|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 تشرين الأول 2005 |
|
من تفكيك الدولة الى تفكيك الهوية : استراتيجية إفراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية الجزء الثالث كتابات - فضل خلف جبر الولايات المتحدة
كان الهدف المعلن للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها هو التخلص من أسلحة الدمار الشامل المكدسة في الترسانة العراقية، وامكانية استخدامها من قبل النظام العراقي ضد الولايات المتحدة أو جيران العراق. وهذه الحرب جاءت بعد اثنتي عشرة سنة من حصار اقتصادي عالمي خانق ألحق أبلغ الأضرار في جميع بنى المجتمع العراقي. ولم يستفد من ذلك الحصار سوى أركان النظام المنهار والحلقات التي تحيط بهم وكذلك الطفيليات البشرية التي تعتاش على ما تخلفه الحروب والأزمات. وفي وقت كان العراقيون يموتون مشوهين بسبب نقص الغذاء أو الدواء كانت مليارات الدولارات تتجمع في مناطق نائية وبعيدة عن متناول المواطن العراقي: فهذه الأرصدة اما في البنوك الأمريكية أو الأوربية. فاما الأرصدة التي تجمعت في البنوك الأوربية من قبل النظام المنهار وأركانه فلا يعرف المواطن العراقي عنها شيئا لحد الآن! وأما مليارات الدولارات في البنوك الأمريكية فقد عرفنا مؤخرا كيف جعلتها الأدارة الأمريكية متاحة وبمتناول أيادي الكثير من اللصوص والانتهازيين وعديمي الوطنية! والا كيف يضيع مبلغ 36 مليار دولار دون ان يعرف أحد في أي ثقب أسود اختفى؟ ونحن نتحدث عن مبلغ 36 مليار دولار، وهو رقم مخيف لا يمكن تصوره ببساطة كتابته! وهذه الحرب، وان كانت واقعة لا محالة وان المسألة كانت مسألة توقيت ليس الا، لأنها ضرورية جدا بالنسبة للاستراتجية الأمريكية. وضرورتها تأتي من منطلق ان الولايات المتحدة كانت تشعر بانها الوريث الطبيعي لجميع تركات الاتحاد السوفيتي في أية بقعة من العالم. والادارة الأمريكية كانت تقيم وتضع جدولا لأولوياتها في ما يتعلق بشن الحروب والتدخل المباشر في صناعة القرار السياسي في هذه الدولة أو تلك. ووفق جدول الأولويات فأن المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط هي في قمة هذه الأولويات: منابع النفط، التي تشكل الاحتياطي الأكبر في العالم، بالاضافة الى ان المنطقة برمتها تعد أكبر سوق استهلاكي، ومن الضروري جعل المنطقة مفصلا رئسيا من مفاصل النظام العالمي الجديد الأمريكي. وحرب الاطاحة بالنظام العراقي ما هي الا التتويج العملي لحرب كانت قد اندلعت فعلا عام 1990، حين تجرأ صدام حسين على الخوض في بحر المهالك، بغزوه للكويت واحتلالها بالقوة العسكرية. في ذلك الوقت كانت الأشياء واضحة: لقد انهار الاتحاد السوفيتي، ثاني القطبين الكبيرين في العالم، وبانهياره لم يكن من المعقول ان تسمح الولايات المتحدة لأحد، كائنا من كان، ان يتحكم بمصيرها من خلال وضع اليد على أهم عناصر ديمومة الصناعة الأمريكية وعصب الاقتصاد: النفط. والدليل على ذلك: انه بعد هزيمة العراق وجلوس ممثلي صدام في خيمة صفوان أمام ممثلي الجانب الأمريكي، كان بأمكانهم، أي الأمريكان، ان يساوموا صدام على أي شئ، مقابل الاحتفاظ بكرسي السلطة. لكن المخيلة الأمريكية العملاقة لم تخرج عن حيز برميل النفط! فكان ان أطلقوا يده لتأمين كرسي سلطته، وبالطريقة التي يراها مناسبة. وكان الأتفاق الجوهري الذي عقدوه معه هو : النفط مقابل الغذاء! لم تكن هناك حقوق انسان ولا ديمقراطية ولا تعددية ولا هم يحزنون. النفط مقابل الغذاء، والتي تقابل النفط مقابل الحياة. وليس هناك اي حاجة لتوضيح ان أي دولة تحترم حقوق الانسان لا يمكن ان تساوم على قوته ومصدر حياته! ولم يكن بخاف على أحد هو ان المستفيد الوحيد من هذا البرنامج الهمجي، والذي لا يمت للانسانية بصلة، كان النظام وأركانه حيث اثروا واتخموا على حساب جوع العراقيين الذين كان يوزع عليهم نصيبهم من الحياة بقطارة الحصة التموينية. ومن عجيب الأمور هو الضجة المفتعلة التي قامت بها بعض الأطراف بخصوص الفساد الذي تفشى مرافقا لبرنامج النفط مقابل الغذاء خلال سنوات ما قبل سقوط النظام العراقي السابق. وهذه الضجة لا تخلو من خبث وضحك على الذقون. فهل كان مهما حقا من قبض ماذا؟ ومن ساعد النظام على خرق البرنامج؟ أم كانت الأهمية يجب ان تعطى لآلاف العراقيين الذين قضوا بسبب نقص الغذاء والدواء؟ فالضجة المفتعلة كانت تريد ان تغطي على مسرح الجريمة وصرف الأنظار عن سبب الكارثة. وكان الأحرى بمن يبحث في السجلات عمن قبض كيوبونات نفط من صدام، ان يبحث في سجلات المستشفيات عمن قضي من العراقيين لأسباب مباشرة من آثار الحصار. يجب البحث في السجلات والذاكرة العراقية أيضا عن أولئك الذين قضوا لأسباب لا علاقة لهم بها على الاطلاق، ويجب تعويض عوائلهم التعويض المناسب. واذا كانت لكل شيئ أولوية، فلا نعتقد الآن ان الأولوية على صعيد العراق والأمم المتحدة يجب ان تعطى للبحث عن براميل النفط التي هربها صدام أو منح كيوبوناتها لهذا الأسم أو ذاك. لقد ضيع صدام بلدا بكل تفاصيله، وهو ما يجعل مسألة ضياع كمية من النفط غاية في التفاهة والاأهمية.
ومن رأينا ان مسألة فرض عقوبات اقتصادية على الشعوب انما هو اجراء لا قانوني ولا يتماشى مع القيم الانسانية التي تقف على النقيض من مسألة العقوبات الجماعية. لماذا يعاقب شعب كامل بسبب شخص واحد أو نظام؟ لأنه من الواضح جدا ان العقوبات الاقتصادية يكون تأثيرها المباشر والعنيف على الشعب، وستكون القيادة في مأمن حصين من كل آثارها السلبية، بل انها تستغل تلك الظروف للاثراء واحكام قبضة السلطة على شعب يتضور جوعا، كما حصل للشعب العراقي طيلة سنوات الحصار. ومن المهم لنا ان نرفع الصوت عاليا لدعوة الامم المتحدة والمجتمع الدولي لاعادة النظر بهذه العقوبات الهمجية والتي لا تتماشى مع مبادئ حقوق الانسان وروح العصر. وبالعودة الى أصل الموضوع، يحق لنا أن نتساءل: هل حقا تريد الولايات المتحدة اعادة خلق جنة عدن في العراق وتجسيد جمهورية افلاطون بشكل عملي؟ قبل ان نقطع بالاجابة بنعم أو لا، دعونا نسأل سؤالا آخر: هل ستقبل الولايات المتحدة بوجود دولة عراقية موحدة قوية تتمتع بسيادة مطلقة واستقلالية تامة في اتخاذ القرارات التي تتماشى مع مصالح العراق العليا؟ للاجابة عن هذا السؤال والسؤال الذي سبقه لا بد ان نتوجه الى بقية عناصر الجدل المهمة والفاعلة في العملية السياسية الجارية في العراق.
|