|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
12 تشرين الأول 2005 |
|
من تفكيك الدولة الى تفكيك الهوية: استراتيجية إفراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية
الجزء الرابع
كتابات - فضل خلف جبر
أكراد العراق
بالقاء نظرة متمعنة الى وضع كردستان العراق، في الوقت الراهن، تطفو على الفور نتائج لا يمكن غض النظر عنها. وهذه النتائج هي خلاصة للمشهد السياسي الكوردي، الذي يعود بجذوره بعقود طويلة الى الوراء، وتمثل على الدوام بتجاذبات وعدم استقرار في العلاقة بين القادة الكورد والسلطة المركزية في بغداد. من بين هذه النتائج نذكر : أولا: ان الشوط الذي قطعه أكراد العراق على طريق الانفصال لا يمكن اغفاله او التعامي عنه. ولقد ساعدهم، من الناحية العملية، عدم ارتباطهم بالمركز منذ العام 1991 وحتى الوقت الحاضر. فالأخوة الكورد كانوا يعملون بجهد حثيث على اساس انهم منفصلون لا محالة، وما دخولهم في العملية السياسية الحالية سوى اسقاط فرض، ستنتهي ضرورته حين تصل الأمور الى الطريق المسدود، وهو ما سيحصل ان عاجلا أو آجلا. فالكورد لا يفكرون حقا بالبقاء في البيت العراقي الى ما لا نهاية، وليس هناك ظرف مؤات أفضل لهم من الظرف الحالي لاقناع الفعاليات السياسية العراقية بعدم جدوى كل شئ! ثانيا: ان المصالح العليا للكورد هي ليست بالضرورة نفس مصالح بقية مكونات المجتمع العراقي. فللكورد اتفاقياتهم وتطلعاتهم وتفاهماتهم وارتباطاتهم السياسية الخاصة، والتي تصل أحيانا الى حد التناقض الصارخ مع الاطار العام للتوجه العراقي. ثالثا: تجربة عدم الثقة المتبادلة بين الكورد والحكومات العراقية المتعاقبة تجعل من الصعوبة الوصول الى شاطئ الأمان السياسي بين الطرفين بسهولة مطلقة. رابعا: على الرغم من ان المطلب الأساسي المعلن للأخوة الكورد هو النظام الفدرالي، الا انهم يعرفون، قبل غيرهم، ان الفدرالية الكوردية هي كلمة حق يراد بها باطل، وان النظام الفدرالي هو صيغة اتحادية في جميع انحاء العالم، وفي جميع لغات وقواميس المعمورة الا في القاموس السياسي الكوردي فتعني الانفصال! وهم يلحون على ادراجه في الدستور العراقي لأنه الضمان القانوني لتحقيق الانفصال. مما تقدم، يمكننا الجزم بأن وجود دولة عراقية موحدة قوية لا تصب، قطعا، في خدمة الهدف الكردي المعلن: قيام دولة كردية في شمال العراق! لقد تغيرت أشياء كثيرة على صعيد الواقع العراقي: بالأمس، كان الأخوة الكورد يتجهون نحو الجبل كلما حدث ما يعكر صفو العلاقة مع الحكومة المركزية العراقية. هذا الأمر صار من ذكريات الأمس! اليوم، حين يشتعل العراق بأكمله، سينظر قادة الكورد الى الحريق الكبير، يضعون أيديهم في جيوبهم، ويديرون ظهورهم قائلين للعراقيين: تدبروا حريقكم بنفسكم، هذا شأن لا يعنينا، نحن ذاهبون الى: كردستان!
الكويت
على الرغم من ان الكويتيين يصرحون نهارا جهارا بانهم مع وحدة الشعب العراقي، وانهم مع استقرار العراق واعادة سيادته، الا ان واقع الأمر هو غير ذلك تماما! فالتجربة المريرة التي مر بها الكويتيون ابان الاحتلال العراقي للكويت لا يمكن محو آثارها النفسية. وهم ، لو كان الأمر بيدهم، لشطبوا اسم العراق من الوجود، وفد عبر قائلهم "اللهم لا تترك لهم حجرا على حجر" تلك مقولة جاءت في كلام يعبر عن أمنية السواد الأعظم من الكويتيين. قد يكون لهم العذر في ذلك، من منطلق الغل والحقد والكراهية التي خلفتها تجربة الغزو المريرة. فكيف يتوقع من الكويتيين ان يرقصوا طربا لأن العراق استعاد عافيته وسيادته واستقلاله؟ كيف يمكن تصور فرح الكويتيين لأن العراق عاوده الاستقرار والازدهار؟ من يضمن لهم ان لا تعود حكومة عراقية للمطالبة بالكويت وضمها من جديد؟ دولة موحدة وقوية بحجم العراق لا يمكن ان تعطي الكويتيين الاشارة الخضراء للنوم عميقا. ولن يلدغ العاقل من جحر مرتين.
إيران
مشكلة إيران مع العراق في غاية التعقيد. فهم، الايرانيون، خاضوا حرب الثماني سنوات ضد صدام، الذي كانت تدعمه أمريكا. وقد اضطرت ايران حينذاك للقبول بالهزيمة، على لسان مرشد الثورة الأعلى الخميني، بعد ان راحت ضحية تلك الحرب العبثية ألاف الأرواح من الجانبين. وقد تسببت تلك الحرب في انهاك الاقتصاد الايراني والحاق الضرر المعنوي بالدولة الاسلامية الفتية. لكن المفارقة الكبيرة ان تجد ايران نفسها فجأة في حالة "جوار"، غير محبب، مع "الشيطان الأكبر" أمريكا. جوار لا يمكن الفكاك منه. فالولايات المتحدة، ومن الناحية العملية، تربطها مع ايران حدود دولية، بحكم انها تحتل العراق. مثل هذا الجوار له استحقاقات سياسية متشعبة وباتجاهات متداخلة. فالايرانيون يفهمون بدقة ان وجود الأمريكان على حدودهم له دلالات متعددة، يسلط الضوء على التفاصيل الايرانية الداخلية والخارجية. - طبيعة النظام السياسي الايراني، والذي سلخ ايران من كونها تبعية غربية، الى دولة تشهر سلاح التمرد. - موقف الجمهورية الاسلامية المعادي للولايات المتحدة - الثأر القديم والمتمثل باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن - الموقف من اسرائيل - دعم حزب الله اللبناني - التحالف الايراني السوري - الجزر العربية المتنازع عليها في الخليج - الملف النووي الايراني وبرامج التسليح كل هذه الملفات تجعل أيران تتقلب على صفيح ساخن، مدركة ان مسألة خوض الحرب مع الولايات المتحدة انما مسألة وقت ليس الا. والايرانيون يعلمون ان هذه الملفات مجتمعة تشكل قاعدة شبيهة بتلك القاعدة التي انطلقت منها الولايات المتحدة لشن الحرب ضد العراق. وبأن الأمريكيين سينضجون عددا من الملفات، كأن يكون الملف النووي، عمائم شيوخ ايران أو حجاب النساء الايرانيات أو أي شئ آخر، قد يخطر أو لا يخطر على البال، للايعاز لقواتهم لاجتياح الاراضي الايرانية وصولا الى العاصمة طهران. ان مثل هذا الفهم يأتي على أساس حقيقة بسيطة: الأمريكيون جاءوا الى المنطقة ليبقوا. وهم ان رحلوا، في زمن غير مرئي تقريبا، فليس بعد ان ينتهوا من تسوية جميع الملفات الساخنة في المنطقة وتأمين منابع النفط والسوق مرة واحدة والى الأبد! ومن الأفضل للامريكيين، بعد ان بذلوا كل هذه الخسائر في الأرواح والأموال الطائلة، ان يضربوا عدة عصافير بحجر واحد. هذا الفهم الايراني للموقف العام جعلهم يستبقون الأحداث، وعلى طريقة "انج بنفسك يا سعيد فقد هلك مسعود!"، بتأمين موقع القدم المناسبة في الأرض الرخوة المجاورة. ومن مصلحتهم، على سبيل المثال، ان يخوضوا حرب استنزاف ضد الخصم القديم الجديد، خارج الحدود الايرانية، ما دامت هناك الكثير من الأغطية لمثل هذه الحرب غير المعلنة. ان انشغال العدو في معارك جانبية وتحت مسميات وعناوين مختلفة، كالارهاب والمتمردين والزرقاوي وعزة الدوري والمجاهدين العرب والانتحاريين والسنة وجيش المهدي و..و...الخ؛ كلها تطيل من أمد ما قبل المواجهة الكبرى، فهي آتية لا محالة.
|