعراض عدد من ردود الأفعال السابقة واللاحقة.. على أن نتناول في الجزء الثاني، أهم الملاحظات أو التعليقات الواردة على الجزء الأول إضافة إلى العناوين الرئيسة للجزء الثاني كاكتشاف البترول في السودان وتداعيات هذه القضية، إضافة إلى الظروف التي أحاطت بوجود أسامة بن لادن في السودان والعلاقات السودانية الخليجية ومواضيع أخرى.

 

المدخل إلى السودان:

 

السودان بلد إفريقي عربي، واسع في مساحته، متعدد في ثقافته، متنوع في موارده، يعيش فيه الأسود والأبيض، والمسلم والمسيحي، والعربي والزنجي، يجمع بين متناقضات التاريخ والثقافة والسياسة، حدوده ممدودة، وأحداثه مشهودة، تعاقبت عليه حضارات ودول، أرضى القليل وأسخط الكثير من أفراد وهيئات وحكومات، شعب متعدد الاهتمامات، تجد فيه الفنان والأديب والرياضي، والكل سياسي، بلد الأحزاب والثورات والانقلابات، تناولته الأقلام القريبة والبعيدة بالتاريخ والنقد والتحليل، كُتب عنه الكثير عبر تاريخه السياسي والديني منذ الإمبراطورية النوبية مروراً بسلطنة الفونج والحكم الثنائي البريطاني المصري وانتهاء بالاستقلال عام 1956م وتعاقب فترات الحكم الوطني سواء أكانت مدنية أم عسكرية، ومن آخر تلك الفترات وأبرزها هي الفترة التي تمكنت فيها الجبهة الإسلامية عن طريق انقلاب عسكري من الاستيلاء على السلطة في عام 1989م مع المحافظة على سلطتها حتى الآن مع ما تخلل هذه الفترة من أحداث سياسية وعسكرية وانقسامات حزبية.

وما يميز السودان عن بقية الدول ويلفت نظر المراقبين إليه هو عدد الانقلابات العسكرية التي لا يجاريها في هذا الأمر عربياً إلا العراق، كما أن هناك خاصية مميزة لانقلاب 89م عن الانقلابات السابقة في السودان وهي خاصية الصبغة واللغة الأيديولوجية التي اعتمد عليها في مخاطبة الإنسان السوداني ومن خلالها قدم نفسه عربياً، إضافة إلى سهولة وسرعة صعود الجبهة الإسلامية إلى سدة الحكم وسيطرتها على البلاد بأقل قدر إن لم يكن بانعدام وجود خسائر بشرية، وبذلك تكون قد قدمت نموذجاً وتجربة جديرة بالاهتمام والدراسة مهما كان اختلافنا معها، خاصة وأنها تمكنت من الصمود والاستمرار منذ 1989م وحتى الآن، صحيح أن الاستمرار والوصول إلى القبول العربي والعالمي اعترضته كثير من العقبات والإملاءات أدت إلى بعض التنازلات بل والانقسامات في الجسم الحركي إلا أن الفكرة مازالت حية يقظة، والتجربة مازالت قائمة وماثلة أمام الجميع.

 كنت مهتماً خلال مراحل الدراسة الجامعية بمتابعة المجلات والدوريات العربية المهتمة بالشأن السياسي العربي والإسلامي في العالم وذلك على قدر المتاح ومن تلك المجلات التي كنت أتابعها مجلة البيانالتي يصدرها المنتدى الإسلامي في لندن.

وفي القسم المخصص لتناول مشكلات العالم الإسلامي لفت نظري مقال لم يذيل باسم، عنوانه (من ينقذ السودان) والآن وبعد 14 عاماً عدت إليه لأقرأه من جديد.

والملفت في هذا المقال أنه كتب في شهر مايو 1989م أي فترة حكم الصادق المهدي التي صورها المقال بشكل مأساوي ولا إصلاح له إلا بالتغيير، إضافة إلى عدد من المقالات الصحفية كتبت من داخل السودان وخارجه تنبأت أو هيأت الرأي العام السوداني لحدث قادم، وفي آخر يونيو 1989م قامت (جبهة الإنقاذ) بانقلاب عسكري لإنقاذ السودان من وضعه المتردي كما أعلن في حينه.

ولقد يسرت لي الظروف زيارة السودان عام1991م ضمن وفد لمنظمة تطوعية تنشط في مجال الإغاثة الإنسانية.

ومن خلال جولة من الشمال إلى مناطق البترول في الجنوب تبعتها عدة زيارات عام 2002م تمكنت من مشاهدة ورصد التحولات الرسمية والشعبية في السودان نتيجة للفكر والمنهج الذي جاءت به ومنه ثورة الإنقاذ وحاولت بسطه على ارض السودان كي يصبح واقعا وحياة لكل السودانيين مع محاولتها مراعاة الخصوصية في المناطق الجنوبية.

وبغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع كثير من المواقف والسياسات (الإنقاذية) فلا بد أن نقرر أن وصول الحركة الإسلامية في السودان إلى الحكم لم يكن وليد الصدفة ولم يأتِ بدعم خارجي، بل جاء كنتيجة طبيعية لمجهودات مضنية وتحركات حثيثة وتصميم فريد على امتداد عدة عقود، أيده الواقع المؤلم والرغبة المأمولة لدى الشعب.. ولأن ثورة الإنقاذ تعبر أو تحاول التعبير عن فكر أصيل من الناحية التاريخية والأيديولوجية وعن جيل له جذور ورؤى خاصة به، بمعنى أنه لم يكن مستورداً من خارج العقل أو النقل العربي، فلا بد من الاستعراض التاريخي لمراحل الحركة الإسلامية في السودان حتى يمكننا قراءة الواقع بشكل مباشر لنتناول فيه الدوافع والموانع الداخلية والخارجية ونستعرض الوضع السياسي الحالي بصورة واضحة وأمينة. ومن خلال ما يأتي سنقلب صفحات ثورة الإنقاذ وأهم المعالم الفكرية والتاريخية لها، إضافة إلى أبرز المواقف السياسة الداخلية والخارجية منها.

 

لمحة تاريخية عن الحركة الإسلامية في السودان:

عندما ذكر الدكتور حسن الترابي في إحدى مقابلاته التلفزيونية بأن الشر والخير جاءا إلى السودان من مصر، لم يكن وقتها يتندر بهذه المعلومة، ولم يكن جوابه وليد لحظة محرجة، بل كان تقريراً لتاريخ طويل من العلاقات المتأرجحة بين مصر والسودان، واستعادة لنظرة وفكرة أخذت حيزاً وموقعاً في السياسات والعلاقات المتأصلة بين مصر والسودان.

ومن خلال قراءة متأنية في تاريخ الحركة السياسية والفكرية بين مصر والسودان نجد أن هناك متكأً وسنداً لما ذهب إليه الترابي وغيره من مثقفي السودان، حيث كانت مصر تشكل مصدراً رئيساً للفكر الشيوعي الذي ابتليت به السودان منذ الأربعينيات بل كان أثره أقوى من الأثر الذي خلفه الحزب الشيوعي البريطاني بواسطة أحد المجندين البريطانيين في السودان بحكم عوامل اللغة والتاريخ والجغرافيا، فلقد دأب التنظيم الشيوعي المصري حينئذٍ على استقطاب الطلاب السودانيين المتواجدين في مصر بغرض الدراسة ومحاولة التأثير عليهم فكرياً من خلال الأنشطة الثقافية والتجمعات الطلابية وتقديم بعض المساعدات لهم ليقوم الطلاب السودانيون بالدور نفسه مع مواطنيهم عند عودتهم إلى بلادهم خلال الإجازات الدراسية.. وهم محملون بالكتب الماركسية لبث أفكارهم في عاصمة البلاد ومدنها الكبرى.

ومثلما استقبلت السودان الفكر الشيوعي من مصر كذلك استقبلت وبكل ترحاب مبادئ وأفكار جماعة (الإخوان المسلمين) منها وهو ما يمثل الجانب الخِير من العلاقات في نظر أبناء الحركة الإسلامية في السودان..

فمنذ زيارة الأستاذ عبد الكريم عابدين السكرتير العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ومعه جمال الدين السنهوري للسودان عام 1946م وحتى تكوين الجبهة الإسلامية للإنقاذ واستيلائها على السلطة عام 1989م، لم يتوانَ أصحاب الاتجاه الإسلامي في السودان، ولم يخضعوا لعوائق الأحداث وهم بين مد وجزر، ومن تحالف وتكاتف إلى مواجهة وصدام في خارج المعتقلات وداخلها، ولم يستسلموا حتى عندما اغتيل الشيخ حسن البنا في القاهرة واقتيد أبناء الحركة في مصر إلى المعتقلات وانتقال الهجوم على الإخوان من على صفحات مصر إلى صفحات السودان مجاراة في الخوف والبغض،لم يمنعهم ذلك كله من مواصلة السير في سبيل الدعوة والإصلاح وبنفس القوة والروح التي بذلوها في سبيل الجهاد والمقاومة.

حتى عندما تقدم الأستاذ علي طالب الله إلى السلطات عام 1948م بطلب لتسجيل الحركة الإسلامية في السودان تحت مسمى (الإخوان المسلمين) رفضت سلطات الاستعمار هذا الاسم متأثرة بالأحداث السياسية والأمنية في مصر وخشية من انتقالها إلى السودان.

 وأعادت الحركة طلبها مرة أخرى ولكن مع تغيير مسمى الحركة إلى (حزب التحرير الإسلامي) وقد اختير هذا الاسم كرد مضاد لحركة التحرر الوطني الماركسية التي كانت تسيطر على أكبر التجمعات والنقابات الطلابية في السودان خاصة في جامعة الخرطوم، إضافة إلى أن هذا المسمى جاء منسجماً مع.. التوجه نحو محاربة (الاستعمار) لإقامة المجتمع المسلم والدولة المسلمة، فهي إذن (حركة تحرير إسلامي).

وفي عام 1950م انتسب الأستاذ ياسين عمر الإمام إلى (حزب التحرير الإسلامي) وهو شقيق الشيخ عوض الإمام (إمام) مسجد أم درمان العتيق والذي كان يتولى إدارة مكتب الحركة في السودان قبل أن يعين الأستاذ علي طالب الله من قِبل الحركة في مصر مراقباً عاماً للإخوان في السودان، وكان ياسين قبل ذلك عضواً في الحركة اليسارية في السودان التي استفادت الحركة الإسلامية من منهجها في التحريك والتنظيم.

وإضافة إلى انتساب كثير من الشباب السوداني إلى الحركة الإسلامية يمثل هذا الحدث رصيداً حياً وواقعاً ونتيجة إيجابية لنشاطات الحركة الإسلامية التي انتشر صيتها في أغلب أرجاء السودان ونجاح لدعوتها بين الناس.

وفي عام 1953م دب أول خلاف في صفوف (حزب التحرير الإسلامي) نتيجة لدعوة الأستاذ بابكر كرار ومعه مجموعة من الإسلاميين إلى عقد مؤتمر لإنشاء قيادة جديدة متأثراً بالعمل التنظيمي لدى الحركة الماركسية، إلا أن هذه الدعوى جوبهت بدعوى مضادة من الأستاذين عبد العزيز كامل وياسين عمر من خلال تقديم مذكرة لعقد مؤتمر عام يحضره كل أعضاء الحركة الإسلامية الذين بلغوا سن 21 سنة وقد أمضوا 4 سنوات في صفوفها، ويهدف هذا المؤتمر إلى حسم قضية الاسم وتعيين القيادة وصياغة الهيكل التنظيمي.

وبالفعل عقد المؤتمر العام في نادي أم درمان الثقافي في عيد الأضحى من عام 1373هـ الموافق للعام 1954م في أم درمان بحضور العديد من القيادات منهم صادق عبدالله عبدالماجد وعبدالله زكريا، ومحمد أحمد محجوب ومحمد الخير عبدالقادر وآخرون، وقد تخلف عن الحضور كل من بابكر كرار الذي ترأس بعد ذلك تنظيماً منشقاً تحت مسمى (الجماعة الإسلامية)وعلي طالب الله الذي كان له تحفظ على ذلك الاجتماع وقد أقصي عن التنظيم الجديد (للإخوان المسلمين) في السودان.

وقد اتفق المجتمعون على تسمية الحركة باسم (الإخوان المسلمين)، كما تم إقرار استقلال حركة الدعوة وعدم ارتباطها بالأحزاب وإيجاد كيان خاص بالدعوة والاهتمام بالدستور الإسلامي.

كما تم تكوين الهيئة السياسية للحركة في السودان التي ضمت العديد من القيادات، منهم محمد الخير عبد القادر سكرتيراً عاماً ورشيد الطاهر وصادق عبد الله عبد الماجد وياسين عمر الإمام وميرغني النصري وعبد الله زكريا وموسى حامد وآخرون، واستمر هذا التنظيم عدة سنوات محافظاً على هيكلته العامة مع التغيير الجزئي بحيث يخرج ثلثي الهيئة القديمة ليعاد انتخاب أعضاء جدد بدلا عنهم.

وفي عام 1955م أعلن (الإخوان المسلمون) في السودان على لسان السكرتير العام للحركة الرشيد الطاهر الذي تم اختياره خلفاً للأستاذ محمد الخير عبدالقادر، بيان الحركة يطالب فيه بالإصرار على مبدأ الاستقلال الذي تجاهله تصريح الزعيم الأزهري لصحيفة الأيام المستقلة في نهاية عام 1954م.

وأمام الإصرار الشعبي والحركي السوداني والتأكيد على مبدأ الاستقلال.. أعلن البرلمان السوداني في ديسمبر من عام 1955م استقلال السودان، وفي أول يناير عام 1956م رفرف العلم السوداني على القصر الجمهوري وطوي علما دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر.

كان لهذا الحدث المهم والبارز في تاريخ السودان أثره الإيجابي على حركة الإخوان المسلمين في السودان، حيث أعلنت الحركة عن نفسها تحت مسماها الذي اختير سابقاً ولم يتمكنوا من الإعلان عنه إلا بعد الاستقلال، متخذين من الصحف العامة منابر لنشر أفكارهم والمشاركة في المناقشات السياسية العامة، خاصة فيما يتعلق بشعار الحكم الإسلامي الذي بدأ الحديث عنه من خلال (جبهة الدستور الإسلامي) وهو تحالف اجتمع فيه الإخوان المسلمون مع عدة قوى وجماعات إسلامية عام 1955م.

لم تعط الحركة الإسلامية الفرصة طويلاً كي تشاهد نتائج أعمالها وتستريح قليلاً من عناء وتداعيات العمل السياسي السري وكانت جميع الأحزاب السياسية تتهيأ للانخراط في المشهد لسياسي القومي والنقاشات المعلنة بعد أن رفعت البلاد علمها الوطني ونالت استقلالها.

إذ قام الفريق إبراهيم عبود في عام 1958م بانقلاب عسكري أغلقت على إثره كل الصحف ومنها صحيفة البلاغ التي كانت تصدرها الجبهة الإسلامية للدستور، ونتيجة لهذا الواقع الجديد اضطرت الحركة الإسلامية إلى العمل السري على الرغم من أن مؤرخيالحركة وصفوا فترة حكم وسياسة عبود بأنها محافظة ومعتدلة ولم يستخدم خلالها القهر السياسي بإفراط، وهذا ما يفسر استمرار الحركة الطلابية في عملها العلني المعارض للنظام آنذاك، مع بعض التحركات النشطة للنقابات بشكل عام والعمالية بشكل خاص.

كما بدأت الحركة.. في أواخر عهد النظام تتخذ مبادرات في التحريض بالمنشورات والندوات وتشجع طلابها على قيادة الثورة على النظام.

وفي عام 1964م اتخذت الحركة قراراً بمقاومة النظام العسكري وبدأت القيادات في الحركة الإسلامية بعقد الاجتماعات واللقاءات النقابية بشكل مكثف، كما قام عناصر الحركة في مختلف القطاعات الجماهيرية بتوزيع منشورات تحريضية تهاجم فيها الحكم العسكري وتطالب بالإضراب العام، وشكَّل هذا الوضع المتأزم داخل السودان والمتزامن مع تزايد نشاطات حركة التمرد وضعاً محرجاً للنظام العسكري القائم آنذاك.

ولتدعيم الأثر الجماهيري للإضراب والتحركات النقابية قررت الحركة تكليفالدكتور حسن الترابي بمهاجمة الحكومة أثناء المحاضرات، وفي شهر أكتوبر من عام 1964م وتنفيذاً للقرارات السابقة دعا الاتحاد الطلابي التابع للحركة وبالتحالف مع الاتجاه اليساري بإقامة ندوة في جامعة الخرطوم ألقاها الدكتور حسن الترابي عميد كلية الحقوق بالجامعة حيث برز نجمه السياسي آنذاك.

وفي شهر ديسمبر من العام نفسه تم تكوين (جبهة الميثاق الإسلامي) لتكون إطاراً جديداً يتم من خلاله التعبير عن أهداف ورؤى الاتجاه الإسلامي.

وقد عقدت الجبهة أول مؤتمراتها التي ضمت إلى جانب حركة الإخوان المسلمين كل من أنصار السنة وبعض قيادات حزب الأمة، حيث تم اختيار الدكتور حسن الترابي أميناً عاماً أثناء مؤتمرها التأسيس، واستمر هذا التنظيم ما يقارب خمسة أعوام شهدت الساحة السياسية السودانية خلالها عدة نشاطات وتحركات مكنت الحركة من تحقيق عدة مكاسب سياسية منها الاستحواذ على الشارع السياسي وتعبئته دينيا ومنافسة بل والقضاء على شوكة الحزب الشيوعي السوداني.

لم يستسلم الاتجاه اليساري لتلك القوى الإسلامية التي استطاعت تحجيمه ولكنها لم تستطع القضاء عليه بالكلية، حيث تمكنت بعض القوى العمالية والاشتراكية والناصرية في بداية عام 1968م من تكوين جبهة (يسارية عريضة) تمكنوا من خلالها على صدارة الواجهة السياسية والسيطرة الإعلامية ومن ثم المشاركة في انقلاب عام 1969م الذي قاده العقيد جعفر نميري وإزالة كل المظاهر والأنشطة الحزبية والسياسية.

في عام 1985م عندما كان النميري خارج البلاد قام وزير دفاعه الفريق عبد الرحمن س&