|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
21 تشرين الثاني 2005 |
|
مقدمة في فلسفة التاريخ من منظور إسلامي مفهوم التعالي وتأليه العقل في الفكر الغربي
كتابات - الباحث غسان على عثمان
تقدمة : التاريخ History : كثيرا ما نتداول كلمة (التاريخ) ولكن دونما وعي منا بمحيطها وبنيتها الحقيقية، فنحن نستخدمها لنعرف السابقات ونميزها بجعلها داخل إطار زماني محدد ، ونتغاضى عن البحث في جذور هذه العلاقة الزمانكانية ، وليس هذا حال الغير متخصص بل ولدى أهل الاختصاص تختلف المصادر حول تعريف هذا المصطلح (التاريخ) ، فمن قائل "هو علم يبحث في الوقائع والحوادث الماضية" ، والعلامة بن خلدون والذي يعرض للتاريخ من وجهة نظر عالم المجتمع فيربط الجزئي بالكلي ويتحقق من فرضية القضية بمشاهدة مختبرية مذهلة للظواهر والتحولات الاجتماعية يقول : ( إنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال ، مثل التوحش والتأنس والعصبيات ، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها ، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع ، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال ) ، والتاريخ هو " العلم بالأمور الجزئية لا بالأمور العامة ، والقوة النفسية اللازمة له هي الذاكرة ، وهو خلاف الشعر لأن الشعر خيالي والتاريخ واقعي ، وخلاف الفلسفة لأن الفلسفة موضوع كلي وموضوع التاريخ جزئي ، وينقسم التاريخ إلى ( التاريخ الطبيعي ، والتاريخ المدني ، فعلم الأرض يبحث في تاريخ الأرض ، وعلم المستحاثات يبحث في تاريخ الأنواع الحية المفقودة ، وتاريخ الإنسان يبحث في أحوال البشر ووقائعهم الماضية)، وقد ربط فيكو ( 1668- 1744) صاحب كتاب ( العلم الجديد – Scienza Nuova ) التاريخ بثلاثة أطوار " الدور الإلهي ، والدور البطولي ، والدور البشري" ، وهو عند سقراط ( المعرفة) وعند أرسطو ( جمع الوثائق) ، وتطلق كلمة تاريخ أيضاً بما تعاقب على الشيء في الماضي من الأحوال المختلفة. والتاريخانية: و التاريخانية أو النزعة التأريخية ، أو المذهب التاريخي (Historicisme) أي التأريخ كمبدأ وحيد للتفسير، تفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان (حتى الديانات) عن طريق شروطها التأريخية، فالتاريخ يكفي نفسه بنفسه، ولا علاقة له بأي مبدأ آخر للتفسير، لأن التاريخانية تنفي كلّ المبادئ الأخرى كالغيب والوحي والرسالات... الخ ، مثلا فلسفة التأريخ عند (هيجل) والمادية التأريخية والمادية الجدلية عند (ماركس). فالتاريخانية ليست مجرّد منهج بل هي مذهب يرى بأنّ كلّ حقيقة مهما كانت النتيجة للشروط التأريخية. كما تجدر الإشارة إلى أنّ التاريخانية شيء والاعتماد على التأريخ في تفسير بعض الظواهر الاقتصادية والسياسية شيء آخر وهنا يوجد الفرق المنهجي بين القراءة الإسلامية لتاريخ البشرية وبين قراءة هيجل المثالية. فإذا كانت التاريخانية تنفي كلّ مبدأ للتفسير خارج التأريخ فإنّ الدراسة التأريخية (التأريخية أي الاعتماد على التأريخ) لا تنفي هذا المبدأ. فالتاريخية دراسة علمية فهي لا تنفي الغيب التأريخية كالنزعة الاجتماعية (الاجتماعوية) (Sociolgime) أي تفسير كلّ الظواهر والحقائق بالاعتماد على التفاعلات الاجتماعية أي الشروط الاجتماعية ، وهذا ما ينفيه الفلاسفة المثاليين ، فالنزعة الاجتماعية تنفي الغيب وترى بأنّ علم الاجتماع يكفي نفسه بنفسه. ، وفي ذات السياق الاجتماعي يري د. برهان غليون أن مراحل ثابتة في تاريخ مرسومة في ترسيمة تاريخية كونية سابقة ، أو مقدرات مجتمعية ثابتة أو نموذجية (أنني لا أعتقد بوجود مراحل ثابتة في تاريخ مرسومة في ترسيمة تاريخية كونية سابقة على قيامها فأنا لا أعتقد أيضا بوجود مقدرات مجتمعية ثابتة أو نموذجية. فالمجتمعات هي ثمرة عمل أبنائها في شروط بيئتهم المحلية والإقليمية والعالمية. ونظرية المراحل التاريخية الماركسية الخماسية المعروفة تجريد عمومي محض. ولذلك قلنا عنها إنها ترسيمة فحسب ولا علاقة لها بالتاريخ الفعلي لأي مجتمع من المجتمعات ) أما الدراسة الاجتماعية فهي شيء آخر. فالدراسة الاجتماعية أو السيوسيولوجية: أي الاعتماد على علم (الاجتماع) ليست مذهباً كالنزعة الاجتماعية بل هي منهج. وقد اعتمد منظرو نظرية المعرفة في كل كتاباتهم على الدراسة الاجتماعية ورفض من الأساس كلا من التاريخانية والنزعة الاجتماعية ، لذا يمكننا القول بأن التاريخانية هي فلسفة التاريخ. ونشأة مذهب التاريخانية ترجع إلى أقدم العصور التاريخية كما يرى فيكو والذي يري أن مباحث التاريخانية أو فلسفة التاريخ ترجع إلى أقدم العصور منها كتاب ( مدينة الله) للقديس أوغسطين ، ومقدمة بن خلدون ، وكتاب الأمير لمياكفللي ( 1532) ، وكتاب الجمهورية (1577) لجان بودن ، وخطبة في التاريخ العام (1681) لبوسيه ، والحكومة المدنية (1690) لجون لوك ، ومن الذين بحثوا في فلسفة التاريخ مونتسيكو صاحب (روح القوانين). فلسفة التاريخ من منظور إسلامي: لا يمكن صياغة رؤية عقلانية إلى التأريخ إلا باتخاذ موقع من التأريخ والنظر إليه ككل. هذه النظرة إلى التأريخ من الخارج هي التي تمكّن فيلسوف التأريخ من النظر إلى الحوادث في ترابطها، وتمكنه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل. ثم يستمر فيلسوف التأريخ في هذه العملية فيتجاوز حدود توقع المستقبل وينتهي إلى طرح مشكلة غاية التأريخ أو (نهاية التأريخ). إنّ هذه الطريقة لصياغة فلسفة التأريخ وفي طرح مشكلة نهاية التأريخ وغايته تعتمد على تعالي مزيف ما دامت عملية التنظير تتمّ من منظور وضعي وفي التاريخانية وفي كلتا الحالتين فإنّ الفكر المنظّر لا يملك مقومات التعالي على الحاضر، ليسمح لنفسه بالنظر إلى التأريخ نظرة كلية تمكّنه من تنظيره وتصور غايته. "هذا العائق الذي يقف أمام الفكر في مجال التنظير يعبر عن أزمة قاتلة للعقل تختلف عن أزمة العقل المنتجة للمعرفة" . وهكذا فإن الإشكال المطروح هو كالتالي: ما هي المقومات المعرفية، التي تسمح للفكر بتأمل التأريخ من أعلى أي من خارج التأريخ حيث يتمكن الفكر من التحليق فوق حركة التأريخ فيكتشف مصدرها ومعناها ونهايتها؟ لذلك يمكن القول: بأن الفكر غير المرتبط بالتعالي هو فكر مستغرق في الزمان (في الزمان الحاضر) فالفكر هنا لا يتجاوز حدود الحادثة التأريخية، وزمانيته تشكل محدوديته. لا يستطيع هذا الفكر إذاً أن يعي نفسه خارج التأريخ. التاريخانية وفلسفة التعالي: لكنّ القول بعلاقة الفكر بالتعالي في مجال تنظير فلسفة التأريخ لا يعني أنّ الفكر يتعالى على التأريخ بالمعنى الكلي(*) لهذه الكلمة. أي أنّ التأريخ لا يؤثر في الفكر. فالفكر يحدد بتعاليه وبتاريخيته في نفس الوقت، فتعاليه لا ينفي تاريخيته، وتأريخيته لا تنفي تعاليه. وفي المفهوم الإسلامي لفلسفة التاريخ نجد أن التعالي هنا بعني الأعلى ( Transcendant) أي الذي يسمو إلى العلا ـ حتى يجاوز كل حد معلوم معتمدا في ذلك على البعد الغيبي الواقعي للحال التاريخي ، وهذه هي الحقيقة لأن مصدر المعرفة هو الله فهو الأعلى وله جميع الكمالات ، لا يحده شيء وهذا السمو يستمر في الارتقاء إلى غير نهاية. إنّ فلسفة التأريخ من حيث هي نظرة شمولية إلى التأريخ في حاضره وماضيه ومستقبله تحتاج إلى التعالي، إلى مصدر متعالي يمكّن الإنسان من إعطاء معنى للتأريخ والنظر إليه نظرة كلية نسبياً. والنظرة العلمية إلى التأريخ لا تتناقض مع التعالي إلا إذا فهم (التعالي) خارج النزعة الغيبية أي بمفهومه المبتذل أي خارج جدلية الغيب والإنسان.
(*) مفهوم التعالي هو : (1) القول أن وراء الظواهر الحسية المتغيرة جواهر ثابتة ، أو حقائق مطلقة ، قائمة بذاتها. (2) أو القول أن هناك علاقات ثابتة ، محيطة بالحوادث ومستقلة عنها. - نستخدم التعالي هنا بمعني " المفارق الذي ليس فوقه شيء ، فالله تعالى ، هو المتعالي ، والعالي ، والعلي ، والأعلى ، وذو العلاء الذي ليس فوقه شيء .
وفي هذا السياق، فإن فلسفة التأريخ من منظور إسلامي تختلف عن فلسفة التأريخ التي بدأت في الظهور بالغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والتي تشكلت ضد اللاهوت. ففلسفة التأريخ في الفكر الغربي تنفي نفياً قبلياً كل علاقة مع الغيب ، والنظرة الإسلامية للتاريخ تستمد ملاحظتها من غير فكاك مع الطبيعي المطلق والذاتي المطلق. استحالة التعالي بدون (الله) تعالى : الأزمة المنتجة للمعرفة (أو الأزمة الايجابية) هي التي تأتي نتيجة لمواقف نقدية تجاه فكرة معينة أو نظرية معينة، فتنسف ما كان ينظر إليه على أنه من البديهيات، فتصبح النظرية غير صالحة لتفسير المشاكل المطروحة (سواء في مجال المادة أو في مجال العلوم الإنسانية). فالأزمة هنا تطرح سؤالا، وهو سؤال ملزم لكلّ معرفة جديدة. (إن كلّ معرفة علمية هي جواب عن سؤال، فإذا لم يكن هناك سؤال فلا وجود لمعرفة علمية) كما يقول غاستون باشلار (Gaston Bachelar) . أما الأزمة بمعناها السلبي فهي أزمة الاصطدام بعائق العجز الناتج من التناقض: إذ كيف يتصور الفيلسوف التأريخ من أعلى (أي فوق التأريخ) ويتوقع حركته في المستقبل ويرسم معالم هذه الحركة أو مراحلها إذا كان يتجاهل، أو لا يعترف بقدرة العقل على التعالي؟ وحتى لو قال الفيلسوف بالتعالي، فإنّه لا يكون تعالياً صحيحاً إلا إذا تمّ من موقع الإيمان بوجود الله، لأنّ التعالي الذي تطرحه كثير من الاتجاهات في الفكر الغربي هو تعالي من صنع الإنسان، هو تعالي مزيف مثله مثل الذي يريد أن يقفز فوق ظله ويسبقه. إنّ تحليل التاريخ لا بد أن يتمّ من موقع فلسفي يصل إلى مستوى المذهب في ميدان المعرفة التأريخية. فنحن مطالبون بحل مشكلة السببية ، ومشكلة القانون ، ومشكلة معنى التأريخ ومشكلة التقدم. ونرى أن كل هذه المفاهيم تحتاج إلى تحليلها في إطار نسقي يعبر عن مذهبنا وتصورنا في ميدان فلسفة التأريخ. وهذا الميدان يتميز عن المذاهب الغربية بجانب جوهري: وهو إنّ المذهب الفلسفي في التأريخ الذي نراه ليس مجرّد انعكاس للظروف الاجتماعية والتاريخانية كما تحددها الماركسية أو المادية الجدلية فقط بل هو محتكم إلى مرجعيتنا (القرآن كريم) ، والتي تجعل أفكارنا تتمتع بالتعالي أو على الأقل بروح المبادرة تجاه مؤثرات المرحلة التأريخية التي نعيش فيها. أي المرحلة المعاصرة. ونحن ننطلق من الدين كمطلق كوني بثلاثية هي جدل الإنسان والغيب والطبيعة إذ هي المحددات المنطقية لقراءة تاريخية منسجمة مع الطرح الإسلامي ، وهذه ليست محاكاة سينمائية لما طرحه أوغست كونت كمراحل لتطور الفكر الإنساني. ثنائية الفكر الغربي: على الرغم من أنّ بعض اتجاهات فلسفة التأريخ في الغرب تربط نظرتها بالتعالي، على الرغم من ذلك، فإنّ الثنائية هي الطابع العام الذي تتصف به كلّ مدارس الفكر الغربي. إنّ رجوع الفكر الغربي إلى الروحانية في هذه العشرينات أمر مشكوك فيه، لأنّ الروحانية التي ترتبط بها بعض مدارس فلسفة التأريخ، رؤيتها هي روحانية صورية ومن صنع الإنسان . أما الروحانية التي ننظر بها إلى التأريخ فهي روحانية مصدرها الوحي (القرآن كريم)، ولذلك فهي روحانية حقيقية وتعاليها على مؤثرات العوامل التأريخية هو تعالي حقيقي. مصدر التعالي وأثره التحرري: إنّ التعالي بمنظوره الإسلامي يستمد معناه من التوحيد الذي سيظل مبدأً ثابتاً، لأنه أصل الوجود كلّه، وأصل كلّ نظرة مستقبلية تسعى إلى تحرير الإنسان من الوضعية، خاصة ألوهية المفاهيم كالعقل المطلق في التأريخ عند هيجل أو المجتمع الشيوعي عند ماركس أو نهاية التأريخ عند فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama).. إنّ مبدأ العلاقة بين التعالي والتأريخ، في نظرنا، ليس مجرد مبدأ منهجي ومعرفي بل هو كذلك مبدأ تحرري. فعلاقة التعالي بالتاريخ تنتج عنها عملية تسريعية (لحركة التأريخ) تفجر الطاقات الكامنة في إنسان العالم الإسلامي وتعيد الفعالية للأمة الإسلامية لاستعادة مكانتها في العالم وفي التأريخ. إنّ قطع التأريخ عن التعالي يؤدي إلى واقعية تبريرية (الخضوع لثقل الواقع الفاسد) عكس الواقعية التغيرية، التي هي واقعية تحويل وتجاوز عوائق الأمر الواقع. سـنـن الله : وهكذا يمكن القول: بأن علاقة التأريخ بالتعالي لا تشكل عائقاً أبستمولوجياً (معرفياً) أمام التنظير الفلسفي للتاريخ. فالتعالي والقدر والإمداد الغيبي سنة من سنن الله. هذه المفاهيم القرآنية لا تتناقض مع العلاقة السببية التي تخضع لها الحوادث التأريخية. إنّ خضوع التأريخ لسنن الله يعني ربط عالم الشهادة بعالم الغيب، من جهة. وربط الحوادث التأريخية بعضها ببعض، من جهة أخرى من هذا المنطلق لابد من نفي اللاهوتية الدخيلة على الفكر الإسلامي (اللاهوتية على غرار الفكر المسيحي في العصور الوسطي). وفي تبنينا المنهج العلمي نرى بأنّ هناك سنناً تسود الطبيعة والمجتمع والتأريخ. وهذه السنن تجسد إرادة الله. ومن هنا نتجاوز العائق الابستمولوجي الذي يفصل بين التفكير اللاهوتي والتفكير العلمي. وقد تمّ هذا التجاوز بفضل مفهوم قرآني (سنن الله). إنّ تجاوز هذا العائق يفتح الباب واسعاً للفكر الإسلامي، لتنظير رؤية فلسفية إلى التأريخ في أفق علاقة التأريخ بالتعالي: التدخل الإلهي في حركة التأريخ يتمّ عن طريق سنن الله في الكون. ويتمّ هذا التدخل كإمداد غيبي لما تتوفر الشروط الموضوعية للتغيير. دور الإنسان : فالإنسان عامل أساسي في التغيير، لأنه مسئول عن توفير شروط التغيير، ومعنى هذا أنّ السببية وموضوعية الحوادث التأريخية لا تحدث قطيعةً مع الجانب الغيبي على غرار الفكر اللاهوتي المسيحي في العصور الوسطي. وتنتج عن هذه النظرة أنّ الإنسان يتحكم في مصيره، وأنّه لا يخضع خضوعاً كلياً للحتمية الاجتماعية والتأريخية. فالإنسان يربط الحتمية بالأهداف التي يرسمها وبالقيم الأخلاقية والدينية. هذا الموقف يختلف عن الفلسفة الوضعية، التي تمّت صياغة فلسفة التأريخ في إطارها. حيث إنّ الفلسفة الوضعية ليست لها ركائز فكرية تسمح لها بالقول: بأنّ الإنسان لا يخضع لحتمية مطلقة، لأن هذه الفلسفة لا تعترف بالتعالي، بل ترى أنّ كلّ معرفة مرتبطة بالتعالي هي معرفة غير علمية قد تجاوزتها حركة التأريخ. إنّ نفي التعالي في المجال المعرفي وفي المجال العملي يؤدي إلى حتمية مطلقة وقاهرة للإنسان. وعلى عكس الفكر الوضعي فإنّ فلسفة التأريخ من المنظور الإسلامي تفتح أمام الإنسان آفاقاً لا حدود لها لتغيير أوضاعه. إنّ منطق فصل التأريخ عن التعالي يكشف عن زيف الأرضية المعرفية، التي ينطلق منها الفكر الوضعي. ثم إنّ إلغاء إرادة الله من التأريخ يؤدي إلى تناقض، حيث يصبح التأريخ هو الذي يتمتع بصفة مباشرة أو غير مباشرة بصفات الألوهية. ومعنى هذا أنّ فصل التأريخ عن التعالي له نتائج سلبية على الصعيد المعرفي(تحويل النسبي إلى مطلق) وعلى الصعيد الاجتماعي (تأليه البشر للبشر). الفلسفة الوضعية جزء من التأريخ لا فوقه: والوضعية كمذهب ترى أن المعرفة اليقينية في الظواهر التجريبية، وتنكر وجود معرفة مطلقة "إلغاء التعالي" ، وترى أن التقدم بدأ في العلوم الطبيعة ، وبدأ ينتقل للعلوم الاجتماعية ، وأن العقل البشري يتقدم من المرحلة اللاهوتية الدينية إلى المرحلة الميتافيزيقية ، لكي يصل إلى المرحلة الوضعية. إنّ النظرة إلى حركة التأريخ من الزاوية الوضعية أمر مشكوك فيه من الناحية المنهجية إذاً فموقف فيلسوف التأريخ في المجال المعرفي ليس موقفاً متعالياً على حركة التأريخ، بل موقفه تاريخي ومستغرق في التأريخ. ومعنى هذا أنّ فلسفة التأريخ هنا هي مجرد ظاهرة تاريخية. إنّ النسق العقلي أي المعرفة التأريخية كنسق فكري، لكي يتمتع بالمشروعية في الميدان العلمي يجب أنّ يكون متعالياً على التأريخ أي غير مستغرق في التأريخ إلى درجة أن يصبح مجرّد ردّ فعل على ظروف المرحلة التأريخية، التي يعيش فيها فيلسوف التأريخ. وهذا التعالي مستحيل إذا تمّ الاعتماد على النظرية الوضعية وحدها. سلبية الإنسان في التفسير الوضعي: إنّ التفسير الوضعي للتأريخ يتضمن اللجوء الكلّي إلى الضرورة والى القوانين والى التطور الخطي والحلزوني لحركة التأريخ. هذه المفاهيم السابقة تصبح وحدها مبادئ وأدوات لتفسير التأريخ، فتحول هذا الأخير إلى منطق خارج الزمان ويصبح التأريخ ـ نتيجة لذلك ـ خاضعاً إلى حتمية مطلقة وقاهرة تنتهي إلى اعتبار الإنسان مجرد عنصر ثانوي من عناصر التأريخ، واعتبار المجتمعات البشرية مواضيع للدراسة كسائر المواضيع والأشياء الأخرى، التي تدرسها العلوم الطبيعة. فليس الإنسان إذاً هو الذي يعيش التأريخ، بل التأريخ هو الذي يشمل الإنسان في كلّ جوانبه إلى درجة أنّ الزمان هو الذي يعيش الإنسان. وإيجابيته في التفسير الإسلامي : هذا الموقف مع التفسير الذي تقدمه لنا الآية الكريمة: (إنّ اللهَ لا يغيّرُ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفُسِهِم) . حيث إنّ هذه الآية تتضمن التأريخ والزمان كما يعيشهما الإنسان. فتحديدنا لحركة التأريخ يختلف اختلافاً جذرياً عن التحديد الوضعي. فنحن نريد أن نحدّد التأريخ كدراسة لنشاط الإنسان عبر الزمان، نشاط يجسد خلافة الإنسان لله في الأرض أي: تأثير الإنسان في الطبيعة وفي المجتمع. هذا التحديد يجعل الإنسان هو الفاعل الأساسي في التأريخ لا الوقائع التأريخية، لأن هذه الأخيرة لا تستمد معناها إلا من الإنسان. عقلانية التاريخ: عقلانية التأريخ. وهي عقلانية تستمد مصدرها من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية المؤثرة في سير الحوادث وترابط بعضها ببعض. غير أنّ هذه العوامل ليست من قبيل الحتمية المطلقة، لأنّ الإنسان يؤثر فيها ويؤثر في قوانين التأريخ، وهو لا يخضع لقوانين التأريخ خضوعاً سلبياً، لأنّه يتجاوز ـ عن طريق وعيه ـ العوامل المؤثرة في التأريخ. وبدون هذا التجاوز لا يمكن أن يكون هناك تاريخ. ، فالإنسان هو الذي يصنع التأريخ (من التأريخ) ، وليس التأريخ هو الذي يصنع الإنسان كما ترى المدرسة الوضعية. مع العلم بأنّ هذا لا يعني بأن نحلّل حركة التأريخ من موقع مجرّد ومثالي. فإذا كان التأريخ لا يصنع الإنسان، فإنّ الإنسان لا يتطور ولا يجسد خلافته لله، وإنّ الأمة لا تحقّق خلافتها وشهادتها إلا في التأريخ وبفضل التأريخ. إنّ عقلانية التأريخ فكرة واضحة في المنظور الإسلامي. فالمجتمعات الإنسانية ليست مستقلة أو منفصلة عن التأريخ. إنّها تعيش في الطبيعة وفي المجتمع وترتبط بشروط مادية ومعنوية. وهذا الارتباط يشكل عقلانية التأريخ. غير أنّ هذه العوامل ليست تأثيراتها مطلقة كما يرى أصحاب النظرة التاريخانية. بل هي شروط لحركة التأريخ. إنّها شروط ضرورية ولكنها غير كافية. كما يمكننا القول "إنّ الرؤية التأريخية لا يمكن أن تتشكل كلية داخل التأريخ، لأنها سوف تبقى مجرّد ظاهرة تاريخية هي الأخرى. لكن ربط الرؤية التأريخية بمصدر خارج عن التأريخ (التأريخ والتعالي) لا يعني نفي العقلانية والسببية في سير الأحداث ونفي قوانين التأريخ. فربط التأريخ بالتعالي ـ كما أشرنا فيما سبق ـ يدعم عقلانية سير الحوادث. فالسنن التأريخية هي من هذا المنظور، جانب من جوانب علاقة التأريخ بالتعالي. ومعنى هذا أنّ حركة الأمة، وهي حركة تتم في إطار الاستخلاف والتسخير، لا يمكن أن تتحقق إلا بمعرفة السنن المحركة للتاريخ. فالنظرة إلى التأريخ التي لا تعتمد على ربط الحوادث ربطاً سببياً أي سننياً "، هي نظرة لا تاريخية وغير علمية وهذا يعني ربط أن التاريخ بالغيب لا ينفي تدخل العقل في قراءة وتفسير الظواهر التاريخية ، بل على العكس يدعمه ويدفعه إلى البحث عن الحقيقة ، فهو يوفر له المصدر اليقيني الذي يؤسس لعلاقة تفاعل وليست علاقة انفصال ، فليس من المعقول أن تبنى عشا في الهواء أو بيتاً على الماء ، أو تتساءل لماذا يطير الطائر بجناحيه؟ أو لماذا يمشى الرجل على رجليه؟! العقلانية في إطار فلسفة التاريخ من منظور إسلامي: لقد أوجب الإسلام النظر العقلي كوسيلة للإيمان الصحيح ، وندد في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة بالتقليد والمقلدين ، وأثنى على العلم وأهله "إنما يخشى الله من عباده العلماء" 27 فاطر - وليس المقصود بالعلم العالم الديني الفقهي على وجه الخصوص كما يراه الغزالي بل العلم المرادف للمعرفة ، " ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً" 191 آل عمران ، فأينما نظرنا إلى الكون وما فيه من أسرار وحكمة ونظام ، تأخذنا الدهشة ونتساءل : من أين هذا العلم والصنع المحكم؟ وكيف حدث؟ ولمن هذه القدرة الخارقة؟ ، والعاقل ، بخاصة إذا كان من أهل الفكر ، لا يعطي حكم الخاص للعام والجزء للكل، والإسلام كعقيدة جاء ليفّعل النظر العقلي في والمنهج العلمي في التربة البشرية ، وبذا يمكننا أن نطرح مشروع فلسفة التاريخ من منظور إسلامي لأن يقر الإسلام كل ما فيه من خير وصلاح ، ويبارك كل جديد مفيد ولو لم يرد فيه نص، ولا يسوغ بحال أن ينسب إليه أي شيء ينافر العقل فلا مفر من التفكير. والعقلانية في إطار الفكر الإسلامي هي "عقلانية إيمانية" أي قراءة تاريخ الفكر الإسلامي وقراءة الأحداث والعارضات التي حدثت في التاريخ الإسلامي قراءة موضوعية تأخذ في الحسبان دورنا ووجودنا ، ولكي نكون أكثر علمية نريد أن نطرح قراءتنا لكلمة التاريخ الإسلامي فقد ارتبط الحديث عن الفكر الإسلامي بالحال التاريخي والوضعي والذي ارتبط بدوره في ذهنية البعض بالدين الإسلامي ، وهو فهم خاطئ وخلط سيء لأن تاريخ الدين ليس هو الدين نفسه! ، وقد يشهد التاريخي الاضطراب ويسوء ويتخذ مساراً مغايراً للدين ذاته ، وبهذا لا يتحمل الديني الخطأ التاريخي ولا يملك التاريخي أن يمس جوهر العقيدة، وهذا ما يجعلنا نؤكد ونقول بأن الديني هو غير التاريخي ولكن جرى الفهم على أن التاريخ الإسلامي هو الدين الإسلامي وأن المشهد والواقعة التاريخية هي لب العقيدة! وهنا تتبدى ضرورة إنشاء فلسفة للتاريخ من منطلق علمي إسلامي ، فهل الإسلام عاجز عن البحث العلمي والتجريب؟ وهذا أيضاً السبب الرئيسي في غياب الوعي ، وبالتالي قد يدفع هذا الفهم المؤمن به إلى اتخاذ موقف خاطئ وربما إلا الإساءة إلى الدين وتشويش صورته في أذهان الكثيرين. وحتى في مجال العلوم وكما كتب روجيه غارودي في كتاب النظرة المادية في المعرفة ترجمة إبراهيم قريط " لقد أكتمل المفهوم الحديث للطبيعة بخطوطه الكبرى – فصار منحلاً كل ما كان صلباً ومتحركاً كل ما كان ثابتاً وفانياً كل ما كان أزلياً – وثبت أن الطبيعة تتحرك في سيالة ودائ |