الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

22  تشرين الثاني 2005

" العقلانية " في إطار الفكر الإسلامي - المعتزلة نموذجاً

كتابات - الباحث غسان على عثمان

توطئة:

لو أجلنا النظر في الوعي العربي  ( الإسلامي والمسيحي والعلماني) بتبايناته الفكرية تجاه النص الديني سوف نخرج بنتيجة مفادها أن هذا الوعي لم يكتمل بعد ولم يخرج حتى الآن من الرؤية العبثية لقوانين الحضارة والفكر الإنساني مادة وروحاً وتفشي اليقين المستهجن في التمسك بالنقل وعدم قبول البعث الواقعي الجديد للنص والذي ينادى به المخلصون للحق الذين يتبنون الوعي الحر وينشدون الفكاك من قبضة التاريخ المثالي ،  ليصلوا للنص العقلاني ويصنعوا حضارة جديدة تأخذ في حسبانها وبين وجدانها الثقافي الوعي بالأنسنة كأعظم ما يكون من فكرة ، والمعتزلة كفرقة كلامية تبنوا رؤية موضوعية عقلانية تجاه الدين وهي عقلنة الوعي بالنص روحاً وكيان ،  حيث تعترف هذه المدرسة بأن الله خلق الكون، لكنها تعود فتقصر فعله على عملية الخلق فقط، وتنفي عنه أي تدخل لاحق في العالم. وهكذا ترك المعتزلة العالم يتطور وفقا للقوانين الطبيعية التي أوجدها الخالق. لقد آمن هذا التيار بأسبقية العقل على الإيمان، وقال بحرية الاختيار. فحسب رأيهم: لقد خلق الله الإنسان وزوده بمقدرة الفعل والاستطاعة. وبناء على ذلك، فالإنسان يتصرف بهذه المقدرة للقيام بأفعاله سواء أكانت خيرا أم كانت شرا. وللتدليل على ضرورة التوفيق بين عملية الخلق ثم الفعل الكامل بين الله والكون ،  فحربهم كانت موجهة في أصلها لأجل تقرير علاقة جدلية بين الفعل الوجودي والأمر الإلهي ،  فالاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على مرتكب الكبيرة ، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر. وفكر  المعتزلة ما زال موجودا حيا في الصدور ومكتوبا في السطور، وما زالت فرق عديدة تتبناه، وإن اختلفت مسمياتها، فضلا عن انتصار كثير من الحداثيين لمنهج الاعتزال في تقديم العقل على النقل وجعله حاكما على نصوص الشريعة.

فالأزمة الحقيقية كانت هي الخروج بلغة قراءة جديدة تحدد الأطر المعرفية في إقامة عقلانية مستنيرة لمواجهة فرضية النقل التقليدية ، وهذه القضية شغلت العقلية العربية والفلسفية خاصة منذ سابق العهد ، ففي قلب التاريخ العربي وبالذات مرحلة الإيمان بالإنسان كقيمة عالمية والواقع العملي ليحدثوا ثورة فكرية تشاء وتريد أن تصنع العقل في النص .  ولم كانت اللغة هي المصدر لتبيين الوعي ونشر الفهم فبنا أن نعرف ونوضح مبدأ نشوء الكلام!

ما هو علم الكلام:

الكلام في اللغة : هو اللفظ المركب الدال على معني بالوضع والاصطلاح   ،  وتحدث الغزالي عن الكلام بقوله : ( لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض فيه ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور ، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها )  ، ويري الفارابي أن صنعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة أرائه " إن الكلام صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة ، وتزييف كل ما خالفها من الأقاويل"  ، ويعقد صاحب المقدمة علاقة جدلية  بين علم الكلام و الإيمان العقلي " إن الكلام علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السف وأهل السنة "

نفهم من ذلك أن علم الكلام هو محاولة لنشر الوعي العقلاني وإقامة سلطة منطق وموضوعية حجة في قراءة النص تبتعد عن مفهوم النقل التقليدي الذي يقول به أهل الجمود، وهي محاولة جريئة بمقاييس ذلك العصر وكم نتعجب من أنه لا يزال حتى الآن من يحاول  إغلاق باب الاجتهاد في النص ويقوم بحراسة الوعي النقلي ولا يسمح بالتجديد ولا بإضاءة المعتم من الأشكال المعرفية ويسمى أي محاولة لثورة عقلية تود أن تصنع نصاً ممتلئاً بالثبات المادي ....!!!.. 

وفي القرن الثالث الهجري تطور الكلام إلى محاولات لصياغات نظرية أكثر عمقاً وتأسيساً على يد إبراهيم بن سيار النظام (ت231هـ/845م) الذي كان تلميذاً لواصل بن عطاء وهشام الفوطى (ت217هـ/837م) والشحام (ت232هـ/847م) وعبّاد بن سليمان (ت249هـ/864م) والجاحظ (ت254هـ/847م) الذي كان تلميذاً لإبراهيم النظام، وهؤلاء كلهم من معتزلة البصرة، ومعهم معتزلة بغداد الذين عاصروهم ومنهم بشر بن المعتمر (ت209هـ/825م) وأبو موسى المردار (226هـ/841م) والإسكافي (240هـ/915م). ثم جاء من بعدهم من البصريين أبو علي الجبائي (ت302هـ/915م) وابنه أبو هاشم الجبائي (ت321هـ/933م) ومن معتزلة بغداد أبو الحسين الخياط (ت289هـ/902م) وأبو القاسم الكعبي (ت318هـ/931م) وأبو رشيد النيسابوري (ت415هـ/1024م).

ما هي أهم القضايا في علم الكلام: -

لقد خاض المتكلمون في أمرين أساسيين هما: الإلهيات والطبيعيات. ففي الإلهيات بحثوا في صفات الباري وأفعاله وقدرته وعلمه وإرادته، إلى جانب البحث في مسائل القضاء والقدر والبعث والمعاد والنشور. وهذه المباحث سميت "جليل الكلام".

مما يلفت النظر أن مباحث الكلام نشأة أولاً ضمن دائرة العقيدة الإسلامية الداخلية، وعلى هذا يتفق جمهور الباحثين القدماء والمعاصرين  سواء كانت هذه النشأة قد تسببت عن الفتنة أيام عثمان بن عفان أو عن الاختلاف في حكم مرتكب الكبيرة أو في الاختلاف حول شرعية النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية وظهور المرجئة وانشقاق الخوارج. لذلك فقد جرى البحث، وقام الخلاف، أولاً في مسائل جليل الكلام. وكانت المشاكل كلها في هذا السجال الكلامي تنحصر في دائرة التأويل، تأويل النص القرآني بوجه خاص باعتباره (أي النص القرآني) المصدر الأساس الذي يتفق عليه المسلمون جميعاً.  ولكن عندما توجه المسلمون بفكرهم وعقيدتهم إلى حجاج الملل والأديان الأخرى كالمانوية والسمنية والنصارى صار عليهم أن يقارعوا الحجة العقلية بحجة عقلية مواجهة، فالغير لا يقبل الاستناد إلى آي القرآن ولا نصوص الحديث. لذلك كان لابد من البحث في أصول وفصول العقيدة. وتذكر المصادر  أن أبو الهذيل العلاف كان أول المنافحين عن العقيدة الإسلامية في مواجهة العقائد المانوية وعقائد السمنية التي ظهرت بعد فتح المسلمين للهند.

فقد بعث هذا الرجل البعوث العديدة إلى خراسان وبلاد الهند كما بعث بعوثاً أخرى إلى بلاد المغرب. ما يهمنا هنا أن الضرورة العملية جعلت أبو الهذيل وأصحابه ومن جاء من بعدهم يؤسسون لنظرية "علم الكلام" بناءً على منطلقات عقلية صرف. فصاروا يبحثون في أشياء العالم كلها المادة وصفاتها وتحولاتها وتفاعلاتها والحركة والسكون والمكان والزمان والثقل والممانعة والوجود والعدم وغير ذلك من الصفات الطبيعية والظاهرية، فخرجوا برؤية شاملة قامت على جملة مبادئ وأُسس عقلية. وقد سميت هذه المباحث في ما يُعرف بالأمور الطبيعية، "دقيق الكلام".

 دقيق الكلام:-  المنهج المعرفي :

رغم أن أبو الهذيل العلاف وأصحابه أسسوا لدقيق الكلام على أسس عقلية صرف، إلا أن هذه المنطلقات لم تكن لتتأسس دون هدي عقيدي يميز منهجهم ويؤطر رؤيتهم، فقد كان الهدي القرآني دليلاً لها. فالقرآن فضلاً عن كونه كتاب شرع فهو كتاب عقيدة والعقيدة تشتمل على معرفة الخالق ومعرفة المخلوق والعلاقة بينهما، فهما طرفي المعادلة التي تؤلف العقيدة الإسلامية. ولما كان الله هو الخالق وهو العليم المطلق ولما كان الوحي (القرآن) هو رسالته التي بلّغها للناس رسوله الكريم بلسان عربي مبين، فإن منطلق الفهم الإسلامي للعالم هو الرؤية القرآنية في إطارها العام، وللعقل بعد ذلك أن يجتهد ضن هذا الإطار. أما الاجتهاد من خارج الإطار الإسلامي فهو ما ليس منه وهو رد، وهذا هو الابتداع. لذلك اعتمد المتكلمون بعد أبي الهذيل في البحث في مسائل دقيق الكلام منهجاً ينطلق من الله ليفهم العالم ويفسره. خلافاً لمنهج الفلاسفة اليونانيين كأرسطو وأفلاطون ومن شايعهم من فلاسفة المسلمين كالشيخ ابن سينا وأبو الوليد بن رشد ، الذين انطلقوا من العالم ليفهموا الله ويعرفوه. هذا هو الأساس في الاختلاف المنهجي بين المتكلمين والفلاسفة. والحق أن السبيل الثاني (أي الانطلاق من العالم إلى الله) ممكن ولربما يكون هو المرجح في بادئ الرأي. لكن النظر مرتين في المسألة يكشف لنا أن العقل وحده لن يستطيع أن التوصل إلى المعرفة الحق بالله كونه يعمل بالقياس. وقد كان هذا (أي اعتماد القياس العقلي في مباحث جليل الكلام فيما يختص بالصفات الإلهية) هو الخطأ القاتل  الذي ارتكبه المتكلمون في جليل الكلام مثلما هو خطأ الفلاسفة أيضاً عند بحثهم في الإلهيات فيما يسمونه "القياس البرهاني". ففي كلا الحالين قياس للغائب على الشاهد. الأول (أي الذي عند المتكلمين) مستند إلى النص يتأوّله بالعقل قياساً، والثاني (أي الذي عند الفلاسفة) يستند إلى العالم يرفعه بالقياس إلى الله جُزافاً. لذلك لم يكن غريباً أن يتأول أرسطو ومن شايعه السماء أنها حيوان وأن لها نفساً ويتأول أجرامها على أنها كائنات من جنس آخر ويعتبر الجسم السماوي من طبيعة خامسة هي الأثير . ونحن نعلم اليوم أن هذا كله غير صحيح.    

ويجد الباحث أن المعتزلة  والمتكلمين  يتفقون على الأغلب في معظم مسائل دقيق الكلام فيما يختلفون في جليله. وأبرز اختلافهم هو في مسألة خلق الأفعال ومسؤولية الإنسان عنها، فعلى حين قالت المعتزلة بأن الإنسان خالق لأفعاله، قال الأشاعرة بأن الله هو الذي يخلق الأفعال اعتماداً على قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) ولكن حينما شعروا بأن الأفعال الباطلة والمخالفة للشرع يمكن عندئذٍ أن تُعزى بهذا القول إلى الله والله (لا يأمر بالفحشاء) وأن (الله لا يحب المفسدين)، فضلاً عن أن القول بأن الإنسان خالق لأفعاله يتعارض مع آيات قرآنية كثيرة، قالوا بنظرية "الكسب" التي تقول بأن للإنسان كسباً واكتساباً عملاً بالآية (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

من المعروف تاريخياً أن مباحث جليل الكلام هي التي أنشأت الاختلاف والشقاق بين المسلمين حتى صار بعضهم يُكفّر البعض الآخر، وهذه المباحث في صفات الله وعلمه وقدرته وإرادته هي التي جاءت بكل الترّهات التي شهدها تاريخ الخلاف بين المعتزلة ومن خالفهم من الفرق وهي التي تبلورت في محنة القول بخلق القرآن وراح ضحيتها الفقيه محمد بن نوع وقد وقع الأذى أيضاً على الإمام أحمد بن حنبل ، إذ سيق في القيود لكي يقابل المأمون في طرسوس ولكن المأمون مات قبل أن يصل إليه الإمام أحمد غير أن خليفته المعتصم مزق جسده بالسياط ، وقد  ألقت بضلالها السقيمة على العقيدة والفكر الإسلاميين، وليس غيرها. فلم يكن هنالك خلاف بالرغم من أن نشوء الأشعرية أنفسهم قد جاء من رحم المعتزلة فأبو الحسن الأشعري كان معتزلياً درس على أبي علي الجبائي (ت 330هـ) وانشق عنهم. 

لا بد من التنبيه هنا إلى حقيقة تاريخية تقررها طريقة عرض المتكلمين أنفسهم وهي أن استدلالهم قد اعتمد الطريقة الجدلية والخطابية، ولم يستخدم المتكلمون في نهجهم أي نوع من الرياضيات أو الحساب غير ما اعتمدوه من أساسيات المنطق والبيان العربي الذي يكمن أساساً في لغتهم فقامت اللُّغة العربيَّة عندهم مقام الرياضيات كما أنهم خلطوا البحث في طبيعة الأشياء مع البحث في صفات الباري وأفعاله في الوقت الذي بحثوا فيه أفعال الإنسان وجبره واختياره، منطلقين من رؤيتهم الشمولية المتداخلة للمسائل التي عالجوها معتمدين منهجهم الذي يبدأ من الله لينزل إلى فهم الطبيعة والإنسان في طريق معاكس تماماً للمنهج اليوناني الذي يبدأ من الطبيعة والإنسان ليصل إلى الإله،  لذلك لم يكن همهم الأساس النظر في الطبيعة ومحاولة استكشاف قوانينها ونواميسها بقدر ما كان همهم منصباً على إثبات وجود الله واثبات صفاته وقدرته الحاضرة أبداً. إنما يبقى التأسيس النظري الفكري في دقيق الكلام وما حمله من مبادئ ومفاهيم وما عالجه من مسائل هو العطاء العلمي ذي القيمة التاريخية الأعظم.

من هم المعتزلة ؟

يري صاحب الملل والنحل : –  

ويسمون‏:‏ أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية‏.‏

وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركاً وقالوا‏:‏ لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى إحترازاً من وصمة اللقب إذ كان من الذم به متفقاً عليه لقول النبي عليه السلام‏:‏ ‏"‏ القدرية مجوس هذه الأمة ‏"‏‏.‏

وكانت الصفاتية تعارضهم‏:‏ بالاتفاق على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد فكيف يطلق لفظ الضد على الضد وقد قال النبي عليه السلام‏:‏ ‏"‏ القدرية‏:‏ خصماء الله في القدر ‏"‏ والخصومة في القدر وانقسام الخير والشر على ما فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم والحكم المحكوم‏.‏

والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد‏:‏ القول بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته ونفا الصفات القديمة أصلاً فقالوا‏:‏ هو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة‏:‏ هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية‏.‏

واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فإن ما وجد في عرض قد فنى في الحال‏.‏

المعتزلة أو الواصلية:

المعتزلة فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية  والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية .

• اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤية وجهتين:

ـ الوجهة الأولى: أن الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على مرتكب الكبيرة ، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدة أسباب:

1 ـ أنهم اعتزلوا المسلمين بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين

2 ـ أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري وشكل حقلة خاصة به لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن: "اعتزلنا واصل".

3 ـ أو أنهم قالوا بوجوب اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته.

ـ والوجهة الثانية: أن الاعتزال نشأ بسبب سياسي حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية، أو أنهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة علي ومعاوية فاعتزلوا الفريقين.

• أما القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ مؤرخ المعتزلة ـ فيزعم أن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من اعتزل الشر سقط في الخير(. 

السبب في تسميتها بالمعتزلة وهذا ما سوف يدخلنا في أزمة ثقة مع الرواة فقد رويت قصة السبب في بداية فكرة الاعتزال بروايات مختلفة وأسماء مختلفة بعضها كان يتأدب في رواية الحديث ( فن إخراج القصة) وبعضها يغفل جوانب منطقية الحبكة والبعض الآخر يتعامل مع هذه الرواية بشكل انتهازي ولعل أقرب الروايات إلى قلب المفكر العربي التاريخي ما دون في موسوعة الملل والنحل لصاحبها الشهرستاني مع أننا نختلف كثيراً جداً ونصنع النقد الموضوعي في قراءتنا لرواية الشهرستاني وهي قصة الخلاف الشهير بين التلميذ واصل بن عطاء (81-131هـ) زعيم المعتزلة الأول وأستاذه فقيه عصره وإمامه الحسن البصري ولكن لنستعرضها ونصنع سؤالنا حولها: - يقول الشهرستاني  ( أنه دخل واحد (!)، على الحسن البصري فقال:عطاء:ام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً في الإسلام ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً ؟ وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً بل هو في المنزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر بما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة ) "

وهناك رواية أخرى يرويها أبو الحسين الملطي يقول فيها أن سبب تسميتهم بهذا الاسم " أنهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك لما بايع الحسن بن على، عليه السلام معاوية وسلم له الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وذلك أنهم كانوا في أصحاب على فلزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة"

( مداخلة : نلحظ وبشكل دقيق أن عادة ما تأخذ الرواية التاريخية صوراً مختلفة حتى ليظن الباحث والقارئ الحصيف أنه لا توجد علاقة بين هذا التعدد الهائل الذي يتناول القصة والرواية التاريخية وكأنما كلاً يحكي شيئاً مختلفاً لا مادة واحدة ، وأشد ما يلفت الانتباه في رواية الشهرستاني أنه يقول بالانفصال العقدي بين التلميذ وأستاذه أي بين واصل والبصري في اختلاق للحدث ، والغريب أن مسألة صمت الإمام البصري عن الإجابة وعزوفه عن التعجل في إبداء فتواه لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يملكها ! بل يعقل جداً أن يتأنى في فتواه ولا يعجل بها ! ، هذه واحدة ، الثانية أن واصل قد أجاب نيابة عن شيخه وأستاذه وهذا لا يشبه تأدب التلاميذ أمام أستاذهم وشيخهم أبداً! ولا يعقل أن يؤسس مثل هذا السؤال الذي طرحه ( أحدهم!!) للخلاف والخروج الغير مبرر من حلقة درس اعتاد واصل أن يرتادها!

وتفتقد الرواية إلى عنصر المواجهة العلمية الفكرية فلماذا لم يواجه واصل أستاذه بعد إجابته تلك؟ بل أخذت الرواية بظاهرة توفيقية لا تتميز بالانسجام ولا الترابطية ، وأفرغت المحتوى الكلامي من مدلول صدق القضية! بل الأجدر بنا أن نقول بوجود اختلاف نوعي إلى حد كبير في نمط تفكير التلميذ ونمط تفكير الأستاذ بما يأخذنا للشك في ولاء هذا التلميذ لأستاذه! وإيمانه به! وتسليمه بعقليته! بل كان الاختلاف موجوداً بينهما ولعله اختلاف في عقلية كليهما ، مما يدفعنا للشك أيضاً في أن واصل كان تلميذ للبصري !؟ فكيف يظل تلميذاً مستمعاً آخذاً العلم والفتاوى من أستاذاً لا يعترف بأنه مرجعية!!

هذا إذا قلنا بضرورة نقد الرواية التاريخية، ولكن لنسلم بما جاء فيها وندخل للمعتزلة كفرقة أسست مفهومات واسعة أسهمت بالإنجاز الفكري المقدر في وصفها لأزمة علاقة  العقل والنقل.

أعلام المعتزلة :

واصل بن عطاء ( 81 - 131هـ) :-

شيخ المعتزلة الأول، درس بالمدينة المنورة واستقر بالبصرة حيث لازم مجالس الحسن البصري إلى أن انفصل عنه في جماعة من أصحابه على رأسهم عمرو بن عبيد شريكه في تأسيس الاعتزال، وتنسب لواصل عدة مؤلفات أهمها الأساس النظري للفكرة التي نادى بها وهما رسالة " المنزلة بين المنزلتين " و رسالة " العدل والتوحيد" و " التوبة" و " معاني القرآن" و " السبيل إلى معرفة الحق" ولعل أطول مؤلفاته هو ما كتبه في الرد على المانوية، أصحاب الديانة الفارسية المنسوبة إلى " ماني" مجدد الديانة والفكر والتصور الزرادشتي للكون، والقائلة بوجود إلهين اثنين، أحدهما للخير والثاني للشر. وقد يعد واصل أحد الذين أصلوا لعلم "الكلام" الذي مارسه من قبله المتكلمين الأوائل أمثال، غيلان الدمشقي ومعبد الجني الذين طرحوا قضايا سياسية بمفاهيم دينية، مثل "القدر" ( حرية الاختيار وبالتالي المسئولية) و "الإيمان" ( هل هو مجرد قول باللسان وتصديق بالقلب؟ أم أنه قول وتصديق وفعل؟) و "مرتكب الكبيرة".

ويروي الإمام الذهبي في ترجمته في السير :" البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري الغزال .. مولده سنة ثمانين بالمدينة، .. طرده الحسن عن مجلسه لما قال الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن فسموا المعتزلة "

 

أبو الهذيل العلاف ( 131- 235هـ):

أبو الهذيل العلاف، كان المنظم للمذهب، المنافح المدافع عنه، وهو شيخ المعتزلة والمناظر عليها ولم يدرك في أهل الجدل مثله وهو أبوهم وأستاذهم، درس بالبصرة واخذ الاعتزال من أحد تلامذة واصل بن عطاء، وتعرف على المذهب المانوي وجادل أهله، وطالع كتب الفلاسفة، إذ عاش في عصر ازدهار الترجمة، انصرف أبو الهذيل وتلامذته إلى الرد على المخالفين " من أهل الديانات الأخرى" خاصة المانوية أو المثنوية القائلة بوجود إلهين، إله للخير وإله للشر، (راجع: أبو الحسين الملطي: التنبيه والرد على أهل والبدع - مكتبة المثنى ببغداد، ومكتبة المعارف بيروت 1968 ) "على الرغم من أن، الزرادشتيون يصور الحياة بأنها صراع بين الخير والشر، وليس بين إلهين، فهم يؤمنون بأهورا مازدا وتعني خالق الحكمة كخالق واحد أحد، ومن معاني الأثنينية أيضاً كون الشيء مشتملاً على مبدأين مستقلين لا ينحل أحدهما في الآخر، كأثنينية الحقية والخلقية في فلسفة القديس توما الأكويني أو الهوى والحرية، أو الإرادة والعقل، أو الجسم والروح في فلسفة ديكارت – الكاتب "

قواعد المذهب:

القاعدة الأولى:

 القول بنفي صفات البارئ تعالى من العلم والقدرة والإرادة والحياة، ( وهذا هو معنى التوحيد عند المعتزلة) أي أن الله تعالى عالم بعلمه، قادر بقدرته، مريد بإرادته، موجود بمكانيته هو، ومثل هذا الفهم يحيلنا إلى معرفة الصفات الإلهية ( Attributes Divines ) وهي ما يوصف به الله من صفات التعظيم، كالقدرة والإرادة والحياة وموقف المعتزلة يختلف عن موقف الصفاتية (فرقة قالت بأزلية الصفات) فالصفاتية يثبتون لله تعالى صفات الأزلية، ولا يفرقون بين الذات وصفات الفعل، حتى لقد بلغ بعضهم في إثبات الصفات إلى حد التشبيه  فالمعتزلة تقول بنفي الصفات لامتناع تعدد القديم، لأننا إذا قلنا أن الله تعالى قادر، وعالم، وحي، ومريد، كانت هذه الصفات قائمة به منذ الأزل، كانت قديمة مثله، ولا قديم إلا الله. ويعني هذا أن الصفات عند المعتزلة ليست مختلفة عن الذات ، وإنما هي والذات شيء واحد ، ولذا فالمعتزلة يمكن أن نسميهم "نفاة الصفات ، معطلة الذات".

القاعدة الثانية للمذهب: القول بالقدر :

أن بقدرة الإنسان على إتيان أفعاله الشيء الذي ترتب عليه المسئولية والجزاء. ومثل هذه القضية لا تزال تؤرق العقلية العربية حتى قضية " التخيير والتسيير أي الإنسان مسئولاً عن أفعاله" ويصعب التكهن بن&