الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  تشرين الأول  2005

من تفكيك الدولة الى تفكيك الهوية :

استراتيجية إفراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية

الجزء الأخير

كتابات - فضل خلف جبر

 

هذا مواطنكم شلغي يتحدث اليكم

 

ربما لا نحتاج الآن الى المزيد من التفاصيل لتفنيد مقولة "جمهورية العراق الفاضلة"، فهي أصلا وهم وجد طريقه عن عمد الى ماكنة الدعاية الحربية.

على أن أخطر ما تضمنه هذا الخطاب هو العمل على تفكيك الوحدة النفسية والمزاج العام المشترك لدى غالبية العراقيين. كنا نتابع، مع انطلاق أولى الدبابات الأمريكية نحو الأراضي العراقية، كيف انطلقت عاصفة مدوية من الكتابات التي تتلقف أي تصريح أو بيان يصدر عن البيت الأبيض أو البنتاغون، وتحويله الى مادة تعبوية موجهة ضد النسيج الموحد للروح العراقية. هذه الكتابات كانت تقف وراءها أقلام أما انها تتمتع بأمية سياسية وثقافية مطلقة أو انها انتهازية تبحث عن فرصة مناسبة للاعلان عن نفسها لتحقيق مكاسب شخصية،  أو انها وصل لديها الشعور الوطني حد الانعدام.

ومن المفارقة ان نظام صدام حسين حرص على ان يكرس قناعة أساسية في قرارة نفوس العراقيين مفادها: ان صدام يعني العراق وان العراق يعني صدام ولا وجود لأحد طرفي هذه المعادلة من دون الآخر!

وهذا ما لخصه شاعر عراقي بقوله:" اذا قيل صدام قيل العراق".

وحين شنت الادارة الامريكية حربها ضد صدام كانت وقعت في هذا الالتباس شر وقعة!

فعنوان الحرب  رسميا كان " الحرب ضد العراق"، ومن هذا المنطلق وجدت هذه الحرب من يعارضها بشدة في جميع انحاء المعمورة. والناس تدرك جيدا انه كان على أمريكا ان تحدد هدفها بدقة حتى تتحمل المسؤولية حين لا تصيب الهدف بدقة.

لكن الادارة الأمريكية كانت تدرك، من جانبها، ان هدفها ليس صدام حصرا، بل هو مجرد عنوان صغير في جدول أعمال الحرب الموسع. واذا فان الادارة الأمريكية لم تكن قد وقعت حقا في الفخ الذي نصبته عبادة صدام لنفسه، بل كانت تدرك جيدا انها بصدد ضرب عصفورين بحجر واحد، ولذلك امتنعت عن تحديد أهدافها من هذه الحرب الجنونية.

والحقيقة المجردة هي ان العراقيين يدركون جيدا ان صدام لا يعني العراق، والعراق لا يعني صدام على الاطلاق.

فالعراق تاريخ وحضارة باسقة تمتد لآلاف السنين. العراق هو البلد العريق الذي له شرف أ ن الكثير من "الأوائل" قد تحققت أو ولدت او انطلقت من على صعيده الكريم.

هذا الملك العراقي شلغي يدلي بشهادته أمام التاريخ:

"  أقسم، الآن،  باله الشمس أوتو

في هذا اليوم بالذات

وأخوتي الأصغر سنا

سيكونون شهودا

على ذلك في الاراضي الأجنبية

حيث ان أولاد سومر غير معروفين

وحيث لايعرف الناس استخدام الطرق المعبدة،

وحيث لا يمتلكون الوسيلة للكلمة المكتوبة

ـ ـ انني، الابن البكر، منمق كلمات،

مؤلف أغاني،

مؤلف كلمات،

وأنهم

سينشدون أغنياتي

ككتابات سماوية،

وانهم سينحنون

 امام كلماتي.."  (الملك شلغي 2100 ق. م)

 

لقد صدقت كلمات العراقي شلغي الى حد كبير، رغم ان الكثيرين من "اخوته الأصغر سنا في الأراضي الأجنبية" تنكروا لقسمه العظيم وشهادته التاريخية، أو انهم يجهلون الامر برمته.

فهؤلاء الأبناء ادخل في روعهم ان ما تعلموه وانجزوه طيلة آلاف السنين، انما كان مجرد عبث ولا طائل من ورائه. وان عليهم ان يبدأوا من الصفر الأمريكي.

هذا ما حدث بين العراقيين، ونخص صفوف النخب الثقافية حصرا. فلقد بلغ الامر الى حد انقسام الوعي واصابته بخلخلة لا حدود لها. صار ما يهدد العراق والعراقيين هو ضبابية الهوية، عدم وضوحها، وانعدامها في أحايين كثيرة. الهوية العراقية التي تواصلت  مع النسغ العراقي الصاعد والنازل صارت محط شك وريبة حينا، ورفض في أحايين أخرى.

وحين نتحدث عن الهوية، فانما نعني تلك الروح القدسية التي تلتم حولها أرواح المواطنين في قديم الشعوب وحديثها.

هوية أي مواطن، وفي أي مكان كان، هي التصاقه بوطنه. ولا تختلف الشعوب والأمم في تفسير الوطنية، كما يختلف عليها العراقيون. الهوية الوطنية هي ميسم يحمله المواطن اينما حل ورحل. ستجدها عند الصينيين والهنود والمكسيكيين والايطاليين واليابانيين والروس وانتهاء بالأمريكيين، باعتبارهم الأحدث عهدا والأصغر سنا بين الأمم.

أينما حللت وتوجهت ستجد تلك الروح الوطنية الطاغية والتي يتصاغر أمامها كل شئ، فلا شئ أكبر من الوطن.

هكذا هي رؤيتنا للعديد من الشعوب التي استطاعت ان تجد لها مكانا مرموقا تحت الشمس. هناك شعوب مكبلة لأنها مشغولة بشخوص قادتها على حساب الوطن. وهناك شعوب راكضة فوق مروج التقدم لأنها تؤمن بأوطانها أكثر من أي شئ آخر. في الشعوب الحرة لا تجد اتحادا للأدباء مشغولا للغاية في تنظيم زيارة تاريخية للقائد الفذ أو الملهم أو الضرورة لتقديم مراسيم الطاعة والخضوع. هكذا بدأ الأمر مع صدام حسين، ومن قبله عبد الكريم قاسم. بدأ الأمر ب "ابن الشعب البار" لينتهي كل منهما بطاغية لا يشق له غبار، مع بقاء الفارق بين الشخصيتين ودرجة التطرف. وهكذا هو الحال مع "ابن الشعب" الجديد.

الهوية الوطنية لدى أي شعب  من شعوب العالم، هي المقدس الوحيد الذي لا يجب ان يختلف عليه اثنان.

الا عند عراقيي العهد الجديد!

فقد ضاع بهاء تلك الروح بين تلافيف الحزب أو العشيرة أو الطائفة أو المعتقد أو العرق أو الجماعة أو المنظمة أو العصابة!

حين تم نهب محتويات المتاحف العراقية كان هناك من العراقيين من يقول: ثم ماذا؟ وما قيمة هذه الأشياء؟

وحين أحرقت المكتبة الوطنية كان الناس في شغل شاغل باقتسام كعكة الوطن.

صار لبعض العراقيين مجموعة من الولاءات المتداخلة والمتقاطعة والمتنافرة والمتقاتلة والمتآمرة ضد بعضها البعض.  وتلقى الواحد منهم وتتحدث معه فتجده  أمريكي التوجيه ايراني التوجه اسرائيلي المرجعية يصلي الظهر مع علي والعشاء مع معاوية، فتعجب كيف يستطيع التوفيق بين كل هذه المتناقضات في داخله ولا ينفجر ضميره الأخلاقي احتجاجا!

هذا كان بعضا من نتائج العمليات الجراحية الكبرى التي تجريها الأطراف لتكييف المركز من أجل خدمة مصالحها.

فالمطلوب، بالنسبة لهذه الأطراف، ان يتم افراغ العراق من جوهره النادر. الجوهر الذي صقلته جيدا آلات الزمن الموغل في القدم. الجوهر الذي تشكل عبرعمليات حياتية معقدة تتراوح بين قوانين الاحلال والازاحة والانتخاب الطبيعي والترشح السلالي.

ان أي عراقي/ة هو/ي خلاصة لكل هذه العمليات وناتج طبيعي لكل هذا الانصهار بين المكونات الثقافية المتنوعة على ضفاف الرافدين العظيمين، والممتدة من شمال العراق الى جنوبه.

لكن الأطراف لا تعترف بكل هذه الحقائق وتسعى الى هدم جوهر الكينونة العراقية من خلال تغيير المعطيات فوق الأرض. ولكي يتم لها ذلك كان لا بد من تبني استراتيجية افراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية.