الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  كانون ثاني 2007

ابحث في كتابات

 

طريق الفردوس

رحلة في أرض السواد

 

كتابات - د.محمد جاسم فلحي

Mfalhy2002@yahoo.com

 

 

الفهرس

1-           مقدمة( نخلة وزيتونة ومنارة)...ص

2-           هاوية الحرية.....................ص

3-           طيور الليل.......................ص

4-           الحافلة رقم(4)..................ص

5-           العربة المقطوعة.................ص

6-           العودة إلى قورينا...............ص           

 

مقدمة

نخلة وزيتونة ومنارة

 

     مدينة السلام.. قصيدة شوق، وأغنية حب، ونخلة باسقة،  وعيون ساحرة بين الرصافة والكرخ..بغداد،دجلة،والشعراء والصور والقصور والقبور والسجون والمآذن والقباب..هذه المدينة التي كان العالم، طوال قرون،  يروي عنها حكايات ألف ليلة وليلة،  تبث اليوم في فضاء العالم أخباراً وقصصاً وحكايات عن الموت والعذاب والفوضى والوعود.. بغداد تملأ الدنيا وتشغل الناس بتاريخها العريق، وحاضرها المضطرب، ومستقبلها الغامض، فتثير فرح المقهورين، وتبعث صوت المظلومين المطمورين في المقابر الجماعية، وتطلق صرخة الحرية المكبوتة في أعماق الوجدان العربي، وتتفهم غضب المدافعين عن شرف العروبة والإسلام،وتتحدى مراهنات الذين يريدون إعادة التاريخ إلى الوراء!

  أعود إلى بغداد التي غادرتُها منذ عدة أعوام،  فراراً من الظلم والجوع، مثل آلاف الطيور العراقية المهاجرة، التي تنتشر في آفاق الأرض الواسعة، وقد تعبأت ذاكرتي بتاريخ من الدماء والدموع والحروب والأحلام الضائعة والصور المرعبة.. كنت أحمل في حقيبتي بضع وريقات، لعلها تشهد لي في مقام البحث عن لقمة العيش،  في وطن عربي لم يفتح أسواره العالية أمام  الباحثين عن نسيم الحرية والكرامة، حتى وصلت مدينة البيضاء في ليبيا، عرين المجاهد الشهيد عمر المختار، ونزلت أهلاً في رحاب جامعتها، المتربعة على قمة الجبل الأخضر،  بعد رحلة عذاب ومهانة عبر الحدود العربية.

      نخلتي الباسقة ما تزال واقفة،تنتظر على ضفة نهر دجلة، تدعوني كل يوم إلى معانقتها، وتذوق الرطب الذي لم أجد في كل أنواع الحلويات ألذ وأشهى منه، ورغم مرور نحو ثلاثين عاماً، ما يزال اسمي محفوراً على جذع تلك النخلة الشامخة، التي زرعها جدي، في بستانه، وميّزها من بين الكثير من النخيل والتين والأعناب، وكان يقول:"زرعوا فأكلنا ونزرع فتأكلون" في إشارة إلى المدة الزمنية الطويلة بين زراعة النخلة وحصاد ثمارها، التي قد تمتد إلى عشرة أعوام!

  عرفت العرب وادي الرافدين ب(أرض السواد) لكثرة مزارع النخيل، التي يبدو لونها داكناً بسبب كثافتها، وكانت ارض العراق تضم، قبل نحو نصف قرن، أكثر من ثلاثين مليون نخلة، في حين كان عدد السكان لا يزيد عن عشرة ملايين، أي أن هناك ثلاث نخلات مقابل كل مواطن، لذلك لم يعانِ هذا البلد، طوال تاريخه، من المجاعة، وبخاصة أن التمر واللبن يمثلان الغذاء الكامل الذي اعتمده أجدادنا لقرون طويلة.. وليس مصادفة أن يوصي الرسول الكريم(ص) في حديث معروف بزراعة فسيلة النخلة،إذا كانت بيد أحدهم، حتى قبل قيام الساعة بلحظات، ويقول:"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مباركة مثل المسلم (أو المؤمن)..وهي النخلة"!

   تعلمت الكثير، في طفولتي، من نخلات جدي، اللواتي كان يعاملهن بحب، ويغازلهن ويداعبهن، ويمسح سعفاتهن، ويتفحص عذوقهن، كل يوم، فمن عجائب هذه الشجرة أنها تعيش بقدر عمر الإنسان تقريباً،وتكون إناث النخيل منفصلة عن الذكور، ويجب على الفلاح تلقيح الإناث بغبار طلع(الفحول) ونثر حبيبات اللقاح على العذوق، في موسم التزهير، خلال فصل الربيع، لكي تنتج رطباً حقيقياً!

    إذا غرست نواة التمرة فعليك الانتظار عشرات السنين، قبل أن ترى ثمارها، التي قد تكون هجينة، لا تشبه ثمار أمها، فالنخلة تتميز من بين جميع الأشجار بأنها لا تتكاثر بالبذور أو النوى، بل يتم  فصل أفراخ النخيل الصغيرة(الفسائل) عن الأم وزرعها، لكي تعطي ثمراً متشابهاً، وبخاصة أن هناك نحو أربعمائة نوع من التمر!

    ذات مرة رأيت ذلك الرجل العجوز يحدُّ سيفه، الذي كان معلقاً على جدار البيت الطيني، منذ سنوات عديدة، فشعرت بالرعب، وسألته:ستهاجم من؟!

قال بصوت خفيض:سوف أصرخ على النخلة السمينة، التي لم تثمر، وأهددها بالقتل، وأريدك أن تمسكني من الخلف، وتسحبني قبل ضربها بالسيف، فتشعر النخلة بالخوف، وتثمر في الموسم القادم.. وقد حصل ذلك فعلاً!!

  لم يشك ذلك الفلاح الأصيل في أن النخلة تفهم لغة الإنسان، ويمكن أن تنشأ بينهما  علاقة سريّة، وهو ما يعجز عن إثباته اليوم الكثير من العلماء في مختبرات الكليات والمعاهد الزراعية!

   ورغم أن ارتفاع حرارة الجو في العراق، لا يسمح بزراعة أشجار الزيتون، فقد كان العجوز يردد أن الزيتونة شقيقة النخلة، وهما أقرب شجرتين للإنسان،فمن ثمارهما وأغصانهما وأوراقهما يمكن الحصول على ثروات لا تُعد، وأن خير ميراث يمكن أن يتركه المرء لأولاده وأحفاده ليس مثاقيل الذهب والفضة، بل نخلة أو زيتونة.

  وبعد سنوات عدة،تغيرت الدنيا،وغادرنا الرجل سعيداً إلى الدار الآخرة، فعصفت رياح الموت والحروب والحصار والدمار بأشجاره الحبيبة، وأصبحت بساتين النخيل ساحات كر وفر لدبابات رعناء، سحقت تحت عجلاتها المسننة أرواح تلك الشجيرات، مثلما دمرت أحلام البشر، وزرعت المقابر الجماعية، في كل مكان، فانتشر الجوع وفُقد الأمان وهرب الناس إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكن العجوز (رحمه الله) يتصور أن أحد أحفاده سوف يهاجر من أرض النخيل إلى أرض الزيتون، ويحط رحاله في رحاب الجبل الأخضر!

  هناك فرق كبير بين هذه الأيادي الطاهرة التي زرعت، خلال أكثر من ثلث قرن الملايين من أشجار الزيتون، في بلد جعل من  اللون الأخضر كتاباً وراية ووثيقة، وبين بلد منكوب بنوع من الحكام الطغاة، والطامعين الغزاة، الذين لم تسلم من ظلمهم وشرهم حتى الأشجار والأنعام، فضلاً عن الأرواح البشرية البريئة!

   ظلت نخلتي وحيدة وحزينة في أرض السواد، في حين أغوتني بمحبتها زيتونة ليبية، لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يتوهج ضوءاً، فوق منارة عالية.

 

الجبل الأخضر- البيضاء

1/12/2006

 

هاوية الحرية

 

     الطريق إلى بغداد طويل، لكن الحنين إليها والرغبة في رؤية ملامح الأهل والأصدقاء، والاستماع إلى حكايات الزمن الصعب، الذي مضى، ومشاهدة ملامح الحاضر، والتطلع نحو المستقبل، كانت تدفعني إلى الإسراع في إنجاز إجراءات السفر، ومن ثم التوجه،  برفقة العائلة الصغيرة، نحو مطار (بنينة) في مدينة بنغازي، شرق ليبيا، حيث وجدت نفسي وسط حشد من الأساتذة العراقيين وعائلاتهم، المتوجهين إلى عمّان، في طريقهم نحو بغداد، وهم يتلهفون مثلي لزيارة الوطن، ويتداولون صوراً وأخباراً من الفضائيات، التي تغطي أحداث العراق لحظة بلحظة، لكن من يستطيع أن يزعم معرفة الحقيقة، في خضم الضجيج والصراخ والنار والدخان؟!

 

عمّان.. بغداد

عندما انزلقت عجلات الطائرة على مدرج مطار عمّان،  كانت دقات قلبي تبدو متسارعة، بين فرحة النزول من شاهق السماء إلى رحابة البسيطة، وبين الشعور بالاقتراب من حدود ومدن، قد غادرتها، قبل أعوام مجبراً مقهوراً، واليوم أعود إليها متلهفاً متشوقاً..هذه عمّان،  كانت تزدحم بأفواج العراقيين الهاربين من جحيم الموت والحصار..أتطلع في الساحة الهاشمية فلا أجد سوى قلة من المارّة المسرعين، وبضع عجائز عراقيات يرتدين ملابس ريفية سوداء،  يفترشن الرصيف لبيع السجائر والعلكة، أمام بناية مطعم (ماكدونالد) المهجورة حالياً!

 لم تدم استراحتنا، في عمّان، سوى ليلة واحدة، ثم بدأت رحلتنا البريّة،  باتجاه العراق،  حيث وصلنا بوابة "الرويشد" الحدودية، عند الفجر، بعد نحو أربع ساعات، وكانت إجراءات الخروج من الأردن تجري بسرعة غير عادية، فقد تم تفتيش السيارة والحقائب، من قبل رجال الأمن، دون تعقيدات أو مشاكل أو رشوات أو إكراميات..ولم تخدش المنظر سوى ظاهرة مؤذية واحدة وهي تدفق عشرات البدو الأردنيين، الذين يسمونهم(البحارة) بسياراتهم الأمريكية، من أجل عبور الحدود، وتعبئة خزانات سياراتهم بالبنزين من المحطة الواقعة على الجانب العراقي، ثم العودة بصيدهم الثمين، لبيعه بأضعاف سعره، على مرأى ومسمع من موظفي الحدود، وربما بمشاركتهم في هذه السرقة العلنية.

 

ذئاب الحدود!

      ها نحن نقترب من بوابة العراق (طريبيل) في طابور طويل من السيارات، يزحف بطيئاً، وسط شعور بالاختناق والضيق بسبب حرارة الجو اللاهبة،  فضلاً عن مرارة الذكريات التي يحملها جميع العراقيين حيال هذا المكان الكريه المرتبط بسنوات القهر والحصار،   فالخارج منه مولود والداخل منه مفقود، كما يقولون!

     دعانا السائق للترجل والتوجه نحو مكتب تأشير جوازات السفر، فانتظمنا في سلسلة بشرية طويلة،  وكانت ثمة مجموعة من الشباب،  تحوم من حولنا، كأنهم ذئاب تحاول اصطياد فريستها بعناية، هذه الوجوه التي استقبلتنا في بوابة الوطن، بعد فراق طويل، كانت أول إشارة بعد سقوط الأصنام إلى أن هناك أشياء كثيرة لم تتغير، ومن أهمها النفوس الفاسدة، كان بعضهم يضع( بطاقة) على صدره، تؤكد أنه موظف حكومي،  ويهمس بخسة ودناءة في أذني بأنه يستطيع أن يختم إشارة الدخول على جوازات السفر في مقابل خمسة آلاف دينار لكل جواز، وكنت أمسك أربعة جوازات، فسألته: هل تريد مني عشرين ألف دينار؟

قال: نعم..الدنيا غالية، والأساتذة في الداخل يأخذون نصف المبلغ!

قلت:وإذا لم أدفع؟!

قال: سوف تظل تنتظر ساعة أو ساعتين.

أجبته: أفضل الانتظار والحر والازدحام بدلاً من دفع رشوة!

  تركني الذئب، وراح يغازل رجلاً عجوزاً مريضاً، لا يستطيع الوقوف، كما يبدو،  وقد وافق الرجل،  بعد مساومات، على دفع ثلاثة آلاف عن كل جواز، فاستلمها الموظف بخفة وتوجه نحو الشباك،  وعاد بعد لحظات مبتسماً ليدس الجوازات في جيب الرجل..ثم راح يبحث عن فريسة أخرى!..كم يسرق هذا الموظف من جيوب الناس في اليوم،  إذا كان كل خمس دقائق يبتز أحد المسافرين، ويقبض عشرات الآلاف من الدنانير.. والطابور طويل طويل، لا ينتهي،  والحمد لله!؟

عندما اقتربت من شباك طريبيل الرهيب،  قدمت الجوازات للموظف،  فختمها دون تدقيق، وأعادها إلي،  فشكرته، وعدت مسرعاً إلى السيارة، التي كانت تقترب من مكان التفتيش، سألني السائق: هل لديك عملة عراقية؟

قلت: بلى.

قال: ناوشني خمسة آلاف!

أعطيته ورقة زرقاء فئة خمسة آلاف،  فوضعها بيد الموظف المسئول عن التفتيش،  وتبادل الاثنان إشارات وغمزات خاطفة، انطلقت بعدها السيارة دون تفتيش،  ثم توقفت بعد نحو عشرة أمتار عند حاجز آخر،  وطلب الموظف تقديم ورقة التفتيش والجمرك،  فأخرج السائق من جيبه دينار أردني ووضعه بيده وهو يقسم أن هذا ما تبقى لديه ولا يوجد غيره،  ابتسم الموظف، وأمره بالمرور، وتحركت السيارة مرة أخرى، لتقف،  بعد لحظات،  أمام حاجز يقف عنده جنود أميركيون، يتحركون بطريقة آلية كأنهم كائنات فضائية،مدججة بالسلاح والأجهزة اللاسلكية.

نظر الضابط الأميركي في داخل السيارة، ونطق بشدة كلمة عربية واحدة: "جوازات؟".. في حين راح جندي آخر يدور حول السيارة ويتفحصها بجهاز صغير.

ناولنا الضابط الجوازات، راح يدقق ويقارن بين الصور المثبتة والوجوه الموجودة في السيارة، ثم يسلم كل جواز لصاحبه، وقد ظلت طفلتان بدون جواز،  فبدا الأميركي متحيراً وهو يسأل: لماذا؟

شرحت له باللغة الإنجليزية، إنهما مرافقتان لأمهما، ومثبتة صورتاهما في جوازها،  سحب الجواز وأعاد النظر فيه،  وأعاده إلى زوجتي.

 

رحلة الخوف

    توغلنا عبر الطريق الصحراوي، عند الظهيرة، وقد جعلت الحرارة المرتفعة السيارة تبدو مثل علبة سردين ضيقة،  ولم ينفع ضجيج الأطفال،  في إقناع السائق بتشغيل التبريد، وكان يرد أن التبريد يزيد من استهلاك البنزين، ويرفع حرارة المحرك، ومن ثم قد نضطر للتوقف في منتصف الطريق،  فيجيبه بعض الكبار الخائفين: "براحتك أخوي المهم نوصل سالمين"!

   اليوم ندخل إلى العراق مذعورين، من قصص تروى حول قتلة ولصوص وقطاعي طرق يذبحون الناس على الهوية والاسم والمذهب.. لعبة الموت ما تزال مستمرة إذن، ولم تتغير سوى المواقع والعناوين!

  كانت هناك دبابات وعجلات عسكرية أميركية تتحرك، فيما تبدو بقايا سيارات محترقة،  على جانبي الطريق، في حين راح السائقون يتسابقون في قطع الصحراء، وتحدي الخوف، حتى لاح من بعيد حاجز أميركي، فاضطر أغلبهم إلى تخفيف السرعة والتوقف،  فيما قام آخرون بمناورة خطيرة،  من خلال النزول عن الطريق، واللجوء إلى طرق صحراوية ترابية، ثم العودة إلى الطريق الرئيسي، بعد اجتياز الحاجز!

  وعندما سألت السائق:ما الذي يدفعه إلى هذه المغامرة..أجاب: نحن نواجه الموت في كل لحظة،  سواء من الجانب الأميركي أو المقاومة!

    مضت نحو خمس ساعات عندما لاحت في الأفق مظاهر الحياة والاخضرار، وبدأنا نقترب من مزارع وبساتين، في حين كانت الشمس تتدحرج نحو الغروب، وقد سحب السائق نفساً عميقاً من سيجارته وأطلق الدخان في وجوهنا،  وهو يقول: لقد عبرنا الفلوجة!

ليست سوى دقائق قليلة،  ونرى وجه بغداد الجديد..كم مرت عليك مصائب وأهوال،  في هذه السنين، منذ غادرتك، يا مدينتي الجريحة؟..هل حقاً تغيرت ملامحك، وتبدلت طبائع أهلك؟..هل تحطمت الأصنام كلها على أسوارك؟..من يحكمك يا بغداد اليوم،  المحتلون أم المنتخبون أم الهاربون!؟  

نشيد حزين

   كان مشهد الغروب الحزين يختلط مع سيل الذكريات، مع اقتراب السيارة من ضواحي بغداد الغربية، وكانت عائلتي المحشورة في المقاعد الضيقة، قد استيقظت من كوابيس الخوف، التي رافقتنا طوال هذه الرحلة الصحراوية، وراحت طفلتي الصغيرة تردد ببراءة نشيداً سبق أن حفظته في مدرستها العراقية:

"وطنٌ مدَّ على الأفقِ جناحا   وارتدى مجدَ الحضاراتِ وشاحا"!

ثم تضحك،  وتغيّر النشيد:

     " موطني..موطني.. الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك..في رباك"!

هذه الدندنة البريئة، كانت تمثل خلفية صوتية لمشهد يزداد اقتراباً ووضوحاً.. فوشاح المجد الذي يفترض أن يؤطر جمال بغداد، كان يتجسد في رتل من السيارات المتزاحمة،  وطريق متربة، وتلال من القمامة، وصور وجداريات قديمة ومشوهة،  وأخرى لوجوه جديدة، وحشود من القوات الأجنبية، وأسوار عالية وأبراج محصنة مضاءة بمصابيح قوية، تحيط بسجن أبي غريب الرهيب، وحواجز عسكرية.. كانت ملامح الناس وواجهات البيوت وحركة السيارات في الشوارع تشير إلى أن الحرب ما تزال مستمرة في بغداد!

 

ليلة بغدادية

    وقفت السيارة عند الباب، الذي لم يطرقه أحد.. تدفقت العواطف وتشابكت الأعناق واختلطت الدموع، وارتفعت الزغاريد،  وسفكت دماء القرابين تحت الأقدام، في حفلة عائلية، ضمت الأهل والأقارب والجيران،  الذين احتشدوا من حولنا، يصافحون ويقبّلون ويتحدثون ويصرخون ويرقصون، ولم تهدأ المشاعر إلا عند توزيع الحلوى والشربت البارد، في حين انتشرت في المنزل روائح البخور والطعام المطبوخ.. هذه وجوه طيبة لآباء وأمهات لم تتغير كثيراً سوى زيادة مساحة التجاعيد وعمقها، وتلك ملامح الصغار الذين كبروا وتزوجوا، وهذه طيور جاءت إلى الحياة الدنيا، خلال غيابنا، وثمة وجوه غابت ولم تكن بين الحضور!

  استقرت النفوس مع حلول ظلام الليل، وتنوعت الأحاديث والقصص، كان بعضهم يريد أن يروي لنا ما شاهدناه وسمعناه،  عبر الفضائيات.. تقطع تلك القصص الطويلة أصوات الإطلاقات النارية والانفجارات، التي ترتفع في سماء المدينة، ولم تعد تثير الانتباه، بسبب تكرارها، كما يبدو، وعندما لاحظ بعض أفراد العائلة علامات الاستفهام على وجوهنا، قال أحدهم: الجميع يمتلكون السلاح، والجميع يطلقون النار، والجميع معرضون للموت على قارعة الطريق بواسطة سيارة مفخخة أو شخص ملغوم،  في كل لحظة!

    ليل بغداد غير الآمن، يلفه الظلام التام، ويختفي الناس في داخل بيوتهم، بعد الغروب، سوى بعض الشوارع التجارية القليلة، في أحياء المنصور والكرادة وزيّونة، حيث تفتح بعض المحلات والمطاعم أبوابها حتى يحين موعد حظر التجوال، عند منتصف الليل.. الجلوس في داخل البيوت لا يمثل متعة أو سهرة عائلية لذيذة،  حيث تنقطع الكهرباء لمدة خمس ساعات، وتأتي ساعة واحدة،  في دورة يومية من التعذيب المنظم،  في ظل حرارة آب اللهاب، الذي يذيب المسمار في الباب.

 

رفاهية.. ولكن!

  الحيرة والقلق والخوف والغضب تمتزج في أحاديث الأهل التي استمرت حتى الفجر، ويبدو أن ليلة واحدة لا تكفي لوصف جوانب الملهاة والمأساة والمعاناة العراقية، حيث تحولت الأحلام إلى كوابيس،  ولم تدم طويلاً فرحة احتفال المقهورين بنسيم الحرية.. ولكن ذلك لا يمنع من التأكيد على أن الكثير من الناس قد تغيرت حياتهم- ولا أستطيع القول تحسنت!- فالرواتب قد ارتفعت كثيراً وتضاعفت عشرات المرات، وأغلب الموظفين يشترون اليوم السلع الكهربائية والأثاث والسيارات، ويستعملون (الستلايت) و(الموبايل) و(الانترنيت)، وهناك حركة دؤوبة لبناء البيوت، على الرغم من الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الإنشائية!

   وتزدحم الأسواق بأنواع من السلع والمواد الغذائية التي كان المواطن العراقي محروماً من رؤيتها، خلال سنوات الحصار..ويبدو أن إحراق أسواق الشورجة، التي تمثل مركز النشاط التجاري في قلب بغداد، يدخل في إطار المخطط التخريبي، الذي يهدف إلى فرض التجويع والحرمان، مرة أخرى، على العراقيين.

  

الباب الشرقي

    ذكريات الطفولة والشباب، تقودني في رحلة مريرة، يدفعني إليها جنون الحب والشوق إلى الباب الشرقي وحديقة الأمة ونفق التحرير وشارع السعدون وشارع الرشيد وشارع أبي نواس، والأزقة الضيقة،التي تمثل شرايين الحياة، في قلب بغداد، الذي لم يتوقف عن الحب والغناء والضحك،  وسط رائحة المشويات، التي تفوح عند أبواب المطاعم الرخيصة، إلى جانب الصمت الحزين عند دور (السينما) والمسارح، التي غادرها روادها في زمن الحرية المرعبة.. تلك الأماكن التي احتضنت بعض أحلامي ومشاغباتي الصبيانية، عندما كنت أغادر المدرسة الثانوية، مع تلك الشلة من الأصدقاء، نصخب ونتمازح  ونقرأ الشعر ونستعرض أغلفة الكتب والمجلات على الرصيف، ونتطلع في واجهات المحلات الباذخة، التي ترك طول التفرج عليها، في نفوسنا،  بصمات الحرمان ومرارة الألم،  إذ لم يكن في جيب كل منا أكثر من ربع دينار ندّخره من مصروف المدرسة، لشراء بطاقة الدخول إلى (السينما) أو المسرح  أو لفّة الفلافل المشبعة بالعمبة الهندية وقنينة البارد.. أعود إلى تلك الأماكن التي لم تفارق روحي، رغم البُعد، أبحث عن صور تلك الأيام، فأشعر بالدوار واضطراب الذاكرة..في هذه الزاوية من شارع الرشيد، حدقت في عيون أول حبيبة، وفي مقهى حسن عجمي سمعت الشعراء يتسابقون في إلقاء القصائد، ثم يتبادلون الشتائم، وتراهم سكارى وماهم بسكارى، وعند ساحة الفردوس نزلت من الحافلة، ذات يوم، وتمشيت مع جمال وحامد وعبد الرزاق باتجاه مقر اتحاد الأدباء، لحضور أمسية الأربعاء، وفوق جسر الجمهورية عبرت دجلة مع رجاء، في يوم ربيعي، واخترقنا أزقة محلة البتاوين، وعند بوابة سينما أطلس كان عباس  يناقش مع كفاح لوحات معرض الفنان شاكر حسن آل سعيد، ولم نشعر كيف كانت تنتهي جولتنا، مساء كل يوم، عند باب دائرة الإذاعة والتلفزيون، في الصالحية، فندخلها بسلام، وسط نظرات أفراد الحرس الخاص، بعد أن نصحو بارتشاف جرعة من شاي البغدادي (أبو ناطق).

    أنزل من الحافلة(الكيّا) قرب ساحة التحرير، وسط طوابير من السيارات وعربات الطعام المكشوف، والأرصفة المفروشة بكل أنواع السلع التي تباع وتشترى..أخترق حشود البشر وزحام الشارع، متوجها نحو مديرية التسجيل العقاري، قرب ساحة الكيلاني،لإجراء معاملة بشأن قطعة الأرض السكنية، التي اشتريتها قبل سنوات عدة.. كانت الدائرة مطوقة ب(جدار برلين) من الاسمنت يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار، وفي فتحة جانبية من ذلك الجدار يقف موظفان مسلحان يقومان بتفتيش المراجعين، عند الدخول، وبعد اجراءات التفتيش السريعة، سألت كاتب العرائض العجوز، الجالس عند الباب، عن الأوراق المطلوبة لاستخراج سند الملكية الجديد،فأجابني: إن المطلوب إحضار السند القديم فضلاً عن هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية وبطاقة السكن والبطاقة التموينية!.. ذهلت لهذه القائمة الطويلة وسألته ساخراً: وجواز السفر؟..قال: لا نحتاجه حالياً.. ولكن نصيحتي أن تحمل معك هذه الوثائق كلها عند مراجعة أي دائرة.. ويستحسن أن تكون لديك دائماً مجموعة صور شخصية!

 فتحت الحقيبة الجلدية التي تضم المفيد وغير المفيد من الأوراق والصور، ورحت استخرج الوثائق وأضعها أمام الرجل الذي بدا مستغرباً من استعداداتي لتلبية جميع طلباته، غير المتوقعة،  وضع أمامه ثلاث استمارات مطبوعة، وبدأ  يملأ الفراغات، ثم دسّها في ملف كارتوني، وطلب ألفي دينار!

تجاوزت موظف الاستعلامات، بعد أن سألني: هل لديك(موبايل).. فأجبته بالنفي، وتسلقت الدرج المظلم، في وضح النهار، حتى الطابق الثاني، حيث يجلس(السيد المعاون) في غرفة ضيقة، يحتشد أمامه نحو خمسين شخصاً، كل منهم يمسك ملفاً بيده، ويريد اختراق الحشد، لوضع الأوراق أمام ذلك الموظف، الذي يدقق ويراجع ويناقش ببطء شديد، ثم يعيد الأوراق دون توقيع، لإكمال النواقص وإعادة الكرّة من جديد!..فشلت جميع محاولاتي في المرور من ثقب صغير، وسط الأجساد والأكتاف والمؤخرات المتراصّة، لكي أقدم أوراقي، وعندما وجدت نفسي عاجزاً عن خوض هذه المعركة، قلت ينبغي أن أستجمع كل ما تبقى لديّ من شجاعة وجرأة من أيام أم المعارك وما قبلها وما بعدها، لكي أطلق في الواقفين صرخة مدوية، تزلزل الأرض من تحت أقدامهم، فبلعت ريقي وبللت لساني وشفتي، وقلت:" لماذا هذه الفوضى يا أخوان..ليش ما نجمع الملفات ونضعها أمام الموظف، وننتظر خارج الغرفة"؟!

لم تحرك هذه الكلمات ساكناً، بين الواقفين، كأنها صرخة في واد، فقد كان الجميع مشغولين بالدعس والرفس، بيد أن الموظف وقف فجأة، وطلب من الجميع تسليمه جميع الملفات، ثم الخروج إلى الممر!

أردت أن أهتف:الحمد لله.. صرنا متحضرين..!

 وضعت الملف بيد الموظف، فطرحه على الطاولة، وقد تكدست فوقه أكثر من عشرين ملفاً، وبعملية حسابية بسيطة توقعت أن دوري لن يصل إلا بعد مرور ساعتين، على الأقل، فقلت لماذا أظل محشوراً مختنقاً في هذا الدهليز، لماذا لا أخرج إلى الشارع، فأهيم على وجهي، وأغيب عن هذا المشهد المزعج، ثم سرعان ما تذكرت فوضى الشوارع، وحرارة الصيف، ومخاطر السيارات المفخخة، التي تحصد أرواح الناس كل يوم.

رشوة..!

    فزعت من صمتي وحيرتي،على يد ثقيلة تحط على كتفي وتسحبني برفق، إلى الوراء، وعندما التفتُّ وجدت رجلاً طويلاً يبتسم.. حاولت أن أتذكر ملامحه، لكنه أنقذني من الإحراج بقوله:عمك أبو محمد..تفضل معي.

  تحركت معه في الممر الطويل، وأنا أفكر لعل الرجل من أقاربي حقاً، لكنه راح يشرح لي بكل هدوء: هذه المعاملات لا تنتهي في يوم أو يومين لأن ملفات الأراضي كلها أُحرقت، بعد سقوط النظام، وعليك أن تنتظر ثلاثة أشهر لكي تحصل على السند الجديد!

قلت: وما الحل؟!

قال: الحل بسيط بعون الله.. بس أنت دير بالك على عمك!

أجبته بقلق: كم تطلب؟

ابتسم وقال:عرفتك ذكي وحبّاب.. تعال وياي!

دخلت معه إلى غرفة صغيرة، كان ثمة حشد مضطرب من المراجعين يصرخون: وين راح أبو الصادرة؟

لم يجب، وجعل يسحب الأوراق من أيديهم بعنف، ويطلب منهم الحضور بعد الساعة الواحدة ظهراً!

انصرف الجميع متذمرين ساخطين.. وقفت وحيداً أمام الرجل، وقد لاحظت صبغة الشعر السوداء الرديئة التي تلطخ حافات صلعته، حيث أكمل حديثه:

- أنا لا أجبرك، على شيء، بل أريد مساعدتك، ويبدو أنك موش وجه بهذله.

   قلت:نعم.. أشكرك..فأنا مستعجل، لأنني أريد السفر والعودة إلى الخارج..!

فتح الرجل عينيه، كأنه عثر على كنز، وقد لاحظت، بعد فوات الأوان، أنني قد أوقعت نفسي في فخ عميق!

قال: أنت مقيم في الخارج؟!..والله قلت من أول لحظة أنك إبن خير!

بدأ الفخ يضيق، ولم تعد ثمة فرصة للنجاة يا أبو جاسم!..قلت: أُطلب؟

قال: خمسة وعشرين!

صعقت ونظرت إليه بحدة، ثم توجهت نحو الباب بعصبية.. وقبل أن أغادر الغرفة وجدته يمسك يدي ويسحبني، ويطلب مني الهدوء:لم أكن أعلم أنك شديد العصبية.. ولا يهمك خليها بلاش، على حسابي!

 تبسمت بمرارة وأجبته: سوف أعطيك خمسة آلاف فقط، ولا أقبل أي مناقشة!

حدق الرجل في الأرض قليلاً، ثم رفع رأسه قائلاً: على بركة الله.

سلمته ورقة من فئة خمسة آلاف، وضعها في جيبه، وطلب تسجيل الاسم ورقم قطعة الأرض، وقال تعال يوم الأربعاء القادم، أي بعد ثلاثة أيام!

خرجت من الغرفة، وقد استطعت بصفقة صغيرة اختصار الزمن من ثلاثة أشهر إلى ثلاثة أيام!.. بيد أنني كنت مذهولاً ومرتبكاً، فهذه ربما أول مرة في حياتي أجد نفسي مضطراً لدفع رشوة..فهل يسامحني الله؟

اغتيال البراءة

   نزلت الدرج ورحت أمشي في الشارع، بلا هدف ولا تفكير..تقودني خطواتي إلى أماكن ما تزال صورها القديمة راسخة في ذاكرتي.. شارع الكفاح يكتظ بطوابير السيارات، التي تتحرك ببطء، في حين تطلق سيارات الشرطة والإسعاف والإطفاء صفارات الإنذار، في وقت واحد، وتحاول شق طريقها بصعوبة، وسط الزحام الكثيف، ولم يتردد بعض رجال الشرطة من الترجل والنزول إلى الرصيف، وإطلاق النار في الهواء والصراخ في وجوه السواقين.. قلت: لا بد أن كارثة وقعت.. وصلت ساحة الطيران، فرأيتها  قد تحولت إلى محرقة للأجساد البشرية والسيارات والبضائع المتناثرة، حيث انفجرت سيارة مفخخة، قبل وصولي بدقائق قليلة، وكان هناك عدد من الحافلات المحترقة، وبدت الأرض غارقة بالدماء والأشلاء الممزقة والمياه السوداء، في حين يسود المكان المزدحم صخب رهيب، وترتسم على وجوه الناجين من الموت ملامح الغضب والحزن، وتطلق الأفواه صراخاً ووعيدأً وزبداً ابيضاً، وقد حاولت تهدئة أحد الشبان، كان جسده يرتعد وشفتاه ترتجف، وهو يردد كلمات مبهمة.. سألته: ماذا جرى؟

حدق في وجهي برهة، ثم قال: مفخخة.. مفخخة.. انفجرت وسط الكراج!

لا يحتاج الأمر إلى توضيح إذن، فهذه صورة الموت الأعمى، ترتسم أمامي.. القاتل الانتحاري، مجهول الهوية، لم يتبق من جسده سوى جمجمة متفحمة، وقد راح ضابط الشرطة يحركها بطرف حذائه، وهو يردد:هذه بعض هدايا أشقائنا العرب، التي يرسلونها إلى شعب العراق.. إنتحاريون ومتفجرات، لقتل الأبرياء، تحت شعار المقاومة والجهاد!

   انخرطت، إلى جانب حشد من المارة والشرطة،  في عملية إسعاف الجرحى، ونقل جثث الشهداء، وكانت ثمة طفلة صغيرة، ملقاة على الرصيف، شوهت الحروق جسدها، ولم تستطع الصراخ بسبب الصدمة، بيد أنها نطقت، بصوت واهن، كلمة واحدة، عندما حملتها بين يدي ووضعتها في سيارة الإسعاف:(ماما)!

ثم راحت في غيبوبة، قد لا تعود منها أبداً، وربما تلتقي، في طريقها إلى الجنة، أمها الشهيدة.. ضحية ذلك الانتحاري القادم من وراء الحدود، الذي خدعوه وأوهموه أن هناك أكثر من سبعين فتاة عذراء ينتظرن مضاجعته، بعد أن يفجر نفسه، ولكنه بدلاً من الدخول إلى المبغى الموعود، كان يُشوى في نار الجحيم.. فهل يتسنى لهذا الكائن البشع، غير الإنساني، أن يشاهد ضحايا جريمته، ومن بينهم طيور تحلق في جنات النعيم؟!

طعم الحرية

  يتذوق العراقيون الكثير من الأشياء الجديدة المستوردة، وفي مقدمتها الحريــــــــــة التي يفترض أن تقترن بالسعادة، بيد أنها في ظل الظروف الحالية، كانت خالية من أي طعم، سوى المرارة في داخل النفوس، يحيطها اللون الأسود، الذي ينتشر من خلال لافتات الشهداء الكثيرة المعلقة على الجدران، أما رائحة القمامة المتراكمة والمجاري المكشوفة والحرائق المتواصلة فقد ملأت فضاء المدينة، وعطلت حاسة الشم عند الكثيرين!

  كنت أجلس إلى جانب شقيقي، الذي يقود سيارته، في جولة حرة وخطيرة- دعاني إليها- في بعض شوارع بغداد ومناطقها الرئيسية، وقد توجهنا من منطقة الدورة، جنوب بغداد، إلى مناطق السيدية والعامل والمأمون والمنصور والعدل والحرية والكاظمية، في جانب الكرخ، ثم توجهنا نحو الرصافة عبر الجسر الحديدي، ثم إلى مجمع كليات جامعة بغداد في باب المعظم، حيث دخلنا بوابة كلية الإعلام، التي كانت قسماً تابعاً لكلية الآداب، عندما تخرجت منها،  ثم عملت فيها أستاذاً، قبل مغادرة العراق، في نهاية التسعينيات من القرن الماضي.

    مسار تلك الرحلة، استغرق أكثر من ثلاث ساعات، لقطع مسافة لا تزيد عن ثلاثين كيلومتراً، وذلك بسبب الازدحام وإغلاق الطرق بالحواجز الكونكريتية والأسلاك الشائكة، ولم تنفع جهود شرطة المرور،  في السيطرة على طوفان الجحيم الهائج، وسط احتمالات الموت،  في أية لحظة،  بسيارة متفجرة أو طلقة طائشة، في حين كانت سيارات الشرطة و الجيش تندفع بسرعة هائلة، مخترقة الزحام، ومفرقة صفوف السيارات العادية،  من خلال إطلاق العيارات النارية في الهواء، وفتح صفارات الإنذار باستمرار، وما يزيد المشهد اضطراباً مرور قافلة من العربات والدبابات الأميركية، لا تتردد في سحق أو دهس أو إطلاق النار على أية سيارة تضايقها أو تقترب منها لمسافة تقل عن خمسين متراً، حسب التحذير المكتوب على بعض تلك الدبابات،  الذي رسمت تحته،  باللون الأحمر،  جمجمة وعظام بشرية متقاطعة!!

   وقد كنت، مرة أخرى، في لحظة مواجهة رهيبة مع الموت،  عندما أدى انفجار عبوة ناسفة، على جانب الطريق،  قريباً من سوق حي العامل المركزي- الذي ما يزال محترقاً ومدمراً- إلى احتراق ثلاث سيارات مدنية وإصابة أكثر من عشرة أشخاص بجروح..لم تكن هناك أية قوات أجنبية أو عراقية،  في مكان الحادث، ولم تستطع سيارات الإسعاف أو النجدة الحضور،  إلا بعد نقل المصابين من قبل السيارات المارة، في حين ساد الموقع هرج ومرج، وسط سحب من الدخان والغبار والضجيج.. وكان الإفلات من هذه المصيدة العشوائية المنصوبة،  يمثل ولادة جديدة لكل من شاءت الصدفة أن يمر في ذلك المكان، مثلي،  في تلك اللحظة!

في كلية الإعلام التقيت عدداً من الأصدقاء،  في مقدمتهم أستاذتي الدكتورة حميدة سميسم عميدة الكلية(حينذاك)، التي استقبلتني بترحاب وسرور بالغ قائلة:الحمد لله على السلامة.. ومرحباً بك.. تستطيع المباشرة بالدوام في كليتك، من هذه اللحظة.. ولكن يا ولدي..لا معنى للحياة بلا أمان.. وأنصحك بدافع المحبة أن تعود إلى عملك في الخارج..فأنت في نعمة يحسدك عليها الكثيرون!

    صافحت أستاذتي وقبّلت رأسها مودعاً، وكانت هناك دمعة ساخنة تنحدر على خدها الأبيض،  من وراء نظاراتها السميكة!

 

طيور الليل

 

     يتردد صوت العم  متقطعاً عبر الهاتف، وهو يدعوني إلى زيارته، في قريته الجنوبية البعيدة، قبل انتهاء الإجازة والعودة إلى ليبيا، ولم تنفع جميع الأعذار الثقيلة، في إعفائي من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، بين بغداد ومحافظة ميسان، في جنوب العراق.

   سحابة من الدخان والغبار والغربان السود كانت تحوم فوق الحافلة الصغيرة، التي تضمني مع العائلة، وكان الوالد(رحمه الله) يروي، طوال الطريق، ذكرياته عن أكثر من نصف قرن من الاضطراب والظلم والموت، في العراق، ثم يتحدث عن جرائم الذبح والقتل والتسليب، التي شهدها الطريق، الذي يربط العاصمة بالمحافظات الجنوبية، في المدة الأخيرة، ويتساءل بمرارة:هل تعتقد أن هؤلاء الجناة مسلمون..هل أن أخلاقهم تمثل شعب العراق؟!

  غيوم الصيف المبعثرة ترسم ظلالها على الرمال الساخنة، في حين تحولت بساتين النخيل، بسبب العطش والجفاف، إلى طرق ترابية وعربات محطمة وجذوع محترقة، وعندما جاءت طيور الشمال المهاجرة إلى مستنقعات الأهوار، عند نهاية نهر دجلة، في أقصى الجنوب، لم تجد سوى خيط رفيع من الماء الملوث بالزيت الأسود، ولم تستطع مواصلة رحلتها الشاقة، وربما كانت محملة بفيروس الأنفلونزا القاتل،  فراحت تنتحر على الرمال لتصبح فريسة سهلة للثعالب والكلاب السائبة.

عدت إلى الماضي، إلى قريتي في "ناحية السلام"، أبحث فيها عن تلك الجنة المفقودة..أكثر من ثلاثين عاماً أمضيتها، كالطيور المهاجرة، أسعى إلى مرفأ يحتضن أحلامي الضائعة، وعندما عدت لم أجد سوى أطلال القرية.. قليل من النخيل.. وما تبقى من الأهل والأقارب..وبعض صيادي الأسماك والطيور.. والكثير من الذكريات.. في حين كانت ملامح الحياة تتفتح، عند بعض حافات الأهوار، من خلال مساحات الخضرة والأزهار الملونة الممتدة على الشواطئ، التي بدأت المياه تعود لتغمرها من جديد، بعد أن عمدت السلطة السابقة، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، إلى تجفيفها، وتهجير الكثير من سكانها، وغيّبت الآلاف منهم في سجون لم يخرجوا منها إلا نحو مقابر جماعية مجهولة.. أيقظني من تلك الذكريات المريرة صوت العم السيد حسين ناصر الموسوي، الذي كانت دموعه تسابق الكلمات، وهو يحاول أن يختصر لي حكايات زمن مضى، كان أما مشاركاً فيها أو شاهداً على الكثير من أحداثها، سواء خلال خدمته العسكرية ضابطاً في الجيش السابق أم عمله فلاحاً في زراعة القمح والرز، بعد التقاعد، وكان البستان الذي ورثه عن جدي، يقع على ضفة نهر البتيرة، المتفرع من دجلة، يمثل جنة حقيقية، في أيام طفولتي، ثم تحول، في ظل الحروب، إلى ساحة قتال، ثم معسكراً مؤقتاً للقوات البريطانية، التي شاركت في غزو العراق.. كان الرجل يسألني بفضول وتعجّب عن رحلتي إلى ليبيا، ويندهش عندما أخبره أن أهل تلك البلاد العربية البعيدة يتكلمون لهجة قريبة جداً من لهجة عشائر الجنوب العراقي، وإن ملامحهم وأخلاقهم وعاداتهم تؤكد أنهم ينتمون لقبائل عربية، أصلها من الجزيرة العربية والعراق.. وعندما طالت السهرة العائلية، وسط حشد من الأقارب، كانت الأحاديث تعيدني إلى أجواء بعيدة، في فضاء الذكرى والخيال والحلم، ومن بينها هذه الحكاية، حول رحلة صيد، عبر الأهوار،  يزيد عمرها عن خمسة وثلاثين عاماً.

                                    ***

   في ذلك الصباح الشتائي الهادئ، عاد الصياد العجوز، الذي هو جدي، من جولته سعيداً، على الرغم من أنني لم أره حزيناً قط، فقد كانت فرحته، هذا اليوم مميزة وتحمل تباشير أمل ونهاية انتظار طويل.

كنت أتأمله بصمت، فيبدو جسده مثل قطعة حجر انفصلت عن الجبل، منذ زمن بعيد، ولم تزدها شدة الريح والمياه الجارفة إلا مزيدا من الصقل والصلابة .

هذا اليوم لا بد أن السيد يوسف قد ذهب وعاد محملاً بحنين لا يقاوم إلى الطيور اللواتي كان يعد الأيام بصبر لمجيئهن، فقد سمعته  يصلي الفجر وكنت تحت الغطاء الصوفي أتردد بين النوم واليقظة، ولسعات  البرد أحسها مثل الدبيب تجري على ظهري، كلما حاولت أن أزيح الغطاء وأنهض، فتفرض عليَّ كسلاً لذيذاً .. ثم استيقظت فجأة، ولا أدري كم مضى من الزمن، فوجدته يجلس في طرف البيت المستطيل  المبني من الطين والقصب وجذوع النخيل، يفتح ساقيه  الطويلتين، غير النظيفتين من الوحل، على موقد الحطب، ويتأمل النار ويبتسم.

حين رفعت رأسي، التفت إليَّ، وباغتني صوته الأجش بسؤال حاسم، لم أتوقعه ينبثق هكذا بشدة من فم رجل كان يبتسم قبل لحظة:

ـ لماذا لم تذهب إلى المدرسة حتى الآن ؟!

  كنت أتثاءب، وقد بدت اللحظات القصيرة قبل أن أجيبه طويلة جداً، لذلك ظل ينظر نحوي، حتى قلت: سيكون الدوام ظهراً هذا اليوم، لأن المدرسة المتوسطة تشارك مدرستنا في البناية نفسها.

كان يروي حكايات وقصصاً خرافية وحقيقية لا تنتهي، ونحن نجلس حول موقد الحطب، في ليالي الشتاء الباردة، حيث تعبق، في أجواء"المضيف" المبني من القصب، رائحة القهوة والدخان، وكان رجال العشيرة يتوافدون، طوال الليل، لتمضية سهرتهم الصاخبة، وعندما ينصرفون، عند منتصف الليل،  كنت أحدث جدي، في تلك الليالي، وأصوات  نباح الكلاب في أطراف القرية، تطرق أسماعنا بانتظار زائر بعيد، أو ربما لص حقير.. أخبره بتردد عن مشاريعي وأحلامي عندما أتخرج من المدرسة الثانوية، بعد أشهر قليلة، وأذهب إلى الجامعة، حيث المدن والأضواء والصخب والغرف الدافئة والنساء الجميلات، فلم يعلق، يظل يبتسم دائماً.. وعندما انتهيت من الكلام، ذات مساء، سألني بهدوء:

ـ وتفارقنا ؟!

  ظلّـت وخزة السؤال الطيب  تؤلم قلبي، ونحن ننهض لننام.

إن جذور هذا الرجل، متينة متشابكة في هذه التربة، كالأحداث الماضية المزدحمة في ذاكرته، فما زال ذلك الموقف الذي اتخذه من أبي وأمي، وهما يغادران القرية إلى العاصمة، يطفح في رؤياي كالصورة القديمة  الهائمة في ضباب السنين، حيث كانا يبتعدان تدريجياً، ونحن ننظر إليهما من الخلف، وعندما ضاعا في منعطف الطريق الممتد كالخيط، لم يقل، وهو يودعهما، كلمة واحدة، ثم أمسك (المسحاة) بقبضته الصلبة، ومضى منحدراً في اتجاه حقول الرز التي تزهو بالخضرة .

عندما عاد، في المساء، يوم ذاك، كان على وجهه يختلج شعور غريب غامض، ربما كان مزيجا من الأسى والإصرار ..كنت طفلا، وكان حريصا على رعايتي مثل شجرة نادرة تتشبث وتنمو، وهو يتطلع إليها بحب.

كان لا يخفي إعجابه بفطنتي وبطريقتي الواضحة في الإجابة على أسئلته الكثيرة، لذلك عندما بينت له أن دوام المدرسة سيكون ظهراً، قال :

ـ اليوم بانتظارك جهد كبير، هيئ نفسك، سنذهب لنصب الشبكة للطيور، حيث نمضي الليل هناك.

 لعل دعوته لي إلى المشاركة في صيد الطيور، في الليل، اعتراف مفاجئ بأنني كبرت، وعليَّ أن أعمل وأتحمل الصعاب، كما يجب على الرجال، لقد انتظرت ذلك الاعتراف بخاصة، لأنه سيكون  سبيلاً للمرور إلى عالم بهيج  وممتع طالما قضينا الأمسيات في الحديث عن أسراره .. عالم الطيور المائية المهاجرة التي تأتي في الشتاء لتعيش في مستنقعات الأهوار، في جنوب العراق، وتغادر في الصيف إلى القطب المتجمد الشمالي .. وكان يندهش عندما أخبره أنني قرأت في كتب المدرسة أن هذه الطيور لا تتحمل حرارة الصيف، فتذهب إلى بلدان أخرى يظل الثلج متجمدا فيها طوال العام.

   انطلقنا، عند العصر، في رحلة الصيد، وكنت أحمل كيساً من القماش القطني يضم في داخله كمية من الرز الذي لم تنزع قشوره، ويتقدمني العجوز كأن قوة سحرية بدأت تتدفق في شرايينه.. يرفع على كتفه كيساً آخر يحتوي على شبكة الصيد ومجموعة من العصي المستقيمة التي تستعمل لنصب الشبكة وتثبيتها، وكان يرتدي معطفاً داكنا ينتهي عند منتصف ساقيه، بينما كنت أضع بطانية صوفية على ظهري مثل العباءة، والشمس من خلفنا بدت صفراء ذابلة، حيث كنا نتجه شرقا إلى شاطئ جزيرة (الشطانية) الموحش الخالي إلا من بعض (مشاحيف) بعيدة تقطع صفحة الأهوار الممتدة مع الأفق، وكأنها أشباح تنتظر الليل لتهرع إلى الجرف.. الجزيرة تمتد مثل لسان عريض لتتوغل في أعماق المياه، في شاطئها الغربي تتناثر القرى الصغيرة والمزارع التي تتكاثف لتشكل جداراً سميكاً، داكن الخضرة، يؤشر حدود المياه، وفي  الشاطئ الآخر، في جهة الشرق، يقع مكان الصيد، وبين هذا وذاك ينبغي أن نقوم برحلة  تستمر ساعة أو أكثر، مشياً على الأقدام .

كنا نمشي، وكنت في الحقيقة ألهث، فقد مضى نصف ساعة ونحن نمشي، وما زال أمامنا المزيد من الوقت لندرك الشاطئ، ورمال الجزيرة تنسحق تحت أقدامنا بليونة وطراوة تشجع على أن نسرع الخطى.. كان العجوز يتقدمني ببضع خطوات، ويلتفت بين حين وآخر ليحثني على الإسراع .. وفجأة توقف، وهو يتفحص الأرض بإمعان، ووقفت إلى جانبه أسأله:

ــ ماذا هناك ؟!

فقال : ألا ترى ..إنها آثار أٌقدام ذئب، ربما كان هنا البارحة !

سألته : كيف عرفت ؟

ضحك، ونحن نعاود السير .. وقال :

ــ تسألني كيف عرفت ذلك .. ألا تعرف أنت حروف الكتاب الذي تقرأه؟..هذه الأرض تماما مثل الكتاب، قرأت كل حروفها وإشاراتها، وإنني لأستطيع أن أميز آثار أقدام الذئب عن مئات الأقدام لحيوانات أخرى!

كانت هناك قواقع وأصداف بيض ميتة، وبقايا نباتات، وأشواك يابسة، تتناثر على الرمل وتبز أقدامنا من الداخل، فتبدو الأرض خشنة قاسية أحيانا.

قال وهو ينظر إلى الأمام، وقدماه تصطدمان بكل شيء وتسحقانه بلا مبالاة :

ـ لاشك إن رجليك الناعمتين تؤلمانك كثيراً الآن، أيها التلميذ الذكي، لقد أفسدهما الحذاء فلم تعودا صالحتين للمشي على هذه الأرض.

كنت أنظر إلى رأسه المغطى بكوفية خضراء مشدودة بطريقة متقنة، فبدا يهتز، وحسبت أنه يضحك .

قلت: لا داعي للسخرية، ولبس الحذاء أفضل، على كل حال، من المشي حافياً.

 رمقني بنظرة جانبية سريعة، وقال :

ـ ستغيب الشمس بعد قليل، ويصبح نصب الشبكة صعباً علينا في الظلام، فأسرع..أسرع .

بدأت أركض خلفه، حتى لحقت به.. وظللنا مدة ليست قصيرة نتقدم صامتين، ولا نسمع سوى حفيف أقدامنا وعواء الذئاب والثعالب الذي ينطلق من التلال المتناثرة، مثل أورام مزمنة على وجه الأرض.

 في تل"حفيظ" الغامض ترقد آثار مملكة سومرية قديمة، لم يتجرأ أحد على اكتشاف أسرارها، بسبب الأساطير التي يرويها سكان الأهوار حول وجود جيش من الجن، يتصدى لمن يريد التوغل، في هذه الأرض، التي يحيطها سور من نباتات القصب والبردي والمستنقعات المائية.. وقد أكد العجوز مراراً على أنه شاهد، من بعيد، وسط ظلمة الليل، مشاعل نيران متوقدة، فوق التل، وسمع صهيل خيول ورنين سيوف ورماح، وصراخ جنود يتقاتلون أو يتدربون، وذلك عندما كان يترصد طيوره في احد المخابئ القريبة.. وقد رأى صباحاً آثار حوافر الخيل، لكنه لم يعثر على جثث أو دماء أو بقايا سيوف محطمة!

شعرنا أخيراً بانحدار السطح الخفيف ورطوبة الأرض، وانكشف أمامنا الشاطئ، ونحن نقترب على مهل، حتى غطى الماء أقدامنا فتوقفنا.

ـ أمس أفرغت كيساً كاملاً من الرز هنا، فأكلته الطيور، أقسم أنها ستأتي الليلة كالمجنونة إلى مكان الشبكة.

قال الجد بلهجة واثقة، وكنت أرى في الماء الشفيف، الذي يغمر أقدامنا، بقايا ريش ملون متناثر، وفضلات طيور البط، التي من الواضح أنها كانت شبعة جداً.

انحنى العجوز إلى الأسفل، وخطف بيده ريشة خضراء لامعة، وظل يحدق فيها، ثم مد يده نحوي لأراها أيضا.. وقال:

ــ هذه الريشة تؤكد أن طيورنا فيها (خضيري ) و(حذاف) كثير، فهي تنبت على صدر هذين النوعين فقط.

ومن خلال العينين المضطربتين كعيني صقر يبحث عن فريسته، أدركت كم تساوي هذه الليلة في حسابات صياد مملوء بالانتظار والشوق.

   لم يكن هناك متسع لتضييع الوقت، لذلك بدأنا بهمة مضاعفة في مد الشبكة ونصبها، حيث يثبت طرفها بوتد غليظ، ثم تمتد طولياً، وتوضع العصي الأربع كعوارض متحركة، مطروحة على الأرض، وعند جذب الحبل الطويل الذي يربط في نهاية الشبكة، تلتقي العوارض من الجهتين، لتشكل فخّاً يشبه الخيمة المغلقة..ولا تتم عملية الجذب إلا بعد انتظار وترقب طويل من قبل الصياد، وبعد أن تكون طيور البط قد اطمأنت وبدأت بأكل حبوب الرز.

   عند نهاية الحبل قمنا ببناء جدار نصف دائري منخفض من الطين، ليكون وكراً نستقر فيه ونرقب الطيور المائية المهاجرة.. حينذاك، وكأننا لم ننتبه إلى ذلك من قبل، وجدنا أن الشمس غربت، والسماء بدأت تتجهم بالعتمة.. وكان كل ما يخشاه السيد يوسف أن يتغير اتجاه الريح!

جلسنا في الوكر، وكنت أشعر برطوبة وبرودة ترتفع من الأرض الرخوة، لم تصدها عنا إلا طبقة خفيفة من القش، أما تيارات الهواء الباردة فكنا نحاول تجنبها بالتدثر بالبطانية العتيقة التي استقرت على جسدينا. ألقيت نظرة سريعة على الشبكة الغارقة في طبقة شفيفة من المياه الضحلة،وكان الظلام يزداد كثافة .. تفحصت الشبكة من خلال ثقب صغير في جدار الوكر الطيني، فبدا التماع الماء المضطرب كأنه عين كبيرة لكائن خرافي، يراقبنا ويتحفز للانقضاض على كل الأحلام والأمنيات البسيطة المتبقية لنا.. سألته :

ـ لكن ما علاقة اتجاه الريح بصيد الطيور ؟!

نظر الرجل العجوز إليَّ، وتوقعت أنه سيرد بأن هذا ليس وقتاً للأسئلة، ويجب أن أسكت.. لكنه قال:ألا تدري أن هذه الطيور تشمُّ رائحة الإنسان، من بعيد، وتهرب منها!

كان يدسُّ ركبتيه في الأرض الطينية، ويحني ظهره نحو الأمام، ممسكا بطرف الحبل، ومستعداً لجذب الشبكة، في أية لحظة، لكنه لم يبدو، على الرغم من جلسته المتوترة، مستعجلاً، بل كان أقرب إلى الهدوء والاطمئنان .

تخيلت من قبل أن الليل سيكون صامتا هنا، لم أكن أعلم أنه يحمل صخباً آخر أكثر حيوية من حركة النهار.. نقيق الضفادع، وصرير الحشرات، وحفيف أجنحة الطيور، التي راحت تشق السماء من فوقنا، وصوت النَفَس ودقات القلب، واحتكاك الملابس وطقطقة المفاصل وقرقرة المعدة والأمعاء، كلها كانت أصوات لا تحتمل في ذلك الليل.

فجأة سمعت انهيار شيء ما، وتحول ضجيج  الليل  البارد إلى نوع من الصمت المعبأ بالقلق، وقد كان لسقوط الطيور في الماء لبطة ثقيلة ..فالتفت العجوز إليَّ، وأفهمني بإشارة من يديه الكبيرتين بأنها الطيور قد جاءت، ويجب أن نقطع الكلام تماماً.

أصبحت أوتار مسامعي مشدودة نحو تلك الكائنات المتوحشة التي جاءت تبحث عن غذائها، تحت ستار الظلام، ولم يكن في بالها أبداً أن تجد كائنات أخرى أكثر منها ذكاءً  وحيلةً، تبحث أيضا عن قوتها ..لقد كان كلٌّ منا، الطيور ونحن، يحاول تحقيق استمرارية وجوده في هذا العالم، لكن يبدو أن السلسلة الأبدية القائمة على سحق القوي للضعيف ما تزال متواصلة لديمومة الحياة، ولا يكون الانتصار فيها إلا للإنسان..الإنسان وحده.

ومن عمق الصمت انبثقت تلك الأصوات المطمئنة المبهمة، فاختلط اضطراب الماء باحتكاك المناقير، وصار للانتظار إيقاع، وللرغبة صوت ..عند ذلك، تحرك العجوز، مد رقبته وأزاح الغطاء عن الثقب الصغير، وراح يراقب الطيور.. ربما كان من الصعب عليه أن يرى بوضوح، لذلك ظل وجهه ملتصقا بالجدار مدة طويلة.. ثم تراجع قليلاً، وبلحظة خاطفة، شدَّ الحبل على قبضتيه، وسحبه بشدة إلى الوراء، فدوّى اصطفاق الأجنحة الفزعة المحاصرة، وقفزنا معاً نحو الشبكة.. أمرني أن أمسك الأوتاد لكي لا تنفتح، وبدأ هو بإخراج الطيور المحاصرة في داخل الشبكة، واحدة بعد الأخرى، فكان يلوي الجناحين إلى الأعلى، ويلفهما على بعضهما بطريقة خاصة محكمة، حيث لا يمكن فتحهما، ويلقي الطيور على الأرض .. تم ذلك في دقائق قليلة، فأصبحت لدينا مجموعة من الطيور المقيدة تتماوج أجسادها الناعمة على رمال الشاطئ.

لم أستطع أن أتبين ملامح العجوز وانفعالاته، في تلك اللحظات الصاخبة، لكنني كنت أشعر بنشوة التجربة الأولى، وثمة شيء، يشبه اللذة والفرح ينتشر في كياني، ويتصاعد، مثلما كان ضوء الفجر ينتشر على صفحة السماء، وينعكس على موجات المياه الراكدة.. وعلى ذلك الضوء المتزايد جعلت أتأمل تلك الأجساد الطرية الملونة، لقد كانت خليطا من الألوان والأحجام المختلفة.

امتدت يد العجوز إلى بطة سمينة واستلتها من بين رفيقاتها، نظر إلى ساقيها، كان هناك سلك رفيع ملفوف على شكل حلقة فضية، ففتح جناحيها، وأطلقها في مهب الريح، لكنها رجعت إلى الأرض، وكان سقوطها ثقيلاً مؤذياً.

أدهشتني هذه الحركة الغريبة التي بدرت من العجوز، ولم تكن مفهومة لديَّ أبداً.. وكانت دهشته أشد عندما رأى البطة تسقط كالحجر تحت قدميه، أمسكها بارتباك، وبسط جناحيها على كفيه، فتلطخت أطراف أصابعه بالدم، وحينذاك، أدركت أن جناحيها مكسورتان، وكان عجبي يتعاظم، وأنا أرى هذا الاهتمام المفاجئ بها، دون غيرها من الطيور.. قلت له : اذبحها بسرعة لتتخلص من الألم!

لكنه قال :كلا .. لا أستطيع .. حاول أنت أن تفعل ذلك.

وسحب خنجراً صغيراً كان معلقا في حزامه، وناولني إياه.. وبيد مرتعشة وضعت النصل الحاد على عنقها الطويل، فانفصل الرأس عن الجسد، وتدفق الدم، واختلجت كل أعضائها برهة، ثم استكانت ولم تصدر منها أية حركة!

عندما رفعت بصري وجدت عيني العجوز مغروزتين في ذلك الجسد الذي غادرته الحياة، ولم يكن صعباً  أن أرى فيهما حزناً كثيفاً لا أدري سببه بالضبط، سوى تشابهه مع النظرات الخائفة والأجساد الناعمة لتلك الطيور التي وقعت في الفخ الذي أعددناه لها بعناية.

سألته:هل هناك غرابة في الأمر.. كل هذه الطيور ستلاقي المصير نفسه.

أجاب: نعم، هذه الطيور كلها ستذبح وتؤكل لحومها، لكنني أردت لهذه البطة بالذات أن تظل حية .. فأنت لا تعرف حكايتها معي.

واكتفيت بنظرة تساؤل واندهاش، كأنني أسأله: وما هي قصتها ؟!

فأوضح قائلا: لقد أصرّت هذه البطة، ذات يوم، أن تدخل الشبكة، على الرغم من أن الطيور الأخرى فرت بسبب الريح، وحين اصطدتها كانت رغبتي الوحيدة أن أتعرف على هذه الطيرة الجريئة التي لا تفزعها رائحة الإنسان.. فوضعت تلك الحلقة على ساقها، لتكون علامة تميزها عن غيرها، حتى إذا ما وقعت في يدي مرة أخرى، أفرج عنها، لتعود حرة طليقة في الفضاء، وقد اصطادها أحدهم فأعطيته بدلاً منها ثلاثة طيور، وأطلقتها في الهواء، أمام عينيه، ومنذ ذلك اليوم بات يعرفها الجميع، وكلما وقعت في يد صياد جاء بتلك البطة لتنال حريتها، على يدي، بدلاً من ذبحها .. ولم أتوقع أبدا أن موتها سيكون على يدي أيضا، وأمام نظري!

عندما بدأت الشمس ترتفع في السماء، ويتسرب الدفء إلى أجسادنا، حملنا طيور البط وأدوات الصيد، وغادرنا المكان، لكن الرجل، ظل صامتاً، لم يكن سعيداً، على الرغم من تأكيده أن هذه أول مرة يصيد فيها عددا وفيراً من الطيور!!

 

الحافلة رقم(4)

 

     كانت الحقائب مبعثرة، في إحدى زوايا الغرفة، استعداداً لانتهاء الإجازة، وقد تحولت الأحاديث من سفرة الجنوب اللذيذة إلى  صعوبات رحلة العودة إلى ليبيا، عبر الطريق الخطر الذي قطعناه، باتجاه العراق، من قبل.. وما بين صخب تلك الأحاديث العائلية، بعد وجبة غداء من السمك النهري، رن جرس الباب، حيث وقفت سيارة فخمة، وترجل منها شابان، وقد كان أحدهما يحمل ملفاً، يضم رزمة من الأوراق، وهو يسأل عن اسمي، وكأنه يعرفني، فأدخلتهما، إلى صالة البيت، وجلسنا نتبادل التحيات والنظرات.. ثم قال أحدهما: أرجو أن تلقي نظرة على هذه الأوراق، إذ ربما تجد فيها مفاجأة!!     حدقت في الملف بذهول، كانت أوراق من ملف سري جداً، يبدو أن أحدهم عثر عليها متناثرة، قرب مديرية الأمن..لقد أعادتني تلك الأوراق إلى كابوس حاولت نسيانه، بلا جدوى، طوال ربع قرن من الزمن.. أوراق تتضمن أسماء وعناوين ومعلومات عن أشخاص أحياء أو أموات،جمعتهم الصدفة، ذات يوم، في الحافلة رقم(4) التي تسير بين باب المعظم وساحة الفردوس،حشدتهم الرغبات البسيطة واللهاث من أجل رغيف الخبز، وفرقتهم الزنزانات المظلمة وغرف التعذيب وفصائل الإعدام والمقابر المجهولة.. الحياة وضعتهم في مكان واحد، في لحظة واحدة،على ظهر سفينة مبحرة في بحر من العبث والضياع.. وفرقهم العذاب والموت. كنت من بينهم، وكان يمكن أن يكون كلٌّ شخص أحدهم، بصفته عابر سبيل، لكنه لم يعبر إلى أية ضفة، ولم يكن ثمة سبيل أمامه سوى التيه.. رجل أو أمراة،أو عجوز أو شاب أو طفل..كانوا خليطاً من البشر يركبون حافلة عامة، في ظهيرة يوم قائض، لكنهم لم يصلوا أبداً إلى بيوتهم أو دوائرهم، في ذلك اليوم، فقد خرجت الحافلة عن مسارها بقوة القدر المشؤوم، وتوجهت إلى مصير مجهول، كان ينتظرهم جميعاً، متربصاً حاقداً، خلف القضبان الصدئة والجدران الرطبة والبلاط القذر..هؤلاء الذين عرفتهم، في تلك المصادفة العجيبة، لم أستطع نسيان تفاصيل وجوههم،وألوان عيونهم، ونغمات أصواتهم، وروائح   أجسادهم،وحكاياتهم الحزينة والساخرة معاً.                               

  لو أن تلك الرحلة سارت في طريقها الاعتيادي حتى النهاية اليومية، لنزلنا وتفرقنا، ولم نتعرف على بعضنا، مثلما يركب آلاف الأشخاص، في الحافلات، ويغادرونها، وسط العاصمة المزدحمة، دون أن يتركوا أثراً، بيد أن ثمة عقول  تجيد صناعة الشر، كانت قد رسمت لكل واحد منا،طريقاً مرعباً، فأصبحنا مفقودين في بلدنا، وغائبين عن الحياة، ولم نستطع مواصلة مشوار آخر كنا نتوق إليه،وربما هدف متواضع نطمح في الوصول إليه، أو أمنيات، مجرد أمنيات بسيطة، كنا نرغب في تحقيقها..أحلام ضاعت، ونفوس سحقت، ودماء نزفت، ثم جفت.. وأجساد مزقت ودفنت في مكان ما، بلا شواهد ولا شهود، ربما لم يبق منهم أحد سواي، لكي يروي هذه الحكاية، حيث عثر بعض  الأشخاص على عنواني، في ملف القضية، وطلبوا مني مشاركتهم  في قراءة تلك الأوراق، ثم سرد الأحداث، مثلما شاهدتها وعايشتها، لحظة بعد لحظة، لكي يتعرفوا على مصير أبنائهم أو أصدقائهم،الذين ابتلعهم مثلث العبث بأرواح الناس الأبرياء.. وقد قرأت كل حرف وكلمة وعبارة، بحثاً عن الحقيقة المفقودة،التي  طمست، في ركام هائل من التزييف والكذب، وكم تبدو صعبة تلك اللحظة، التي تجمع الضحية والشاهد والقاضي والجلاد.. في مواجهة مع اليقين، من أجل كتابة تاريخ لم يسمح لأحد بروايته من قبل، ولم يكلف الكثيرون أنفسهم مشقة العثور على أسراره المخفية تحت التراب.                                                                         

                                     ***

     كانت الحافلة الحمراء ذات الطابقين، تقف في  ساحة الميدان، في حين يتدافع الركاب من أجل الدخول بسرعة والفوز بمقعد فارغ، ومن يخسر هذه المعركة الصغيرة سوف يظل واقفا طوال الرحلة، متشبثاً بالمقابض المعلقة بالسقف،لكي لا يتدحرج ويسقط على أرضية الحافلة أو فوق الركاب الجالسين!                                                    

حشد من البشر المسحوقين المستعجلين الذين يريدون الوصول إلى وظائفهم أو انجاز معاملاتهم  أو التسوق أو التسكع بلا هدف..عشرات الحافلات تذهب وتأتي، عبر الشوارع المزدحمة، وتثير الفوضى والدخان والغبار، حيث تتنفس الصدور موتاً بطيئاً وتمتلئ النفوس غضباً مكبوتاً.                                                                  

  سحبتُ الرجل العجوز، الذي كان يحاول الصعود، وأجلسته بجانبي، كانت أنفاسه متقطعة وقد حاول فتح زجاج النافذة بلا جدوى، ثم أطلق سيلاً من الشتائم المبهمة ضد مجهول.. وقفت امرأة حبلى بجانبي، وكاد جنينها يصرخ في أذني أو يركلني،فوقفتُ، وتنازلت عن الكرسي لصالح ذلك الجنين الذي لم يخرج بعد من الظلمات الثلاث إلى بيوت وشوارع وحافلات أكثر ظلمة وضيقاً من الأرحام!                      

  وسط الضجيج والازدحام والحرارة الخانقة تفقدت صديقي عبد البصير، الذي جاء مثلي، من القرية إلى العاصمة، قبل بضعة شهور فقط، وهو يعاني من ضعف البصر، ويظل واقفاً على الرصيف، في كل مرة، معتمداً على سرعتي في التسلق والاختراق، لكي أصعد قبله، ومن ثم أحجز مقعدين متجاورين لكلينا، بيد أنني، هذه المرة، قد خذلته تماماً، فقد وجدني عندما وصل في آخر الرتل، واقفاً محصوراً بين البطون الرخوة والأكتاف الصلبة والأرداف اللينة!                       

   كنت أوشك أن أضحك أو أبكي، في داخلي، ولا فرق بين هذا وذاك، فقد ينتابني الضحك عندما يكون عبد البصير حزيناً مرتبكاً،لا سيما عندما تسقط نظارته السميكة تحت الأقدام، وقد أبكي كثيراً لمنظر سائق الحافلة الذي يقود هذا المهرجان الشعبي عشرات المرات يومياً،ثم يفقد الوعي فجأة، وتنطلق الحافلة في رحلة عشوائية مرعبة، حتى تصطدم بحافلة أخرى، وتتناثر الأشلاء والدماء، ونخرج من بين أنياب الموت دهساً أو فرماً، ونحمد الله كثيراً، الذي  لا يحمد على مكروه سواه، فقد أتاح لنا فرصة الحياة مجدداً.. ومعنى ذلك أن نتنفس المزيد من التلوث، وأن نسمع الكثير من الصخب، وأن نتحمل ألوان من القهر والخوف، وأن نشاهد العديد من الصور المرعبة، أو الوجوه الجميلة، وبخاصة عندما ندخل باب الجامعة، ونتناسى رحلة العذاب اليومية..نشم رائحة القرنفل والياسمين والعطور النسائية، ونسمع تغاريد الطيور فوق الأغصان المتشابكة، ونطالع تلك الوجوه المضيئة، نتبادل الابتسامات، نجلس في القاعة.. نفكر.. نحلم..نصحو على صوت الأستاذ الذي يعاني من أجل شرح النظريات العلمية وإدخالها في عقولنا الغضة!                                                 

   انقطعت سلسلة التداعيات عندما اهتزت الحافلة بشدة وأزبدت ودخّنت وأرعدت، وتحركت ببطء شديد..ثم توقفت، بطريقة غير متوقعة..كان ثمة شاب يصرخ قرب الباب:منشورات.. منشورات..منشورات!                                                         

أُغلقت أبواب الحافلة فجأة، وتحرك ثلاثة رجال أشداء لالتقاط الأوراق المتناثرة، والسيطرة على الأبواب، وإصدار الأوامر إلى السائق بالتحرك نحو مكان ما.                                                     

 رفض الرجل، وأبلغهم أنه لا يتلقى أي أوامر ولا يغير اتجاه السير إلا بموافقة من مراقب منشأة النقل..لم تنفع الكلمات الصارمة ولا التهديدات ولا الهويات الأمنية في تغيير موقفه..اقترب أحدهم وهمس بضع كلمات.. ثم أخرج مسدساً وضرب بعقبه جمجمة السائق،الذي تراخت يداه عن المقود وسقط صريعاً، بعد أن أطلق صرخة قصيرة: آ..آ..آه!                                                                          

  دفعه الرجل بقدمه، ثم جلس في مكانه.. وضع مسدساً أمامه.. وراح يصدر التوجيهات والأوامر إلى جميع الركاب بالتزام الهدوء والصمت.. وقال بسخرية: سوف نأخذكم في رحلة ترفيهية قصيرة لكي نعرف من منكم تجرأ على رمي هذه المنشورات التي تهدد أمن الدولة؟!                                                                        

تصاعد الصياح والضجيج..هيجان ورعب واحتجاج..حاول أحد الشبان القفز من النافذة، فالتقطه رجل غليظ وسحبه إلى الداخل، وطرحه أرضاً، ثم سحقه بركلات عنيفة، حتى انقطع صوته ولم يصدر منه سوى أنين خافت!                                                 

قام (السائق الجديد) بإجراء مكالمة عن طريق هاتف نقال على شكل علبة سجائر، ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى أغلقت الشوارع، وتدفقت سيارات الشرطة ذات الصفير المتقطع، التي حاصرت الحافلة، من جميع الجهات!                                                 

اقترب عبد البصير، حتى التصق بي..سمعت دقات قلبه، وشعرت بارتجاف جسده.. سألني:هل نخسر المحاضرة اليوم أيضاً؟!..سؤال قد يبدو وجيهاً من شاب قروي حريص على الدراسة، فقد طرَدَنا الأستاذ أمس، ولم يسمح لنا بالدخول، عندما وصلنا متأخرين..اليوم يسألني صديقي بسذاجته المعهودة عن احتمال التأخير وضياع المحاضرة، في حين كنت أفكر أن مستقبلنا وحياتنا كلها قد تضيع في هذه الورطة!..مجموعة قصاصات ورقية، تتضمن شعارات، أو شتائم، ضد السلطة، يكتبها أحد ما، ويرميها في حافلة النقل العام، في لحظة غضب، تثير كل هذا الخوف، في صفوف أجهزة الدولة المسلحة بالحديد والنار؟!..أوراق وعبارات تافهة تهز عرش السلطان، وتكشف عن هشاشة ذلك الديناصور وضعفه؟!..محتجزون.. ضعفاء .. نحن الشعب المقهور المحاصر، لكننا نثير الهلع في نفوس الطغاة والجلادين.. نحن أقوياء مثلما نحن ضعفاء إذاً، دون أن نشعر..أما الخوف فإنه قاسم مشترك بين الحكام والرعية، منذ الأزل، بيد أن الحكام أكثر خوفاً وقلقاً على مصيرهم وأرواحهم وممتلكاتهم وقصورهم ونسائهم، لذلك يكون بطشهم وانتقامهم شديداً..أما نحن الفقراء، فلا نملك سوى هذه النفوس المعذبة المحرومة، التي تشتاق إلى الموت أحياناً، أكثر من الحياة، وقد فهم الحكام الظالمون هذه الحقيقة، فراحوا يوفرون الموت لشعوبهم بطريقة مجانية، سواء على قارعة الطريق، أم في زنزانة مظلمة، أم في ساحة الحرب!           

ـ ماذا تقول..؟!

  استفزني سؤال عبد البصير، ويبدو أنني كنت أهذي أو أتحدث مع نفسي بصوت مسموع!

أجبته:لا تهتم..التهمة ثابتة علينا، ونحن مجرمون وخونة، حتى تثبت براءتنا؟!

  تحركت الحافلة، ضمن قافلة من سيارات النجدة، وتوغلت عبر طرق غير معهودة، في رحلة إلى المجهول، قد نعرف بدايتها، ولكن من يستطيع أن يعرف النهاية؟!..لم يعد ثمة الكثير من الضجيج، فقد ساد شعور بالاختناق والرعب، بعد أن أغلقت نوافذ الحافلة تماماً،على الرغم من حرارة الصيف، وراح الموكب يشق طريقه نحو "القرية السياحية"..قرية الظلام والموت، أي مديرية الأمن!                    

انفتحت الأبواب الحديدية، ورفعت الحواجز الشوكية،عن الطريق، في حين وقف الحراس استعداداً لاستقبال هذه الكوكبة الجديدة من أبناء الشعب،التي تدخل إلى عالم ما وراء الشمس، وربما لا تخرج منه  أبداً!                                                                               

وقفت الحافلة وسط ساحة صغيرة، بين مجموعة من البنايات والأزقة الضيقة، احتشد حولها رجال مدججون بالسلاح، متهيئون لإطلاق النار على من يتحرك خارج إطار الأوامر الصارمة.. بعد انتظار طويل، راح الكثير من الأطفال والنساء يصرخون، بسبب  سخونة الجو اللاهب، والعطش والجوع والخوف..أصبحت لدينا أمنية في أن نخرج بأسرع وقت، من الحافلة،حتى لو كان ذلك الخروج يمثل خطوة في الطريق نحو الزنزانة أو الموت.. تسابقنا وتدافعنا، وتعرضنا لضربات العصي الغليظة، عندما أُمرنا بالتوجه نحو باب القاعة القريبة.. قام الحراس بتنظيم طابور غير متناسق من البشر الذين يساقون إلى الظلمة، بعد أن فقدوا حريتهم وكرامتهم وإرادتهم، وتحولوا إلى قطيع بيد مجموعة من الجزارين  المُدربين،هؤلاء الشباب المسلحين بالمسدسات والبنادق والابتسامات اللطيفة، يتحركون ويمارسون عملهم بخفة وأريحية وزهو،كأنهم يُحضّرون لحفلة سعيدة، وقد بدأت ملامح التنظيم الدقيق، في داخل القاعة الفسيحة، التي تخلو من الأثاث والمفروشات، سوى ثلاثة كراسي وطاولة صغيرة، حيث أوقفونا في مجموعتين،الأطفال والنساء  في جانب، والرجال من مختلف الأعمار في جانب آخر.                   

دخل ثلاثة رجال أشداء،وجلسوا على الكراسي الثلاثة،قرب الباب.. وقف الحراس متأهبون بعد أداء التحية العسكرية، رغم أن أغلبهم كانوا يرتدون ملابس مدنية عادية..الصمت..الصمت فقط.. بانتظار كلمة أو إشارة من ذلك الضابط الذي يجلس بين اثنين من مساعديه.. كانت نظراتهم تستعرض الوجوه وتخترق العيون الدامعة والغاضبة، وتتفحص القسمات المستكينة والمرعوبة.. غريزة الكلاب البوليسية، لدى الجلادين، تتشمم أجسادنا بحثاً عن دليل أو برهان على تهمة، لم نعرف مدى خطورتها، وما عقوبتها..سوى من خلال ملامح هؤلاء  الشرسين،الذين لم ندرك مقدار وحشيتهم إلا بعد أن سحبوا سائق الحافلة المحتضر النازف وألقوه وسط القاعة.                           

ـ من هذا؟!                                                                     

نطق كبيرهم  متسائلاً بصوت أجش..أجابه أحد الحراس:

ـ سيدي هذا السائق الذي لم يستجب لأمرنا فضربناه!

ـ هل يستطيع أن يجيب  أو يتكلم؟.. ربما يتظاهر بالغيبوبة، حاولوا إيقاظه!

بادر ثلاثة حراس لتدليك وجه السائق بشده، ثم أحضر حارس آخر قنينة ماء وسكبها على رأس العجوز المغطى بالدم،انتفض جسده لكنه لم يستيقظ، نظر الحراس إلى الضابط الذي أشار إليهم بإخراج السائق من القاعة، فراحوا يسحبونه  كالخرقة على البلاط، وأخرجوه، ثم عادوا ووقفوا مستعدين على جانبي الطاولة.                              

كان ثمة جسد آخر على الأرض يئن ويتألم،قال الضابط:

ـ هل هذا (الزعطوط) الذي حاول الهروب؟..يبدو أنه لا يستطيع الكلام أيضا..ضعوه مع السائق في الجناح الملكي!

   ارتسم ظل ابتسامة على وجه الضابط،الذي أرسل هذين الشخصين المحطمين إلى السجن دون تحقيق أو كلام، سوى عبارة تهكمية غامضة، وقد فهمنا منها أن بناية" القصر الأبيض" التي كانت تعد  مقر الضيافة الرسمي، في العهد الملكي، قد أصبحت  من سجون  مديرية الأمن!                                                                   

توزعت الأدوار، ونشرت الأوراق على طاولة التحقيق، كان الضابط يسأل ويدقق في السؤال كثيراً، ومساعده الذي يجلس على الجهة اليمنى يكتب السؤال والجواب بصمت، أما الثالث فكان يضع أمامه قصاصات صغيرة من الورق، ويطلب من كل متهم كتابة عبارة((راشد يزرع وزينب تحصد ونحن نأكل)) ثم يكتب المتهم اسمه ويوقع أو يبصم بالإبهام الأيسر!

  وصل طابور النساء وأطفالهن إلى نهايته، وغادر أغلبهن مكان التحقيق نحو قاعة أخرى، تحت حراسة شديدة، وذلك بعد حفلة صاخبة من الدموع والضجيج، وسط شتائم المحقق وعباراته البذيئة، التي كان يوزعها على الجميع.. أصبحت القاعة أقل ضجيجاً، وارتسم الوجوم والقلق على وجوه الرجال، الذين راح بعضهم يتلقى أسئلة المحققين بارتباك، في حين أبدى آخرون صلابة في الإجابة، وكانت إيماءات المحققين تهدد هؤلاء، وتشير ملامحهم إلى مراحل مقبلة أكثر قسوة، من التحقيق والتعذيب، وبخاصة إزاء الذين تحيطهم أية شبهة، مثل ذلك الشاب القادم من محافظة النجف، الذي قال أن مهنته العمل في بناء البيوت، فطلب منه المحقق بسط كفيه أمامه، وراح يقلبهما بازدراء، ثم صفع الشاب على وجهه بشدة، وسأله: لماذا تكذب؟.. إن يديك ناعمتان وصغيرتان، كأنهما يدا فتاة، ولا تبدو عليك الخشونة التي يتميز بها عمال البناء.. فاخبرني ولا تراوغ، هل أنت من طلبة الحوزة الدينية؟!

   قال الشاب:نعم..كنت أدرس في الحوزة، ولكنني حالياً في بغداد أعمل في البناء، لأنني يتيم  وأعيل أمي وأخواتي الثلاث!

حدق المحقق في وجه الشاب برهة، ثم أشار إلى الحراس لدفعه نحو غرفة مجاورة.

   طلب رجل عجوز جرعة ماء، لأنه يعاني من مرض السكر، ويشعر بالجفاف، فأخبره المحقق أنه سوف يتناول الطعام والشراب، في القاعة الأخرى، بعد انتهاء التحقيق.

امتعض العجوز وسأل ضابط الأمن، بجرأة وبساطة، غير متوقعة: من أية عشيرة أنت يا ولدي؟!

وخزه أحد الحراس بخاصرته وأمره: قل يا سيدي!

تجاهل التحذير، وأضاف العجوز بإصرار: هل لديك أم وزوجة وأخوات وبنات..هل لديك عائلة؟!

  نهض الضابط، وبصق في وجه العجوز، وطلب من الحراس سحبه، ووضعه مع المشبوهين الآخرين!

  عندما وقفت أمام المحقق العنيف، كنت أشعر أن الأرض تهتز تحت قدمي، في حين كانت ملامح الضابط ترتجف من شدة الغضب، وكان عبد البصير يقف خلفي مباشرة، سألني المحقق عن المهنة، فقلت: طالب.

    قال: أين؟

- كلية الآداب.

- هل لديك هوية؟!

- نعم.. تفضل!

تناول الهوية وراح يدقق فيها، ووضعها أمامه، ثم أمرني بالوقوف في جانب الطاولة.

تقدم عبد البصير، وتكررت الأسئلة والإجابات نفسها، ثم أمره المحقق بالاصطفاف إلى جانبي!

مرَّ الآخرون، أمام المحقق، وكان الحراس يسوقونهم، نحو الباب المؤدي إلى قاعة أخرى، ويختفون، في حين نقف، نحن الاثنان، بانتظار مصير غامض!

خرج جميع المتهمين، فالتفت الضابط إلينا، وقال فجأة:

- هوياتكم هذه مزوّرة؟!

ارتج كياني أمام هول الصدمة، وتلعثمت، فأضاف:

- سوف نتصل بالكلية، فإن أيدوا وجودكما، في قوائم الطلبة، ربما يكون هناك موقف آخر؟!

قبل أن يكمل الضابط المحقق عبارته شعرت بقبضة قوية تشدني إلى الوراء، وتدفعني نحو القاعة المجاورة، حيث وجدت نفسي، وإلى جانبي صديقي عبد البصير، وسط الحشد نفسه، الذي كان في داخل الحافلة!

اقترب العجوز المريض من امرأة، كانت تضع في فم طفلها الرضيع قنينة حليب فارغة، وكاد يطلب منها جرعة، بيد أنه تراجع مذعوراً، فاصطدم بظهري، ثم تدحرج على الأرض، فالتف من حوله عدد من الأشخاص، في محاولة لمساعدته،على النهوض، وقد سمعته يئن، ويردد بصوت واهن:

-لا تخافوا من هؤلاء الجبناء، فقد أمضيت بينهم، من قبل، عشر سنوات، وقد أعادوني اليوم، لكي أموت في السجن، كما يبدو، دون أية جريمة!

 أوصدت أبواب الزنزانة الجماعية المظلمة، ولم نعد نسمع سوى صرير الأبواب المجاورة، أو صرخات المعتقلين، تحت سياط الجلادين، في الغرف القريبة.

 أصبحت أمامنا ثلاثة أجساد بشرية محطمة، ملقاة على البلاط البارد، السائق العنيد والشاب الذي حاول الهرب والعجوز المريض، في حين تكورت أجساد النساء مع الأطفال، في نهاية القاعة، وكان أغلب الرجال يقاومون التعب، من خلال استمرار الوقوف، قرب الباب، على أمل أن يعود أحد الحراس لإخراجهم، وعندما مر وقت ثقيل، يأس الكثيرون، وراحوا يتمددون على الأرض، بعد منتصف الليلة الأولى الطويلة، التي لم نعرف ما ينتظرنا  بعدها من آلام ومآسي، في ليال شديدة الظلمة!

                                ***

لم نستطع تمييز ضوء الفجر وطلوع النهار إلا من خلال أصوات الحراس، ودبيب أقدامهم في الممرات القريبة، فنهض كثيرون لأداء الصلاة والدعاء بخشوع شديد، في حين تزاحمت النساء والأطفال عند باب الحمّام الصغير القذر، وانتشرت الرائحة الكريهة، في أجواء القاعة المغلقة..فتحت البوابة الحديدية فجأة، ودخل ضابط التحقيق مع مساعديه وحرّاسه، وطلب من الجميع الوقوف في طابور عسكري، ثم راح يتلوا قائمة الأسماء، حتى أكمل تعداد جميع الحاضرين، وقال:

- لقد رفعنا قضيتكم وننتظر الأوامر.. سوف نقوم بإخراج النساء والأطفال من هذه القاعة، بعد وجبة الإفطار.

فتح بعض الحراس أكياساً مملوءة بالخبز الجاف وراحوا يوزعونها بفوضوية على الحشد الجائع، وعندما أزعجهم التدافع والضجيج قاموا بنثر أقراص الخبز فوق الرؤوس وخرجوا ساخطين!

  مضت الساعات، ثم الأيام، ثقيلة، واختلط الليل بالنهار، وراحت الوجوه تختفي والملامح تغيب تدريجياً، حيث قاد الحراس جميع النساء والأطفال، إلى مكان آخر، في حين جرى سحب الرجال إلى غرف التحقيق والتعذيب، واحداً بعد الآخر، ولم يعد منهم إلا قليل، لم يعد يهمنا حساب عدد المتوفين، بل كنا نعدُّ الأحياء المتبقين فقط، ثم فقدنا القدرة على العد، عندما توزعنا في زنزانات ودهاليز، تحت سطح الأرض، تضم مئات من الأشخاص الذين سبقونا في رحلة الظلام، ورحنا نسمع منهم حكايات مرعبة، رغم أن فصول التعذيب التي مرت علينا جعلتنا نفقد الشعور بالغرابة أو المفاجأة.. وبعد مضي نحو عامين، جاء أحد الحراس ينادي باسمي، واصطحبني إلى غرفة المدير، الذي لم يتحدث معي أبداً، واكتفى بالإشارة إلى أحد الضباط مستفسراً:هل هو هذا؟!

فأجاب الضابط: نعم سيدي!

قال:سلمه لأهله!!

رافقني الضابط إلى سيارة صالون مدنية وأمرني بالجلوس إلى جانبه، ثم انطلقت السيارة، عبر شوارع بغداد المضيئة، المزدحمة بالمتسوقين والمتسكعين والسكارى والمتعبين، مدينة داعرة ساهرة لا توحي أبداً أن ثمة نفوس بريئة تعاني وراء الجدران القذرة،وأرواح تزهق بلا رحمة، وأجساد تطمر تحت التراب..  وما لفت انتباهي كثرة الشعارات والصور والتماثيل التي تبالغ في تمجيد القائد الملهم، الذي يقود الجيوش إلى النصر!.. توقفت السيارة عند منتصف الليل قرب مسكني، فأشار الضابط لي بالنزول، ولم أسمع منه طوال الرحلة، سوى عبارة  واحدة وأخيرة:

ـ اذهب.. ولا ترينا وجهك!

طرقت الباب، وأجبت بصوت واهن على من ينادي من الداخل، ففزعت العائلة كلها، وراحت الأيادي والأحضان تتشابك حول جسدي المحطم الضعيف، ثم دحرجوني معهم إلى داخل البيت، فجلست وسط عاصفة من البكاء والدموع والحسرات، وكنت استرق النظر إلى شاشة التلفزيون، فوجدتها مليئة بالدماء والجثث الممزقة، وصوت المذيع يصرخ بهستيرية!؟

قلت: ما هذا؟

قالت الوالدة، من بين دموعها الساخنة:

ـ إنها الحرب بدأت منذ شهور يا ولدي!!

                                  ***

كان ثمة سؤال ما يزال معلقاً في نظرات هؤلاء الذين جاءوا يبحثون في ذاكرتي عن مصير أقاربهم، فأخبرتهم أنني لا أعرف ما جرى لهؤلاء الناس، لأن مغادرتي السجن تمت بمعجزة إلهية، لم أتحدث عنها كثيراً، من قبل، فقد كان الوالد، ذات يوم، عندما كنت سجيناً، يزور والدتي المريضة، في إحدى ردهات مستشفى مدينة الطب، وكانت ترقد في الغرفة نفسها امرأة شابة تصارع الموت بسبب مرض السرطان، وتنتظر عملية جراحية لاستئصال ثديها المتورم، وحول سرير تلك المرأة يقف أهلها وزوجها وأطفالها حائرين قلقين، فشاركهم الوالد مشاعرهم الحزينة وراح يتحدث معهم عن الشفاء بإذن الله وليس بإرادة الأطباء، ثم نزع من فوق رأسه كوفيته الخضراء، التي جلبها من مكة المكرمة، وطلب منهم أن يلفونها حول رقبة المرأة وصدرها، فراح الأقارب اليائسون يدثرون المرأة بالكوفية ويصرخون: الله أكبر..اللهم صلي على محمد وآل محمد.

في صبيحة اليوم التالي توقفت سيارة مسلحة، أمام البيت، ونقلت الوالد إلى جهة مجهولة، وسط عويل النساء وحيرة الجيران، الذي سرعان ما فسر بعضهم الأمر بأن اعتقال والدي لا بد أن يكون مرتبطاً بقضية اختفائي، ثم يروي الوالد تفاصيل الأحداث اللاحقة، حيث يقول:

دخلت السيارة المسلحة بوابة مديرية الأمن فتأكدت أنني في طريقي إلى السجن، رغم أن الحراس لم يتحدثوا معي، ثم أنزلوني من السيارة ورافقوني إلى بناية متعددة الممرات والغرف، حتى وجدت نفسي وسط غرفة واسعة، يتصدرها مكتب فخم، وقد نهض رجل يفوح العطر من ملابسه الأنيقة، واستقبلني وصافحني باحترام بالغ، وكان يردد" مرحبا بالسيد..يا هلا بالسيد" ثم انتبهت فجأة إلى أنني قد رأيت هذا الرجل أمس في المستشفى قرب سرير المرأة المريضة، فبدأت أنفاسي تهدأ قليلاً، وجلست إلى جانبه على قنفة جلدية، حيث وضع يده على ركبتي بمودة، وراح يحدثني عن زوجته وأطفالهما الصغار، وكيف عجز الأطباء عن معالجتها، حتى يوم أمس، حيث تبين من خلال التحليل الطبي، بعد تدثرها بالكوفية الخضراء المباركة، أن مرض السرطان قد غادر جسدها، وأنها قد استيقظت من الغيبوبة، وتم إلغاء العملية الجراحية، وسط دهشة الأطباء.. وقال أخيراً لقد أنقذت بإذن الله تعالى زوجتي، وأنا رجل مسؤول كبير في الدولة، فاطلب ما تريد مني وستجدني في خدمتك!

شكره الوالد بخشوع، وبدأ بقراءة سورتي الفاتحة والإخلاص، وراح يمسح بباطن كفه دموعاً ساحت على خديه دون إرادته، ثم أخبره باختفائي منذ عامين، أثناء توجهي إلى الجامعة، فسجّل الرجل اسمي وتاريخ الاختفاء الغامض ووعده خيراً!!

 

4

العربــــة المقطوعة

 

 

     لم يكن متوقعاً أن ألتقي، خلال رحلتي إلى العراق، صديقي (جواد)الذي جمعتني وإياه خنادق الحرب، على الحدود الإيرانية طوال ثمانية أعوام، وقد فارقته عندما دخل السجن، بتهمة محاولة الفرار من الجبهة..كان محكوماً  بالإعدام، حيث زارتني والدته العجوز، ذات يوم، ودموعها تنهمر نهراً من الألم والرجاء، وهي تطلب مني مرافقتها لزيارته، في سجن الفيلق الثالث، قرب مدينة البصرة، وقد طمأنتها، قلت: سأذهب لزيارته وحدي، لأنهم يمنعون النساء من الدخول إلى المناطق العسكرية.

   تذكرت أيام الحروب الطويلة، وتفاصيل تلك الرحلة، عندما وجدت

(جواد) يجلس في سوق الخضروات،أمام بسطة من الخيار والباذنجان والبصل والتمر.. رجل كهل تلاشت ملامحه، تحت حرارة الصيف، وضاعت أيام عمره وتبخرت أحلامه، في ساحات الحروب، وأقبية السجون، وأرصفة البحث عن لقمة العيش.

صافحته وعانقته وشعرت بدموعه تسيل على كتفي، ثم جلسنا، وسط حشد المتسوقين، نردد قصيدة الأحزان والأشجان، التي كتبناها معاً، ومن بين أبياتها المريرة، تلك الليلة، التي دفعتني إليها نخوة الأم المقهورة ومشاعر الحنين إلى  صديق لا مثيل لشجاعته وإيمانه وإصراره على رفض الموت،في ظل نزوات الطغاة!

                                       ***

 كان ثمة دافع خفي قد دفعني تلك الليلة إلى ركوب قطار البصرة، على الرغم من أنني لم أسافر أبدا بالقطارات من قبل، وكل ما كنت أعرفه عنها أنها زواحف حديدية ضخمة تمر ذهاباً  وإياباً على قضبان صدئة.

قال سائق سيارة الأجرة: يبدو أنك  متلهف لموعد  مهم، تريد الوصول بسرعة !

قلت: أرجو  أن توصلني إلى داخل المحطة، فأنا لم أرها، ولم أسافر بالقطار من قبل.

ظل الرجل يتأمل وجهي في مرآة السيارة باستغراب، وكنت أسترق النظر خلسة  لملامح صورته المعكوسة  على السطح الزئبقي.

لقد تجرأت ذات مرة، عندما أثارني  ملمس القضبان الحديدية الباردة، الممتدة قريبا  من منزل جدي الطيني، فجلست  عليها، وانتظرت مرور  القطار بلهفة، لكنه لم يأت، فاض الظلام، وغلبني النعاس، توسدت الحصى، ونمت زمنا لا أعرف مداه، ولم ينتشلني من مخالب العجلات  التي كادت تفترسني وتحولني إلى  عجينة بين أسنانها، سوى العواء الوحشي  لصافرة القطار، التي استفز  صوتها  أعصابي الطفولية  الغضة حينذاك، مما جعلني أنجو من الموت بأعجوبة !

  كان الليل في المحطة الرئيسية، وسط العاصمة، يبدو كثيفاً لزجاً، على الرغم من فقاعات الأضواء الخافتة المتناثرة على جانبي المحطة.. بدأ القطار  حركة بطيئة، وراحت  العربات  تنزلق على السكة  باعثة صريراً معدنياً مزعجاً، في حين  أطلقت  صافرة  القطار زعيقاً  تردد صداه  على جدران المباني المجاورة.. كنت  أركض ممسكاً التذكرة  والحقيبة  في يد واحدة،أحدق في أرقام العربات  التي بدأت  سرعتها تتزايد، ينتابني شعور بالإعياء، وأنا أطارد القطار في زحفه  المتسارع، ثم أتشبث في آخر الأبواب المفتوحة يائساً، وألقي نفسي لاهثاً  في العربة الأخيرة.

   بهرني شعاع الضوء الأبيض الذي يغمر المكان، ويترجرج عبر النوافذ الزجاجية.. وقفت في الممر أبحث بعيون مضطربة، وأدقق في الأرقام المثبتة على المقاعد.. كان بعضهم  يجلس مسترخيا.. ثمة  عدد من المسافرين يبحثون عن أماكنهم،مثلي تماماً، ويتزاحمون  ويتبادلون  الكلمات والأسئلة  السريعة.

  قلت: هل هذه العربة العشرون؟

لم يجب أحد، ضاع السؤال  في لجة  الضجيج، وتبخرت الكلمات  في دوامة القلق، هل كنت  أسأل نفسي أم الآخرين!؟..لا أظن أن كلماتي انطلقت أبعد من شفتي.. كنت متوتراً كالتائه في سوق مزدحم..تزحزح رجل عجوز، فأوسع لي مكاناً بجانبه، لعله شعر بحيرتي..تهالكت على المقعد، وألقيت بجسدي دفعة واحدة، كمن يسقط من حافة الهاوية.

ــ إنها عربة قديمة، كما ترى، لكنها أفضل من لاشيء.. يبدو أنهم اضطروا، في اللحظة الأخيرة  إلى ربطها في مؤخرة  القطار، عندما  ازدحم الناس، ولم تكف العربات الأخرى!

قلت: وما الذي جعلهم يقبلون على السفر بهذه الكثافة..إنها ليلة عادية، كما أعتقد، ولم يتغير شيء في البلد!؟

قال: ألم تسمع الأخبار؟.. يبدو أن الحرب ستندلع من جديد!

حدقت به مستغرباً، حائراً، قلقاً، فكلمة الحرب أو الهجوم الوشيك تثير صوراً وذكريات دموية في ذهني، وعندما شعر الرجل بانقباضي، أضاف:

ــ وأنت يا ولدي، هل أنت عسكري أم لديك أعمال تقضيها في الجنوب، أم أنها زيارة إلى أهلك هناك !؟

قلت: بل زيارة لصديق في السجن العسكري.

                                  ***

  الحرب مرة أخرى؟!.. وابل من الصور والذكريات المريرة غمرني فجأة.. أين أنتم يا أصدقائي في الفوج الأول لواء المشاة(108)..هل سحقتكم الحرب الغابرة بأوزارها الرهيبة، وهل تبقى منكم أحد ليشهد فصول الحرب القادمة؟!..في تلال الطيب والشيب والفكة والشلامجة ما تزال آثار أقدامنا، وفوق جبال كردمند وبنجوين ما تزال بقايا دمائنا وأجسادنا وملابسنا العسكرية وأحذيتنا الثقيلة؟!.. أتذكّر أول ليلة عشتها بينكم، ولا تفارقني وجوهكم يوم ودّعتكم، وما بين هذين اليومين مرَّ الموت والزمن بسرعة خاطفة، وتسابقت القنابل والطائرات والمدافع والرشاشات لسرقة أرواحنا، وفي الجهة الأخرى، كان يقال أن الأعداء يزحفون لتدمير أحلامنا، في حين تقف فرق الإعدام من وراءنا تترصد المتراجعين،لتزرع رصاصات متوهجة في القلوب المرتجفة.

  قال آمر الكتيبة: نحن نقاتل الأعداء، ونقتل من لم يقاتل الأعداء!

هذه إذن دائرة الموت المغلقة.. لم نعد نفكر، هل هي الطريق إلى الجنة أم إلى الجحيم.. رغم البيانات المتكررة التي تصفنا بجمع الإيمان وتصف الآخرين بخندق الكفر..وهي حكاية متكررة في كل الحروب..لم يكن مسموحا التفكير أين يقف الله وملائكته في هذه المعركة،أو غيرها، فالحاكم بأمره قد فكّر وأتخذ القرار ونفّذه، وعلينا فقط مواجهة الموت.

  في المنطقة الغامضة، بين الحياة والموت، بعد إصابتي بشظية من قنبلة سقطت فوق الخندق الترابي، جمعت كل ما تبقى  في جسدي من طاقة، وحركت جفوني، فتحت عيني وأغمضتهما، عندما بهرني النور السماوي، ثم عدت وفتحتهما بإصرار، حدقت من خلال غلالة الضباب والدخان بالأجساد الغارقة في بحيرة من الدم..أدركت وجودي، وتيقنت من بقائي على قيد الحياة..ظللت مدة طويلة ساكنا، لم أفكر بأي شيء، لم يعد ثمة ما يثيرني حقاً..لكن وخزة من الألم فاجأتني في كتفي الأيمن، كأن رمحا قد اخترقه.. كانت السوائل اللزجة تغطي جسدي كله، وسط خليط من الدماء والوحل والأعشاب والأشواك.. وثمة جثث مكدسة فوقي بعشوائية.. حاولت التحرك ببطء، رحت أشعر بالطاقة الضئيلة المتبقية في كياني تتسرب تدريجياً مع كل قطرة مصل يلفظها جرحي.. بدت السماء موشحة بضياء دموي، تتناثر فيها بعض الغيوم الممزقة، وهي تتجه نحو الغروب، بعض الطيور تمرق بخفة، ربما كانت عائدة إلى أعشاشها، معلنة استمرار الحياة، بعد يوم دموي صاخب..غرقت في الظلام، لم أشعر باليأس، كنت مطمئنا إلى أنهم سيأتون، سيظلون قلقين طالما نحن نرقد في الأرض المكشوفة.. الليل  هو العدو المجهول  في الحرب، ليل ثقيل  تتخاطف  في أرجاءه القذائف  ومشاعل التنوير وزخات الرصاص.

  كان دبيب أقدامهم الحذرة يملأ أذني وهي تلامس الأرض..إنهم يقتربون، يجتازون المستنقعات وتخوض أقدامهم في الأوحال، يخترقون الليل والخوف والسواتر والألغام والأسلاك الشائكة، يزحفون ويتدحرجون نحو موقع المعركة..تمددوا أخيراً معنا، احتضنوا كلاً منا، أنفاسهم الحارة تلهب الصدور الباردة، دموعهم تساقطت ساخنة على وجهي..تذكرت لساني، أردته أن يتحرك وينطق أي صوت، فاجأتهم الحشرجة المكتومة، قال(جواد) الذي أعرف صوته تماماً:

ـ ربما يكون بعضهم ما يزال حياً؟

أطلقت غمغمة مخنوقة، وبصعوبة أخرجت الحروف القاسية كالمسامير، قلت :

ــ لا تخاطروا بأنفسكم، أرجو أن تضعوني في قبر واحد مع أصدقائي!

                             ***

  التفتُّ إلى الرجل الذي يجلس بجانبي، في القطار، كانت أساريره  تتماوج بتعابير متناقضة، وهو يحاول جاهداً أن يبدو منبسطاً.. مد يده ليناولني سيجارة، بيد أنني أجبته بامتعاض:لا أدخن.

وضع السيجارة بين شفتيه، وراح يمتصها بلذة بالغة، ثم ينفث الدخان الأسود أمامه بلا مبالاة، ويرمقني بنظرات جانبية، كان راغباً في الحديث، كما يبدو، محاولاً أن يلقي باتجاهي خيطاً نتجاذبه طوال الطريق،لكنني كنت، منذ اللحظة الأولى لجلوسي على المقعد السياحي الرخيص، مشغولاً، لم أستطع انتزاع قناع الذهول، كمن يستقل صحناً طائراً باتجاه الفضاء ويغادر الأرض.

 السفر نوع من الجحيم، سمعت والدي يقول ذلك، ذات مرة،منذ سنوات بعيدة، وقد ذقت مرارة ذلك الجحيم عندما  كانت نيران الحرب مشتعلة، وكنت مع زملائي الجنود  نضطر إلى الركوب في سيارات النقل المكشوفة، غبر طرق وعرة، وفي اتجاهات متعددة، في حين كانت القطارات مشغولة بنقل الأسلحة  الثقيلة، لذا لم تتح لي الفرصة، قبل هذا اليوم  لركوب القطار .

أطلق الرجل سحابة من الدخان بنشوة واضحة، وقد ظلت خيوط الدخان تدور حولنا، وتتلاشى تدريجياً في رئتينا، وكنت أختنق بالدخان والذكريات المؤلمة.

في جوف الليل، كان الثعبان الحديدي يتوغل بإصرار عبر الصحاري والسهول  والكثبان  الرملية والمستنقعات، فرقعة محركاته  تغطي أصوات الحشرات والضفادع والزواحف والطيور المرتعبة.. راح رأس الرجل العجوز  يتدلى أمامه، بعد نوبة سعال  وحشرجة حادة في صدره، وقد سقطت السيجارة  من بين أصابعه، ثم غط في شخيره  وسط الضجيج، وبعد  أن اطمأننت على أنفاسه، خشية الموت، وجدت فرصة للتأمل.. كنت أتصور أن القطار مدينة سحرية خالية من المتاعب، زاخرة بالبهجة، أو جنة صغيرة تسافر شمالاً وجنوباً، وهآنذا أجد نفسي فجأة  محاصر في عربة قديمة مربوطة في ذيل القطار، وسط حشد من الناس المحرومين، مثلي، من مباهج الحياة .

امرأة عجوز تتحدث بصوت مرتفع لامرأة أخرى كانت نائمة إلى جانبها..كلماتها حادة صلبة كالأحجار تتساقط في أذني، بينما الآخرون يسري الخدر في رؤوسهم، وبدأت أجسادهم تتراخى، مع اهتزازات  العربة ويغرقون في كسل واضح، في تلك البحيرة الراكدة من الضجيج والصمت..شاب ظل يقظاً يغازل فتاة بجانبه، يهمسان بكلمات خافتة، ويتبادلان حركات بطيئة، ثم يطلقان  ضحكات قصيرة، كأنهما يشهقان من فرط اللذة، وكنت أحاول أن أغمض عيني، لكن قلبي يدق بشدة، على الرغم من محاولاتي المخلصة للنوم!

    قالت المرأة العجوز لصاحبتها التي بدأ ت تطلق شخيراً حاداً:

ــ ماذا أفعل؟! .. إن ابنتي ترسل  في طلب حضوري كلما ظنت نفسها  حاملاً، وأنا أجدها فرصة للخلاص من زوجة إبني  التي تغيضني دائما..أهرب إلى ابنتي الوحيدة العزيزة  على الرغم من أن زوجها رجل تافه، ولا أعرف كيف استطاعت أن تعيش معه كل هذه السنوات ..آه ..إن أحفادي  الصغار  كالطيور الجميلة، وهم أعز المخلوقات عندي.

  القطار يخترق الليل  نحو الجنوب..لا أدري كم محطة توقفنا عندها، فقد كانت أكثر مما ينبغي، كل توقف يطول أو يقصر لأسباب لا أستطيع التكهن بها ..هذه المرة طالت مدة الوقوف..الأضواء مطفأة.. العجوز تثرثر.. الشاب يلتصق بامرأته الجميلة..الآخرون يحلمون.. ليتني أستطيع رؤية الأحلام والكوابيس التي تدور في تلك الجماجم، التي تستطيع الرقاد في هذا المكان المضطرب!

ــ ما سبب الوقوف كل هذه المدة الطويلة؟

همست الفتاة، بحنجرة مبحوحة في أذن الشاب، وكان السؤال يلتصق بطرف لساني أيضاً.

ــ سوف أرى حقيقة الأمر!

  تحرك الشاب، سحب جسده الممتلئ من الكرسي بصعوبة، ومد رقبته كالسلحفاة عبر الباب الأمامي للعربة..عاد مرتبكا..موجات رعب حقيقي  بدت تختلج  على ملامحه، فتحت  منافذ حواسي بشدة لألتقط كلماته..لكن الدهشة عقدت  لسانه، لم أسمع سوى صرير حنجرة يابسة  وشفاه ذابلة..نهضت الفتاة من مكانها فزعة فاغرة فمها بسؤال مثير:

ـ لا يوجد قطار..كيف !؟

تحطم زجاج الرعب على رأسي..توغلت ذرات غبار وروائح نفاذة في جوفي:

ـ ماذا تقولون؟

بلع الشاب ريقاً جافّاً، وقال :

ــ العربة مقطوعة وسط الصحراء، والقطار تركنا ومضى دون أن يشعر أحد!

 لا يمكن وصف الضجيج، عندما سمع المسافرون النبأ..بدأوا يتدافعون إلى الخارج، أو يفتحون أجفانهم بصعوبة، أو يلصقون أنوفهم على الزجاج  المعتم، غير مصدقين ما حدث..أطلقت المرأة العجوز  نعيقا كصافرة القطار..تساقطت كلماتها مرتجفة:

سنموت من البرد، أو الجوع، أو ستأكلنا الذئاب.. إن قلبي يخفق، يكاد ينفجر..أنقذوني ..أرجوكم لا تتركوني، إن ابنتي وأحفادي ينتظرونني.

راح الجميع يبحثون في وجوه بعضهم عن جواب أو علاج لقلقهم وخوفهم.. يتكلمون بلا معنى، ويتحركون كالقطيع.. انبثق وسط الحشد شاب أسمر حاد القسمات، واثقا، كالرمح..اتجهت إليه الأنظار..قال:

ــ لا تفقدوا الثقة بالله تعالى.. ليست هناك مشكلة، سنمضي الليلة هنا، ندبر أمرنا حتى الصباح، وسيحملنا أول قطار يمر، لكن الخطر الحقيقي، الذي يجب أن نتداركه بسرعة هو في وقوف هذه العربة على السكة.

قالت المرأة العجوز: ماذا تقول يا فتى، إنني لا أفهم هذا الكلام، لا بد أن أصل الليلة إلى المدينة.. ربما لا يوجد أحد بانتظارك.. لكن نحن..!

قال الشاب:علينا توفير الطعام والدفء لهذه المرأة، لكي تصمت، وتدعنا نفعل ما نريد.

قال رجل طويل أصلع: وماذا بصدد العربة يا جماعة ؟‍

أوضح الشاب: لو ظلت العربة واقفة هكذا، سيأتي القطار القادم من الجنوب، بعد ساعات قليلة، ويصطدم بها وتحدث كارثة، ربما تؤدي إلى وقوع الكثير من الضحايا.. أما نحن فليس هناك خطر وشيك على حياتنا.. يجب أن نفكر في الآخرين، وأقترح أن نقوم بدفعها جميعا إلى الأمام، حتى نوصلها إلى أول محطة تصادفنا، حيث توضع على مفرق السكة، ويمر القطار بسلام.

صرخ الرجل الأصلع:

ــ هذا جنون.. كيف نمضي إلى هدف مجهول، وإذا كنا لا نعرف كم تبعد المحطة من هنا، فما هو مصير الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يتحملون هذه المشقة ؟‍

 قال الشاب: من لم يستطع مساعدتنا ندعه يجلس داخل العربة، ونحن ندفعها.. إن الأمر ليس بالصعوبة التي تعتقدونها، فهي تتحرك بسهولة.

امتص الرجل العجوز سيجارته، ونفث زفيراً دخّانياً، واقترب منهم قائلاً:

ــ أعتقد من الأفضل لو نحرك العربة إلى الخلف.. إن المحطة التي غادرناها منذ قليل ما تزال قريبة، انظروا..إنني أكاد أرى مصابيحها رغم ضعف بصري.

 ضغط الشاب السمين يد الفتاة  الخائفة في كفه، ورفع صوته:

ــ لقد كنت نائما يا رجل.. أما أنا فأؤكد لكم أننا غادرنا آخر محطة قبل ساعة تقريبا، ثم توقفنا هنا.. وبما أننا لا نستطيع أن نقدر المسافة، فإنني أقول لو نقوم جميعا بإخراج العربة من السكة، وذلك بدحرجتها بعيدا عن الطريق، وإلقاءها جانباً، حتى لو أدى ذلك إلى تحطيمها.. فالمهم هو أن نجعل الطريق سالكة دون مخاطر.

قال الشاب الأسمر: لنحاول معرفة قدراتنا وإمكانياتنا، هل نحن قادرون على تحريك العربة؟!.. يجب أن تجربوا ذلك قبل تحديد الجهة..لننس الخلافات مؤقتا، فيدفع الجميع بحماس حتى نقدر قوتنا، ثم نناقش الاتجاه المطلوب.

اعترض رجل من وسط الحشد:

ــ يجب أن نبتعد عن العربة..إن ما تقولونه مجرد كلام لا يجدي نفعاً.. لا بد أن هناك جهة مسئولة عن هذه الأمور التي تشغلون أنفسكم بها.. نحن مسافرون ولسنا مسئولين عن حركة القطارات!

قال الرجل العجوز يائسا، وهو يتظاهر بالثقة، متمسكاً بسيجارته حتى آخر نَفَس:

ــ اهتموا بتوفير الحماية الكافية لأنفسكم حتى الصباح، ودعوا العربة على حالها.

قال الشاب الأسمر والألم يعتصر كيانه:

ــ من يستطيع  أن يتجنب الكارثة؟.. وكيف؟.. جميعنا طرحنا السؤال، وكل واحد أجاب عليه، لكن أحداً لم يتفق مع الآخر على حل مناسب.. ونحن كتلة بشرية تلفها دوامة الحيرة والقلق في صحراء الوحشة والجفاف والليل!

راح ضياء الفجر الشاحب يزيح تدريجيا  غلالة الليل الداكنة.. انبثق قرص الشمس من بين تموجات التلال المرسومة على خط الأفق.. بينما كانت العربة ما تزال واقفة، نتوءاً معتماً وسط الصحراء الشاسعة ذات الألق النحاسي.. فقد الجميع في متاهات الكلام حماسهم، تدثر بعضهم بملابسه، وجلس آخرون  يحدقون في الفراغ بعيون أرهقها السهر والانتظار. تعلق أملي بأن لا يأتي قطار الجنوب بسرعة، ويبدو أنه لن يأتي حقا، إذ ربما عرفوا أمرنا  واتخذوا أجراءً لتدارك الكارثة!

قلت مع نفسي:إن الكلمة التي يتفق عليها اثنان أو أكثر، هي ذاتها التي قد يفترق بسببها الكثيرون.

فجأة تذكرت المرأة العجوز.. بحثت عنها، وجدتها متكئة على الرمل الأحمر، تنظر في الفراغ بعيون جامدة.. أردت أن أسألها:هل تحتاجين أية مساعدة؟..اقتربت منها، كان جسدها متصلباً، وفي حدقاتها يلمع صقيع أيام شديدة البرودة!

 

العودة إلى قورينا

 

   الوداع والدموع والفراق والسفر، مرة أخرى، لوحة قاتمة مختلطة الألوان من المعاناة والألم والقلق، كانت مرسومة على طريق الإياب بين بغداد وعمان، ولم يكن ذلك اليوم القائظ، أسوأ أيام الرحلة فحسب، بل أنه ترك في نفوسنا طعماً من المرارة لا يمكن نسيانه أبداً، فعند وصولنا ظهراً إلى نقطة الدخول إلى الأراضي الأردنية في (معبر الكرامة!) وجدنا الأبواب مغلقة أمام طابور متزايد من السيارات وحشود حائرة من البشر، وكانت مكبرات الصوت تنقل مباشرة نشرات الأخبار من الإذاعة، وهي تتحدث عن سلسلة من التفجيرات وقعت في عمان، وإلقاء القبض على امرأة تحمل الجنسية العراقية، بعد أن فشلت في تفجير نفسها بحزام ناسف، في حين كان زوجها أكثر جرأة ووحشية عندما سحب صاعق التفجير، واختلطت دماؤه وأشلاؤه مع أجساد عشرات الضحايا الأبرياء، وسط قاعة أحد الفنادق، حيث كان يقام احتفال بمناسبة عرس  لإحدى العائلات الفلسطينية.. وراحت المذيعة تلقي المزيد من التفاصيل الدموية على مسامع المسافرين المحتجزين، حيث أشارت إلى أن المخرج السينمائي العالمي(السوري الأصل) مصطفى العقاد وكريمته قد استشهدا في فندق آخر شهد تفجيراً مماثلاً.. الحريق العراقي بنيران الإرهاب امتد لهيبه إذاً إلى بعض الأشقاء، الذين كانوا يحتفلون، قبل أيام، بقيام أحد الانتحاريين بحصد أرواح أكثر من مائة عراقي بسيارة مفخخة،في مدينة الحلة، ويهنئون عائلة المنتحر في تلك العملية التي وصفوها بالجهادية!.. مثال جديد على اختلال في ميزان العقل العربي..ودليل آخر على أزمة في الدين والضمير والأخلاق والقيم..فالكثير من الأشقاء يسمون التفجيرات الانتحارية التي تستهدف الناس العاديين في العراق(مقاومة)، وعندما يقع انفجار في عمان والرياض وبيروت والدوحة يصفونه بالإرهاب..هل تختلف الدماء أم الأسماء؟!..ألستم القائلين أن الدم العربي واحد، من المحيط إلى الخليج؟!

هل هذه مهزلة أم مأساة؟.. يقتل الناس في الشوارع والمساجد والمدارس والأسواق والفنادق.. ويُمزق جسد(العقاد) بشظايا رعناء باسم الإسلام؟..كم تحتاج هذه الأمة الخائبة لعقود قادمة من السنين لكي تنجب الأرحام فناناً عبقرياً يبدع أعمالاً سينمائية مثل فلمي(الرسالة) و(عمر المختار) ويقدم إلى العالم صورة مشرقة عن الإسلام والجهاد؟!

  نفرُّ بأرواحنا، نحن المظلومين المشردين، من الفوضى والقتل والتفجير والخطف، فنعاقب عند الحدود على جريمة نحن ضحاياها، قبل الآخرين!

   قيل لنا منذ عقود، في المدرسة، أن الحدود بين الدول العربية مصطنعة، خططها المستعمرون، ومن المؤسف اليوم أن أحداً لم يعد يتساءل متى تزول هذه الحدود الوهمية؟!.. ولماذا يجري تطبيق نوع غريب من الإذلال للمواطن العربي عند تلك الحدود؟!.. ولماذا يشعر ذلك المواطن المسكين أن شبح الحاكم يطارده، من الحدود إلى الحدود، حتى الموت قهراً أو جوعاً، أو الهجرة، في آفاق الأرض الواسعة؟!

   بعد مشقة وعذاب وتأخير لمدة يوم كامل، نعبر الحدود نحو عمّان، التي تستقبلنا ليلاً، هذه المرة، بملامح مخيفة من التفتيش والمظاهر المسلحة والحواجز الأمنية وسيارات الشرطة..مدينة كانت وديعة،مسالمة، حتى فقدت عذريتها وهدؤها وجمالها، عندما وجدت نفسها قريبة من لهيب النار..أليس العالم قرية صغيرة، كما يقولون؟!..أليس العرب أخوة في السرّاء والضرّاء؟!

   في مكتب الخطوط الجوية كانت ثمة مفاجأة غير سعيدة، حيث قال الموظف:

ـ لا يمكن الحجز على طائرة بنغازي إلا بعد أسبوعين!

  ليس أمامنا خيار سوى السفر، عبر الطريق البري، في حافلات شركة (هيبتون) المصرية، التي تقطع المسافة من عمّان إلى ميناء العقبة الأردني، ثم تنتقل بالعبّارة عبر خليج العقبة، شمال البحر الأحمر، إلى ميناء نويبع المصري، وتجتاز جزيرة سيناء، وتمر بالقاهرة والإسكندرية ومرسي مطروح،ثم السلّوم، حتى الحدود الليبية، والدخول عن طريق بوابة إمساعد، ثم طبرق، وأخيراً مدينة بنغازي!

   ثلاثة أيام وليال، من الأهوال والمتاعب والمعاملة السيئة،حيث يُعد جواز السفر العراقي تهمة جاهزة، حتى تثبت البراءة متأخرة، فعلى ظهر الباخرة(العبّارة) التي حملت الناس والسيارات والبضائع من ميناء العقبة إلى ميناء نويبع، قام الضباط المصريون بحجز جوازات السفر العراقية فقط، وكان ثمة خليط من البشر، يضم مسافرين أغلبهم من المصريين، وعشرات من العراقيين، وقليل من الفلسطينيين، إلى جانب مجموعات سياحية أجنبية.. شعرت بالاختناق والضيق في القاعة الداخلية المزدحمة، فصعدت مع العائلة إلى سطح الباخرة، ورحنا نستنشق بارتياح رطوبة الهواء، ونتطلع إلى أمواج البحر الأحمر، ذات اللون الأزرق، ونشاهد عند سطح الماء أسراب لامعة من سمك التونة والشونة والسردين، في حين تترصد طيور النورس والغاق صيدها، من شاهق السماء، وتنقّض عليه بخفّة عجيبة!

  كاد قلبي يتدحرج بين قدمي، عندما سمعت اسمي يتردد عبر مكبرات الصوت، ويدعوني لمراجعة ضابط الجوازات فوراً..وصلت بصعوبة إلى غرفة يقف فيها عديد من الضباط، يحملون رتباً مختلفة، وكان أحدهم برتبة مقدم، يمسك بيده جواز سفري، وينتظر وصولي، حيث بادرني بالصراخ:

ـ أيه ده هانيبال..مين هانيبال؟!

وقفت مشدوهاً أمامه.. ثم تذكرت تأشيرة الخروج والعودة، المثبتة على الجواز من قبل دائرة الجوازات في الجماهيرية الليبية، والتي تشير إلى المدة من 1 هانيبال(أغسطس) حتى 15 الفاتح(سبتمبر) فقلت:

ـ هانيبال هو اسم شهر آب(أغسطس) في ليبيا..ألم تسمع بذلك من قبل يا سيدي؟!

حدق في وجهي بامتعاض، وقال:

ـ وأنت تعمل أيه في ليبيا؟

ـ أستاذ جامعي.

نظر في وجهي بازدراء وقال:

ـ عد إلى مكانك!

ثم التفت إلى شاب آخر، وراح يسأله:

ـ هل أنت فلسطيني؟

ـ نعم.

ـ وكيف حصلت على جواز سفر عراقي؟!

ـ  لأنني أعيش في العراق منذ ولادتي!

ـ ومتى حصلت على الجواز..قبل سقوط النظام أم بعده؟

ـ التاريخ مثبت على الجواز!

ـ لا تحكي عن ذلك الجواز وما فيه.. فهو مزور.. خذه يا عسكري!

سحب شرطيان الشاب بعنف، وأدخلاه في غرفة مجاورة.. وقفت امرأة مع طفلين أمام الضابط، وهي ترتجف من الخوف، وسألته:

ـ لقد ناديتموني..إن شاء الله خير!؟

ـ في الجواز توجد ثلاثة أسماء لأطفالك..فأين هم؟

ـ هؤلاء اثنان فقط!

ـ أين الثالث.. تكلمي بسرعة؟!

ـ الابن الكبير لم يسافر معي.. ويرافقني هذان الصغيران فقط!

ـ والثالث أين هو؟

ـ في ليبيا مع والده!

 أشار الضابط إلى أحد مساعديه بإجراء تحقيق مع المرأة..كانت هذه الصور المزعجة تطاردني، عندما رحت أتسلق السلّم إلى سطح الباخرة، التي تشبه مدينة صغيرة، مساحتها نحو ألفي متر مربع، حيث يبلغ طولها نحو مائة متر وعرضها عشرين متراً، وتتكون من ثلاثة طوابق، يضم الأول غرفة المحركات الضخمة وقاعات شحن البضائع والسيارات، أما الطابق الثاني فيتضمن مطعماً وقاعة جلوس وصالة سينما ومسرح وحمّامات وغرف رياضة، وفي الأعلى سطح مفتوح يضم مقاهي ومطاعم في الهواء الطلق.. تستغرق الرحلة البحرية من العقبة إلى نويبع نحو ثلاث ساعات، وعندما كنت مستنداً إلى الحاجز الحديدي، أتأمل البحر، وقف بجانبي رجل اسمر، يرتدي(الجلابية)، ثم مد يده لمصافحتي، وسألني:

ـ الأخ من فين؟

قلت: من العراق.

قال بحماس شديد: أجدع وأشرف ناس.. ألف مرحبا!

شكرته على لطفه، في حين راح يحدثني عن أجمل أيام عمره التي أمضاها في العراق، قبل نحو عشرين عاماً، ثم علّق بحسرة:

ـ خير العراق كان كثير زي البحر ده.. يحتضن كل العرب!

أجبته موضحاً:

ـ في الفترة التي تتحدث عنها كان يعمل في العراق أكثر من أربعة ملايين مصري..وكان أغلب الشباب العراقيين يقاتلون في جبهات الحرب ضد إيران، ولا يعودون إلى بيوتهم إلا في توابيت ملفوفة بالعلم!

ـ إي والله..يا عيني عليكم..لحم أكتافنا من خيركم..حتى الباخرة دي من فلوسكم!

 ثم يبدو أن الرجل لاحظ أن الحديث أصبح سياسياً وخطيراً، فسألني فجأة: رايح للقاهرة حضرتك؟

ـ سوف نمر بالقاهرة، في طريقنا إلى ليبيا!

ـ عليك النعمة تجي معاي كم يوم، تستريح عندي، أنت والعيال..وبعدين تتوكلوا على الله.

رحت أشكره وأعتذر، وهو يواصل دعوته بإصرار:

ـ أنا من قبيلة أولاد علي، نحن من بدو سيناء.. حنوصل بيتنا بعد ساعتين إن شاء الله.. تشرفونا.. يومين.. ثلاثة..أيه رأيك؟!

ضحكت بمرارة:

ـ لو ضيفتنا يومين يا أخي سوف نتعرض للسجن حتماً!

ضرب صدره بيده مذهولاً،وصرخ:

ـ ليه يا خوي..دي مصر بلدكم كمان يا خوي!

قلت: أنت ربما لا تعلم يا صاحبي..لا يُسمح للعراقيين البقاء داخل الأراضي المصرية أكثر من ثمانية وأربعين ساعة، لغرض المرور فقط، لذلك تحجز جوازاتنا ولا نستلمها إلا عند الحدود الليبية!

شعر المواطن المصري الطيّب بالصدمة والعار، وكادت الدموع تطفر من عينيه، ثم قال باستياء واحتجاج:

ـ لعنة الله على السياسة وأبو السياسة اللي تمنع الأخ من شوفة أخيه!!

                                 ***

 في ميناء نويبع توقفت العبّارة طويلاً بانتظار الأوامر، ولم يُسمح للركاب بالنزول، ثم خيّم ظلام الليل، وتوقفت محركات الباخرة عن الهدير، وانقطع الهواء المكيف عن القاعات الداخلية، فخرج الجميع فوق السطح، يضجّون بالكلام الفارغ والتذمر، ويحدقون في الظلام والبحر، ويسألون بعضهم بإلحاح عن موعد النزول إلى اليابسة، ولم يكن ثمة جواب محدد، حتى من قبل طاقم الباخرة ورجال الأمن الكثيرين، الذين همس أحدهم بحذر:

ـ كارثة حصلت في شرم الشيخ..وسوف تمضون الليل هنا!

صرخ أحد الركاب:

ـ ليه..ليه..هووه إحنا مساجين وألا أيه!؟

اختفى العسكري، في حين انتشر الخبر بين الركاب بسرعة عجيبة، فراح بعضهم يهتفون بغضب ويتظاهرون ويحطمون الكراسي والموائد،ويرمون زوارق النجاة والستر المطاطية في البحر.. وعندما حاول العسكريون منعهم وقعت اشتباكات عنيفة وسالت الدماء على السطح الحديدي..سُمعت أصوات طلقات نارية، ثم اندلعت النار في داخل العبارة، وبدأ الدخان واللهب يتصاعدان نحو السطح، فساد الذعر والاضطراب والتدافع.. حضرت سيارات الإطفاء والإسعاف إلى الميناء،وانتشرت حشود من القوات العسكرية الخاصّة، وبدأت مكبرات الصوت تذيع إرشادات للمسافرين حول كيفية النزول عبر ممرات الطواريء!

موجة من البشر كانت تدفعني بعنف، وكنت احتضن زوجتي وبناتي الصغيرات المرعوبات، حتى وجدنا أنفسنا على الأرض، مطوقين بستار من الجنود والأسلحة، الذين راحوا يسوقون القطيع البشري الهائج نحو قاعة الانتظار في الميناء، ويوصدون الأبواب بشدة.

ليلة من ليالي السجون الطويلة أمضيناها، حيث استمرت التحقيقات حتى الصباح، وكان المتهمون يساقون إلى سيارة صندوقية، طوال الليل ويختفون، في حين تصاعد الضجيج، من حشود المسافرين المحتجزين، وكان صراخ الأطفال ونحيب النساء قد أثار مشاعر بعض ضباط المباحث، فراحوا يحاولون تهدئة الناس بوعود مبهمة:

- الصبح خير إن شاء الله..معليش كلها كم ساعة وتروّحوا بيوتكم!

عند الفجر توقفت حافلة شركة (هيبتون)، ودخل رجال الشرطة ينادون  المسافرين العرب إلى ليبيا، ويحثونهم على الركوب بسرعة والمغادرة، ويبدو أن الأجانب قد تم حجزهم في قاعة أخرى أو أطلق سراحهم ليلاً، إذ لم يبق سوى المصريين المغضوب عليهم، بسبب أحداث الشغب التي شهدتها العبارة!

تحركت الحافلة عبر طرق جبلية وعرة، في شرق سيناء، ثم بدأت الصحراء الجرداء تمتد أمامنا، خلال تلك الظهيرة الساخنة، وراح بعض الركاب يرفعون أصوات الاحتجاج ويطالبون السائق بتشغيل مكيف الهواء، فأجابهم بامتعاض:

- ما فيش..واللي مش عاجبة ينزل!

كنت أسرح بخاطري بعيداً عن تلك الأصوات الصاخبة، وأتأمل الأفق الرملي، حيث تحتضن كل حبة رمل قطرة دم أو صرخة أو حلم أو ذكرى بعيدة، فقد شهدت هذه الصحراء معارك دامية وحروب طاحنة،منذ عصر موسى وفرعون، حتى عصر عبد الناصر وشارون، وما أكثر الأرواح التي توهجت وانطفأت واندثرت، بين طيات تلك التلال الموحشة.

اقتربت السيارة من قناة السويس، وتوغلت في داخل نفق تحت البحر، وسط زغاريد النساء، وهتافات الأطفال المبتهجين، حيث بدت الرحلة القصيرة عبر النفق، المضاء بمصابيح صفراء، مثل لعبة المتاهة في مدينة الألعاب!

 اقتربنا من القاهرة، عند الغروب، وكانت أنظارنا مشدودة إلى أضواء تلك المدينة الساحرة.. مدينة المعز الفاطمي وصلاح الدين الأيوبي ومحمد علي باشا ومحمد عرابي والنحاس وطه حسين والعقاد وقاسم أمين وأم كلثوم وعبد الحليم وهيكل ويوسف شاهين وفاتن حمامة..وغيرهم كثير..كثير.. من عمالقة السياسة والفكر والأدب والفن..مصر أم الدنيا، كما يقول المصريون، التي( يتبغدد) فيها الناس، كما يقول العراقيون.. وبين بغداد والقاهرة أكثر من رابطة محبة ومنافسة وصراع، من أجل الفوز بقلوب العاشقين والطامعين، على مر العصور.

  نتطلع بلهفة في شوارع المدينة ولافتات المحلات ووجوه الناس، في حين يتصدى العسكري الجالس في مقدمة الحافلة لنظراتنا، ويقمع رغبتنا في النزول والتجول في ليل القاهرة، التي لا تنام!.. تدخل الحافلة في مرآب شركة (هيبتون)، وتغلق الأبواب بأمر العسكري، الذي لم يتورع عن تهديد بعض الركاب بإطلاق النار عليهم من(الطبنجة) التي يحملها، في حالة خروجهم إلى الشارع.. دخان وزيوت وقذارة وتذمر واستياء وشتائم متبادلة بين الركاب وبعض السائقين.. حفلة رهيبة، وسط القاهرة، استمرت حتى الفجر، حيث أبلغنا أحد المسؤلين في الشركة بعطل الحافلة، التي نقلتنا من عمان، وأمرنا بالركوب في حافلة متهالكة،غير مكيفة، لإكمال الرحلة إلى بنغازي.

في الطريق، بين القاهرة والإسكندرية، تشرق في عيوننا ملامح عديدة لمصر، من خلال لافتات الإعلانات التجارية والبنايات والمزارع والبشر.. يختم ضابط مصري وثائقنا، ويسلمنا الجوازات المحجوزة، عند معبر(السلّوم) الحدودي، فنتهيأ لدخول الأراضي الليبية، حيث لا توجد في الجانب الليبي أية مبانٍ أو دوائر حكومية، سوى مجموعة من(الكرفانات)الملقاة وسط الصحراء، التي يجلس فيها عدد من الموظفين، لتدقيق وتأشير الدخول والخروج، وقد أوضح أحد الركاب أن قائد الثورة الليبية الزعيم معمر القذافي قد حضر بنفسه، قبل سنوات، ليهدم نقطة الحدود، تعبيراً عن إيمانه بالوحدة العربية.. هذه المنطقة الصحراوية العربية، كانت معبراً لقوافل الفاتحين المسلمين، المتوجهين نحو شمال أفريقيا، ثم إلى الأندلس.. وكانت خلال الحرب العالمية الثانية، ساحة كر وفر، بين القوات الألمانية بقيادة الجنرال رومل(ثعلب الصحراء) والقوات البريطانية بقيادة الجنرال مونتغمري.. هنا تصارع المستعمرون الطامعون، على أرض ليست أرضهم..وتقاتلوا  وسط ناس لا يعرفونهم.. وقبل أولئك كان الإيطاليون الغزاة يعتبرون ليبيا مزرعتهم الخلفية، طوال أكثر من نصف قرن.. وقد ذهب كل الغزاة جفاءً، مثل زبد البحر، وجرفتهم تيارات الزمن بلا رجعة!

 نسير اليوم في الطريق البري نحو طبرق ودرنة والبيضاء والمرج وبنغازي..  ترفرف على جانبي الطريق رايات خضر.. علمٌ أخضر، وكتاب أخضر، وجبل أخضر، فهل هناك أسمى من هذه الرموز، في التعبير عن معنى الحياة!؟

 في وديان وكهوف الجبل الأخضر ما تزال تتردد أصداء ملحمة جهاد وبطولة شعب عربي، رفض الخضوع، بقيادة شيخ المجاهدين الشهيد عمر المختار.. وبين طيات التلال وقمم الجبال، ثمة آثار شاخصة، تشير إلى حضارة غابرة، لم تندثر، وتواصلت طوال أربعة آلاف عام.. نمرُّ على مدينة (شحّات) التاريخية،التي تتربع على قمة الجبل الأخضر، وقد كانت تسمى (قورينا)، في العصر الروماني، حيث  ينتصب، في وسطها، تمثال آلهة الحب والجمال(فينوس) تحيطها بحيرات، تصب فيها ينابيع صافية، وتمتد حولها ساحات وشوارع، مسيجة بأعمدة من الرخام الأبيض، تلتقي عند مدرجات المسرح الدائري، وفي الجبهة المطلة على البحر المتوسط، بقايا قلعة عسكرية، وقبور مفتوحة.

نصل مدينة البيضاء،المنارة المضيئة،التي تغفو وادعة على وسادة خضراء وبساط من الجنة، تزينها قلادة من غابات الزيتون والبلوط واللوز والتين..نتوقف عند عتبة باب جامعة عمر المختار، نملأ صدورنا بنسيم البحر القريب.. وفي غمرة الفرح بسلامة الوصول، تسيطر علينا رغبة عارمة في البكاء!!

  (نهاية الرحلة في 20/8/2005)

 

 

المؤلف في سطور:

 

الدكتور محمد جاسم فلحي

مواليد بغداد عام 1959

كاتب وصحفي وأستاذ جامعي عراقي

دكتوراه في الإعلام الإذاعي والتلفزيوني

أستاذ الإعلام في جامعة بغداد وجامعة عمر المختار في ليبيا

مدير تحرير مجلة ( المجال) الجامعية للثقافة والعلوم ـ البيضاء ـ ليبيا

كتب صدرت للمؤلف:

* صناعة العقل في عصر الشاشة، عمان(الأردن)، دار الثقافة،2002

* النشر الإلكتروني ، عمان(الأردن)، دار المناهج،2005

العنوان: الجماهيرية العربية الليبية ـ البيضاء ـ  جامعة عمر المختار

كلية الآداب ـ قسم الإعلام  ص ب 919