الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

10  تشرين الأول  2005

من تفكيك الدولة الى تفكيك الهوية :

استراتيجية إفراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية

الجزء الثاني

كتابات - فضل خلف جبر

 

المحور والأطراف

 

يقرن بعض المهتمين بالشأن العراقي نجاح المشروع الأمريكي في العراق بمدى استتباب الأمن ووصول العملية السياسية في العراق الى حالة من التوافق ودحر الأرهاب، بغض النظر عن كون مسببات هذا الارهاب داخلية أو خارجية. بمعنى آخر: ان هؤلاء المهتمين يقيسون التقدم المحرز على أرض الواقع بالمنظور والطروحات التي أطلقتها الأدارة الأمريكية لتسويق الحرب ضد العراق. فمن وجهة نظر الادارة الأمريكية، وهي وجهة نظر شكلت العمود الفقري لمجمل مفاصل الدعاية الأمريكية لتبرير خوض الحرب؛  ان ما كان يريده العراقيون هو مجتمع مدني ديمقراطي اتحادي تعددي تسوده العدالة والمساواة. وان الواجب الأخلاقي يحتم على الولايات المتحدة ان تهب لتحقيق مثل هذه الأهداف النبيلة، وهو ما تردد كثيرا على لسان القيادة السياسية الأمريكية.

نعم، هذه هي حقا المطالب الجوهرية لقطاع كبير من الشعب العراقي، وهذه المطالب هي ما شكلت الدعامة الأساسية لمناهضة النظام الحاكم السابق في العراق.

لكننا، من قبل، والآن، نتساءل ويتساءل معنا الكثيرون: ما هو المشروع الذي تأمل الولايات المتحدة تحقيقه في العراق حقا؟ وحتى لو فرضنا جدلا، ان الادارة الأمريكية تملك فعلا التصور الكامل لبناء عراق جديد يلبي حاجة العراقيين جميعا لحياة كريمة مستقرة، فهل أخذت هذه الادارة بالحسبان عوامل الاعاقة التي يمكن ان تنسف مشروعها بالكامل، وستكون النتيجة المتوقعة: اغراق العراق في فوضى عارمة لن يتمكن من تجاوز آثارها المدمرة قبل وقت طويل جدا من الزمن؟

ومما يزيد الأمور تعقيدا، هو ان الادارة الأمريكية وضعت تصوراتها، بنسبة كبيرة جدا، اعتمادا على ما كانت تزودها به الفعاليات العراقية المعارضة لحكم صدام حسين. وقد اثبتت الوقائع ان المعلومات، وسواء كانت مواد خام، مثل الوثائق أو الصور أو البيانات أو معالجة، بحيث تم تحوير واعادة تركيب وتحرير هذه المعلومات؛ فانها تنقصها الكثير من الدقة، من جانب أو المصداقية من جوانب أخرى. بمعنى آخر، انه اما تم تضليل الادارة الأمريكية عن عمد أو بحسن نية، وأما ان الادارة الأمريكية كانت بحاجة الى أي نوع من الأدلة، وبغض النظر عن طبيعة هذه الأدلة ومصدرها، لغزو العراق. ونضرب مثالا واحدا على هذا النوع من التضليل العمدي أو العفوي: التصريح الذي أدلى به كنعان مكية، والذي كان أحد عرابي غزو العراق من الجانب العراقي، حين وصف القصف الأمريكي للعراق بالموسيقى. وان كنا نتحدث عن العنف وثقافته، فكيف يمكننا تصنيف مثل هذا التشبيه الذي لا يمكن ان يصدر عن وعي متوازن؟ هذا التصريح وغيره الكثير كانت تجد طريقها في التضليل الى لا وعي المتلقي الأمريكي حتى شكلت رأيا عاما خطيرا داعما لخيار الحرب باعتباره مهمة نبيلة تقوم بها الادارة المريكية ويدفع ثمنها المواطن الأمريكي عبر الضرائب. ربما قد نتفهم حالة الاندفاع التي المت بالسيد كنعان مكية ليطلق تصريحه الشيزوفريني، بالهالة الرومانسية التي صنعتها الادارة الأمريكية من خلال التركيز على فكرة "التحرير" المثيرة للجدل.

ومثل السيد مكية، اندفع الكثير من المثقفين العراقيين والعرب لمباركة خيار الغزو باعتباره تحريرا، دون اي تصور لحيثيات هذا التحرير. فقد كنا نطالع كما هائلا من الكتابات العنيفة التي كانت تشكل الزخم الموازي لزئير الدبابات والقاصفات الأمريكية.  كان الأسلوب المتبع، ولا زال، هو قمع أي صوت معارض للحرب عبر تهم جاهزة لا تخرج عن اطار موالاة النظام السابق. وهو اسلوب ليس بجديد فقد خبره العراقيون جيدا وكان احد الدعامات الأساسية التي كان يستخدمها النظام السابق لتصفية الخصوم والمعارضين عبر أسلوب التسقيط، وبكل اشكاله: السياسي والاجتماعي والاخلاقي، ومن العجيب انه مورس بكثافة ضد معارضة النظام السابق، والتي تحل محله الآن لتمارس السلوب التقليدي ذاته!  

والخلاصة ان هذا المنظور الطوباوي المتمثل بالتحرير- وهو اجراء استباقي مضاد للنتيجة المنطقية بوصف العمل الذي قامت به الولايات المتحدة "احتلالا"، لاعفائها من التبعات القانونية والتاريخية-  واقامة نظام حكم نموذجي في العراق،  يضع جميع الأطراف التي سعت وتسعى لتسويقه في حرج الاصطدام بالثغرات التي يفرضها الواقع العراقي المعقد. هذه الثغرات لا تتعلق بالمنظور من حيث هو تصور فلسفي، مع ما تشوبه من شوائب براغماتية جلية،  بل بعلاقة أطراف الجدل السياسي بالمحور وعلاقة المحور بالأطراف. والمحور هنا هو العراق، والأطراف الأساسية التي نعنيها هي جميع الأطراف التي لها علاقة مباشرة بمجريات الأحداث على الساحة العراقية.

فما هي هذه الأطراف التي تسهم اسهاما مباشرا في ادارة دفة سفينة العراق المتجهة نحو المجهول؟