|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 كانون ثاني 2007 |
|
طريق الفردوس رحلة في أرض السواد
كتابات - د.محمد جاسم فلحي
الفهرس 1- مقدمة( نخلة وزيتونة ومنارة)...ص 2- هاوية الحرية.....................ص 3- طيور الليل.......................ص 4- الحافلة رقم(4)..................ص 5- العربة المقطوعة.................ص 6- العودة إلى قورينا...............ص
مقدمة نخلة وزيتونة ومنارة
مدينة السلام.. قصيدة شوق، وأغنية حب، ونخلة باسقة، وعيون ساحرة بين الرصافة والكرخ..بغداد،دجلة،والشعراء والصور والقصور والقبور والسجون والمآذن والقباب..هذه المدينة التي كان العالم، طوال قرون، يروي عنها حكايات ألف ليلة وليلة، تبث اليوم في فضاء العالم أخباراً وقصصاً وحكايات عن الموت والعذاب والفوضى والوعود.. بغداد تملأ الدنيا وتشغل الناس بتاريخها العريق، وحاضرها المضطرب، ومستقبلها الغامض، فتثير فرح المقهورين، وتبعث صوت المظلومين المطمورين في المقابر الجماعية، وتطلق صرخة الحرية المكبوتة في أعماق الوجدان العربي، وتتفهم غضب المدافعين عن شرف العروبة والإسلام،وتتحدى مراهنات الذين يريدون إعادة التاريخ إلى الوراء! أعود إلى بغداد التي غادرتُها منذ عدة أعوام، فراراً من الظلم والجوع، مثل آلاف الطيور العراقية المهاجرة، التي تنتشر في آفاق الأرض الواسعة، وقد تعبأت ذاكرتي بتاريخ من الدماء والدموع والحروب والأحلام الضائعة والصور المرعبة.. كنت أحمل في حقيبتي بضع وريقات، لعلها تشهد لي في مقام البحث عن لقمة العيش، في وطن عربي لم يفتح أسواره العالية أمام الباحثين عن نسيم الحرية والكرامة، حتى وصلت مدينة البيضاء في ليبيا، عرين المجاهد الشهيد عمر المختار، ونزلت أهلاً في رحاب جامعتها، المتربعة على قمة الجبل الأخضر، بعد رحلة عذاب ومهانة عبر الحدود العربية. نخلتي الباسقة ما تزال واقفة،تنتظر على ضفة نهر دجلة، تدعوني كل يوم إلى معانقتها، وتذوق الرطب الذي لم أجد في كل أنواع الحلويات ألذ وأشهى منه، ورغم مرور نحو ثلاثين عاماً، ما يزال اسمي محفوراً على جذع تلك النخلة الشامخة، التي زرعها جدي، في بستانه، وميّزها من بين الكثير من النخيل والتين والأعناب، وكان يقول:"زرعوا فأكلنا ونزرع فتأكلون" في إشارة إلى المدة الزمنية الطويلة بين زراعة النخلة وحصاد ثمارها، التي قد تمتد إلى عشرة أعوام! عرفت العرب وادي الرافدين ب(أرض السواد) لكثرة مزارع النخيل، التي يبدو لونها داكناً بسبب كثافتها، وكانت ارض العراق تضم، قبل نحو نصف قرن، أكثر من ثلاثين مليون نخلة، في حين كان عدد السكان لا يزيد عن عشرة ملايين، أي أن هناك ثلاث نخلات مقابل كل مواطن، لذلك لم يعانِ هذا البلد، طوال تاريخه، من المجاعة، وبخاصة أن التمر واللبن يمثلان الغذاء الكامل الذي اعتمده أجدادنا لقرون طويلة.. وليس مصادفة أن يوصي الرسول الكريم(ص) في حديث معروف بزراعة فسيلة النخلة،إذا كانت بيد أحدهم، حتى قبل قيام الساعة بلحظات، ويقول:"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مباركة مثل المسلم (أو المؤمن)..وهي النخلة"! تعلمت الكثير، في طفولتي، من نخلات جدي، اللواتي كان يعاملهن بحب، ويغازلهن ويداعبهن، ويمسح سعفاتهن، ويتفحص عذوقهن، كل يوم، فمن عجائب هذه الشجرة أنها تعيش بقدر عمر الإنسان تقريباً،وتكون إناث النخيل منفصلة عن الذكور، ويجب على الفلاح تلقيح الإناث بغبار طلع(الفحول) ونثر حبيبات اللقاح على العذوق، في موسم التزهير، خلال فصل الربيع، لكي تنتج رطباً حقيقياً! إذا غرست نواة التمرة فعليك الانتظار عشرات السنين، قبل أن ترى ثمارها، التي قد تكون هجينة، لا تشبه ثمار أمها، فالنخلة تتميز من بين جميع الأشجار بأنها لا تتكاثر بالبذور أو النوى، بل يتم فصل أفراخ النخيل الصغيرة(الفسائل) عن الأم وزرعها، لكي تعطي ثمراً متشابهاً، وبخاصة أن هناك نحو أربعمائة نوع من التمر! ذات مرة رأيت ذلك الرجل العجوز يحدُّ سيفه، الذي كان معلقاً على جدار البيت الطيني، منذ سنوات عديدة، فشعرت بالرعب، وسألته:ستهاجم من؟! قال بصوت خفيض:سوف أصرخ على النخلة السمينة، التي لم تثمر، وأهددها بالقتل، وأريدك أن تمسكني من الخلف، وتسحبني قبل ضربها بالسيف، فتشعر النخلة بالخوف، وتثمر في الموسم القادم.. وقد حصل ذلك فعلاً!! لم يشك ذلك الفلاح الأصيل في أن النخلة تفهم لغة الإنسان، ويمكن أن تنشأ بينهما علاقة سريّة، وهو ما يعجز عن إثباته اليوم الكثير من العلماء في مختبرات الكليات والمعاهد الزراعية! ورغم أن ارتفاع حرارة الجو في العراق، لا يسمح بزراعة أشجار الزيتون، فقد كان العجوز يردد أن الزيتونة شقيقة النخلة، وهما أقرب شجرتين للإنسان،فمن ثمارهما وأغصانهما وأوراقهما يمكن الحصول على ثروات لا تُعد، وأن خير ميراث يمكن أن يتركه المرء لأولاده وأحفاده ليس مثاقيل الذهب والفضة، بل نخلة أو زيتونة. وبعد سنوات عدة،تغيرت الدنيا،وغادرنا الرجل سعيداً إلى الدار الآخرة، فعصفت رياح الموت والحروب والحصار والدمار بأشجاره الحبيبة، وأصبحت بساتين النخيل ساحات كر وفر لدبابات رعناء، سحقت تحت عجلاتها المسننة أرواح تلك الشجيرات، مثلما دمرت أحلام البشر، وزرعت المقابر الجماعية، في كل مكان، فانتشر الجوع وفُقد الأمان وهرب الناس إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكن العجوز (رحمه الله) يتصور أن أحد أحفاده سوف يهاجر من أرض النخيل إلى أرض الزيتون، ويحط رحاله في رحاب الجبل الأخضر! هناك فرق كبير بين هذه الأيادي الطاهرة التي زرعت، خلال أكثر من ثلث قرن الملايين من أشجار الزيتون، في بلد جعل من اللون الأخضر كتاباً وراية ووثيقة، وبين بلد منكوب بنوع من الحكام الطغاة، والطامعين الغزاة، الذين لم تسلم من ظلمهم وشرهم حتى الأشجار والأنعام، فضلاً عن الأرواح البشرية البريئة! ظلت نخلتي وحيدة وحزينة في أرض السواد، في حين أغوتني بمحبتها زيتونة ليبية، لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يتوهج ضوءاً، فوق منارة عالية.
الجبل الأخضر- البيضاء 1/12/2006
هاوية الحرية
الطريق إلى بغداد طويل، لكن الحنين إليها والرغبة في رؤية ملامح الأهل والأصدقاء، والاستماع إلى حكايات الزمن الصعب، الذي مضى، ومشاهدة ملامح الحاضر، والتطلع نحو المستقبل، كانت تدفعني إلى الإسراع في إنجاز إجراءات السفر، ومن ثم التوجه، برفقة العائلة الصغيرة، نحو مطار (بنينة) في مدينة بنغازي، شرق ليبيا، حيث وجدت نفسي وسط حشد من الأساتذة العراقيين وعائلاتهم، المتوجهين إلى عمّان، في طريقهم نحو بغداد، وهم يتلهفون مثلي لزيارة الوطن، ويتداولون صوراً وأخباراً من الفضائيات، التي تغطي أحداث العراق لحظة بلحظة، لكن من يستطيع أن يزعم معرفة الحقيقة، في خضم الضجيج والصراخ والنار والدخان؟!
عمّان.. بغداد عندما انزلقت عجلات الطائرة على مدرج مطار عمّان، كانت دقات قلبي تبدو متسارعة، بين فرحة النزول من شاهق السماء إلى رحابة البسيطة، وبين الشعور بالاقتراب من حدود ومدن، قد غادرتها، قبل أعوام مجبراً مقهوراً، واليوم أعود إليها متلهفاً متشوقاً..هذه عمّان، كانت تزدحم بأفواج العراقيين الهاربين من جحيم الموت والحصار..أتطلع في الساحة الهاشمية فلا أجد سوى قلة من المارّة المسرعين، وبضع عجائز عراقيات يرتدين ملابس ريفية سوداء، يفترشن الرصيف لبيع السجائر والعلكة، أمام بناية مطعم (ماكدونالد) المهجورة حالياً! لم تدم استراحتنا، في عمّان، سوى ليلة واحدة، ثم بدأت رحلتنا البريّة، باتجاه العراق، حيث وصلنا بوابة "الرويشد" الحدودية، عند الفجر، بعد نحو أربع ساعات، وكانت إجراءات الخروج من الأردن تجري بسرعة غير عادية، فقد تم تفتيش السيارة والحقائب، من قبل رجال الأمن، دون تعقيدات أو مشاكل أو رشوات أو إكراميات..ولم تخدش المنظر سوى ظاهرة مؤذية واحدة وهي تدفق عشرات البدو الأردنيين، الذين يسمونهم(البحارة) بسياراتهم الأمريكية، من أجل عبور الحدود، وتعبئة خزانات سياراتهم بالبنزين من المحطة الواقعة على الجانب العراقي، ثم العودة بصيدهم الثمين، لبيعه بأضعاف سعره، على مرأى ومسمع من موظفي الحدود، وربما بمشاركتهم في هذه السرقة العلنية.
ذئاب الحدود! ها نحن نقترب من بوابة العراق (طريبيل) في طابور طويل من السيارات، يزحف بطيئاً، وسط شعور بالاختناق والضيق بسبب حرارة الجو اللاهبة، فضلاً عن مرارة الذكريات التي يحملها جميع العراقيين حيال هذا المكان الكريه المرتبط بسنوات القهر والحصار، فالخارج منه مولود والداخل منه مفقود، كما يقولون! دعانا السائق للترجل والتوجه نحو مكتب تأشير جوازات السفر، فانتظمنا في سلسلة بشرية طويلة، وكانت ثمة مجموعة من الشباب، تحوم من حولنا، كأنهم ذئاب تحاول اصطياد فريستها بعناية، هذه الوجوه التي استقبلتنا في بوابة الوطن، بعد فراق طويل، كانت أول إشارة بعد سقوط الأصنام إلى أن هناك أشياء كثيرة لم تتغير، ومن أهمها النفوس الفاسدة، كان بعضهم يضع( بطاقة) على صدره، تؤكد أنه موظف حكومي، ويهمس بخسة ودناءة في أذني بأنه يستطيع أن يختم إشارة الدخول على جوازات السفر في مقابل خمسة آلاف دينار لكل جواز، وكنت أمسك أربعة جوازات، فسألته: هل تريد مني عشرين ألف دينار؟ قال: نعم..الدنيا غالية، والأساتذة في الداخل يأخذون نصف المبلغ! قلت:وإذا لم أدفع؟! قال: سوف تظل تنتظر ساعة أو ساعتين. أجبته: أفضل الانتظار والحر والازدحام بدلاً من دفع رشوة! تركني الذئب، وراح يغازل رجلاً عجوزاً مريضاً، لا يستطيع الوقوف، كما يبدو، وقد وافق الرجل، بعد مساومات، على دفع ثلاثة آلاف عن كل جواز، فاستلمها الموظف بخفة وتوجه نحو الشباك، وعاد بعد لحظات مبتسماً ليدس الجوازات في جيب الرجل..ثم راح يبحث عن فريسة أخرى!..كم يسرق هذا الموظف من جيوب الناس في اليوم، إذا كان كل خمس دقائق يبتز أحد المسافرين، ويقبض عشرات الآلاف من الدنانير.. والطابور طويل طويل، لا ينتهي، والحمد لله!؟ عندما اقتربت من شباك طريبيل الرهيب، قدمت الجوازات للموظف، فختمها دون تدقيق، وأعادها إلي، فشكرته، وعدت مسرعاً إلى السيارة، التي كانت تقترب من مكان التفتيش، سألني السائق: هل لديك عملة عراقية؟ قلت: بلى. قال: ناوشني خمسة آلاف! أعطيته ورقة زرقاء فئة خمسة آلاف، فوضعها بيد الموظف المسئول عن التفتيش، وتبادل الاثنان إشارات وغمزات خاطفة، انطلقت بعدها السيارة دون تفتيش، ثم توقفت بعد نحو عشرة أمتار عند حاجز آخر، وطلب الموظف تقديم ورقة التفتيش والجمرك، فأخرج السائق من جيبه دينار أردني ووضعه بيده وهو يقسم أن هذا ما تبقى لديه ولا يوجد غيره، ابتسم الموظف، وأمره بالمرور، وتحركت السيارة مرة أخرى، لتقف، بعد لحظات، أمام حاجز يقف عنده جنود أميركيون، يتحركون بطريقة آلية كأنهم كائنات فضائية،مدججة بالسلاح والأجهزة اللاسلكية. نظر الضابط الأميركي في داخل السيارة، ونطق بشدة كلمة عربية واحدة: "جوازات؟".. في حين راح جندي آخر يدور حول السيارة ويتفحصها بجهاز صغير. ناولنا الضابط الجوازات، راح يدقق ويقارن بين الصور المثبتة والوجوه الموجودة في السيارة، ثم يسلم كل جواز لصاحبه، وقد ظلت طفلتان بدون جواز، فبدا الأميركي متحيراً وهو يسأل: لماذا؟ شرحت له باللغة الإنجليزية، إنهما مرافقتان لأمهما، ومثبتة صورتاهما في جوازها، سحب الجواز وأعاد النظر فيه، وأعاده إلى زوجتي.
رحلة الخوف توغلنا عبر الطريق الصحراوي، عند الظهيرة، وقد جعلت الحرارة المرتفعة السيارة تبدو مثل علبة سردين ضيقة، ولم ينفع ضجيج الأطفال، في إقناع السائق بتشغيل التبريد، وكان يرد أن التبريد يزيد من استهلاك البنزين، ويرفع حرارة المحرك، ومن ثم قد نضطر للتوقف في منتصف الطريق، فيجيبه بعض الكبار الخائفين: "براحتك أخوي المهم نوصل سالمين"! اليوم ندخل إلى العراق مذعورين، من قصص تروى حول قتلة ولصوص وقطاعي طرق يذبحون الناس على الهوية والاسم والمذهب.. لعبة الموت ما تزال مستمرة إذن، ولم تتغير سوى المواقع والعناوين! كانت هناك دبابات وعجلات عسكرية أميركية تتحرك، فيما تبدو بقايا سيارات محترقة، على جانبي الطريق، في حين راح السائقون يتسابقون في قطع الصحراء، وتحدي الخوف، حتى لاح من بعيد حاجز أميركي، فاضطر أغلبهم إلى تخفيف السرعة والتوقف، فيما قام آخرون بمناورة خطيرة، من خلال النزول عن الطريق، واللجوء إلى طرق صحراوية ترابية، ثم العودة إلى الطريق الرئيسي، بعد اجتياز الحاجز! وعندما سألت السائق:ما الذي يدفعه إلى هذه المغامرة..أجاب: نحن نواجه الموت في كل لحظة، سواء من الجانب الأميركي أو المقاومة! مضت نحو خمس ساعات عندما لاحت في الأفق مظاهر الحياة والاخضرار، وبدأنا نقترب من مزارع وبساتين، في حين كانت الشمس تتدحرج نحو الغروب، وقد سحب السائق نفساً عميقاً من سيجارته وأطلق الدخان في وجوهنا، وهو يقول: لقد عبرنا الفلوجة! ليست سوى دقائق قليلة، ونرى وجه بغداد الجديد..كم مرت عليك مصائب وأهوال، في هذه السنين، منذ غادرتك، يا مدينتي الجريحة؟..هل حقاً تغيرت ملامحك، وتبدلت طبائع أهلك؟..هل تحطمت الأصنام كلها على أسوارك؟..من يحكمك يا بغداد اليوم، المحتلون أم المنتخبون أم الهاربون!؟ نشيد حزين كان مشهد الغروب الحزين يختلط مع سيل الذكريات، مع اقتراب السيارة من ضواحي بغداد الغربية، وكانت عائلتي المحشورة في المقاعد الضيقة، قد استيقظت من كوابيس الخوف، التي رافقتنا طوال هذه الرحلة الصحراوية، وراحت طفلتي الصغيرة تردد ببراءة نشيداً سبق أن حفظته في مدرستها العراقية: "وطنٌ مدَّ على الأفقِ جناحا وارتدى مجدَ الحضاراتِ وشاحا"! ثم تضحك، وتغيّر النشيد: " موطني..موطني.. الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك..في رباك"! هذه الدندنة البريئة، كانت تمثل خلفية صوتية لمشهد يزداد اقتراباً ووضوحاً.. فوشاح المجد الذي يفترض أن يؤطر جمال بغداد، كان يتجسد في رتل من السيارات المتزاحمة، وطريق متربة، وتلال من القمامة، وصور وجداريات قديمة ومشوهة، وأخرى لوجوه جديدة، وحشود من القوات الأجنبية، وأسوار عالية وأبراج محصنة مضاءة بمصابيح قوية، تحيط بسجن أبي غريب الرهيب، وحواجز عسكرية.. كانت ملامح الناس وواجهات البيوت وحركة السيارات في الشوارع تشير إلى أن الحرب ما تزال مستمرة في بغداد!
ليلة بغدادية وقفت السيارة عند الباب، الذي لم يطرقه أحد.. تدفقت العواطف وتشابكت الأعناق واختلطت الدموع، وارتفعت الزغاريد، وسفكت دماء القرابين تحت الأقدام، في حفلة عائلية، ضمت الأهل والأقارب والجيران، الذين احتشدوا من حولنا، يصافحون ويقبّلون ويتحدثون ويصرخون ويرقصون، ولم تهدأ المشاعر إلا عند توزيع الحلوى والشربت البارد، في حين انتشرت في المنزل روائح البخور والطعام المطبوخ.. هذه وجوه طيبة لآباء وأمهات لم تتغير كثيراً سوى زيادة مساحة التجاعيد وعمقها، وتلك ملامح الصغار الذين كبروا وتزوجوا، وهذه طيور جاءت إلى الحياة الدنيا، خلال غيابنا، وثمة وجوه غابت ولم تكن بين الحضور! استقرت النفوس مع حلول ظلام الليل، وتنوعت الأحاديث والقصص، كان بعضهم يريد أن يروي لنا ما شاهدناه وسمعناه، عبر الفضائيات.. تقطع تلك القصص الطويلة أصوات الإطلاقات النارية والانفجارات، التي ترتفع في سماء المدينة، ولم تعد تثير الانتباه، بسبب تكرارها، كما يبدو، وعندما لاحظ بعض أفراد العائلة علامات الاستفهام على وجوهنا، قال أحدهم: الجميع يمتلكون السلاح، والجميع يطلقون النار، والجميع معرضون للموت على قارعة الطريق بواسطة سيارة مفخخة أو شخص ملغوم، في كل لحظة! ليل بغداد غير الآمن، يلفه الظلام التام، ويختفي الناس في داخل بيوتهم، بعد الغروب، سوى بعض الشوارع التجارية القليلة، في أحياء المنصور والكرادة وزيّونة، حيث تفتح بعض المحلات والمطاعم أبوابها حتى يحين موعد حظر التجوال، عند منتصف الليل.. الجلوس في داخل البيوت لا يمثل متعة أو سهرة عائلية لذيذة، حيث تنقطع الكهرباء لمدة خمس ساعات، وتأتي ساعة واحدة، في دورة يومية من التعذيب المنظم، في ظل حرارة آب اللهاب، الذي يذيب المسمار في الباب.
رفاهية.. ولكن! الحيرة والقلق والخوف والغضب تمتزج في أحاديث الأهل التي استمرت حتى الفجر، ويبدو أن ليلة واحدة لا تكفي لوصف جوانب الملهاة والمأساة والمعاناة العراقية، حيث تحولت الأحلام إلى كوابيس، ولم تدم طويلاً فرحة احتفال المقهورين بنسيم الحرية.. ولكن ذلك لا يمنع من التأكيد على أن الكثير من الناس قد تغيرت حياتهم- ولا أستطيع القول تحسنت!- فالرواتب قد ارتفعت كثيراً وتضاعفت عشرات المرات، وأغلب الموظفين يشترون اليوم السلع الكهربائية والأثاث والسيارات، ويستعملون (الستلايت) و(الموبايل) و(الانترنيت)، وهناك حركة دؤوبة لبناء البيوت، على الرغم من الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الإنشائية! وتزدحم الأسواق بأنواع من السلع والمواد الغذائية التي كان المواطن العراقي محروماً من رؤيتها، خلال سنوات الحصار..ويبدو أن إحراق أسواق الشورجة، التي تمثل مركز النشاط التجاري في قلب بغداد، يدخل في إطار المخطط التخريبي، الذي يهدف إلى فرض التجويع والحرمان، مرة أخرى، على العراقيين.
الباب الشرقي ذكريات الطفولة والشباب، تقودني في رحلة مريرة، يدفعني إليها جنون الحب والشوق إلى الباب الشرقي وحديقة الأمة ونفق التحرير وشارع السعدون وشارع الرشيد وشارع أبي نواس، والأزقة الضيقة،التي تمثل شرايين الحياة، في قلب بغداد، الذي لم يتوقف عن الحب والغناء والضحك، وسط رائحة المشويات، التي تفوح عند أبواب المطاعم الرخيصة، إلى جانب الصمت الحزين عند دور (السينما) والمسارح، التي غادرها روادها في زمن الحرية المرعبة.. تلك الأماكن التي احتضنت بعض أحلامي ومشاغباتي الصبيانية، عندما كنت أغادر المدرسة الثانوية، مع تلك الشلة من الأصدقاء، نصخب ونتمازح ونقرأ الشعر ونستعرض أغلفة الكتب والمجلات على الرصيف، ونتطلع في واجهات المحلات الباذخة، التي ترك طول التفرج عليها، في نفوسنا، بصمات الحرمان ومرارة الألم، إذ لم يكن في جيب كل منا أكثر من ربع دينار ندّخره من مصروف المدرسة، لشراء بطاقة الدخول إلى (السينما) أو المسرح أو لفّة الفلافل المشبعة بالعمبة الهندية وقنينة البارد.. أعود إلى تلك الأماكن التي لم تفارق روحي، رغم البُعد، أبحث عن صور تلك الأيام، فأشعر بالدوار واضطراب الذاكرة..في هذه الزاوية من شارع الرشيد، حدقت في عيون أول حبيبة، وفي مقهى حسن عجمي سمعت الشعراء يتسابقون في إلقاء القصائد، ثم يتبادلون الشتائم، وتراهم سكارى وماهم بسكارى، وعند ساحة الفردوس نزلت من الحافلة، ذات يوم، وتمشيت مع جمال وحامد وعبد الرزاق باتجاه مقر اتحاد الأدباء، لحضور أمسية الأربعاء، وفوق جسر الجمهورية عبرت دجلة مع رجاء، في يوم ربيعي، واخترقنا أزقة محلة البتاوين، وعند بوابة سينما أطلس كان عباس يناقش مع كفاح لوحات معرض الفنان شاكر حسن آل سعيد، ولم نشعر كيف كانت تنتهي جولتنا، مساء كل يوم، عند باب دائرة الإذاعة والتلفزيون، في الصالحية، فندخلها بسلام، وسط نظرات أفراد الحرس الخاص، بعد أن نصحو بارتشاف جرعة من شاي البغدادي (أبو ناطق). أنزل من الحافلة(الكيّا) قرب ساحة التحرير، وسط طوابير من السيارات وعربات الطعام المكشوف، والأرصفة المفروشة بكل أنواع السلع التي تباع وتشترى..أخترق حشود البشر وزحام الشارع، متوجها نحو مديرية التسجيل العقاري، قرب ساحة الكيلاني،لإجراء معاملة بشأن قطعة الأرض السكنية، التي اشتريتها قبل سنوات عدة.. كانت الدائرة مطوقة ب(جدار برلين) من الاسمنت يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار، وفي فتحة جانبية من ذلك الجدار يقف موظفان مسلحان يقومان بتفتيش المراجعين، عند الدخول، وبعد اجراءات التفتيش السريعة، سألت كاتب العرائض العجوز، الجالس عند الباب، عن الأوراق المطلوبة لاستخراج سند الملكية الجديد،فأجابني: إن المطلوب إحضار السند القديم فضلاً عن هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية وبطاقة السكن والبطاقة التموينية!.. ذهلت لهذه القائمة الطويلة وسألته ساخراً: وجواز السفر؟..قال: لا نحتاجه حالياً.. ولكن نصيحتي أن تحمل معك هذه الوثائق كلها عند مراجعة أي دائرة.. ويستحسن أن تكون لديك دائماً مجموعة صور شخصية! فتحت الحقيبة الجلدية التي تضم المفيد وغير المفيد من الأوراق والصور، ورحت است |