|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
9 تشرين الأول 2005 |
|
من تفكيك الدولة الى تفكيك الهوية: استراتيجية إفراغ العراق من معطياته البشرية والجغرافية والتاريخية
الجزء الأول
كتابات - فضل خلف جبر
تفكيك الدولة العراقية
الخطوات التي تلت غزو العراق من قبل القوات الأمريكية وحلفائها، لم تحمل اللبنات الصحيحة لبناء عراق جديد سليم ومعافى. كانت مسألة تفكيك الدولة العراقية، وتفكيك الجيش العراقي، من بين الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها ادارة الاحتلال المدنية التي كان متوقعا منها ان تملأ الفراغ السياسي بعد سقوط النظام. والمبررات التي ساقتها تلك الادارة، وكذلك فعلت الادرات التي أعقبتها، واهية جدا ولا ترقى الى مستوى ان تكون منطقية. فاما الدولة العراقية فقد تحصلت على خبرة متراكمة في مجال الادارة وتصريف الاعمال الحكومية قد تصل الى مستوى الاداء المطلوب. ولم يكن من الضروري حقا التفريط بخبرة ادارية عريقة كالخبرة التي تجمعت لدى العراقيين على مدى سنوات طويلة. كان بالامكان الاستغناء عن خدمات من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة المدنية لعراق ما بعد صدام حسين. وكان بالامكان وضع اليد على المناصب الادارية التي تمتاز بالحساسية الأمنية. وطبعا لا يشمل الحديث هنا أولئك المتورطين في ارتكاب جرائم أو هناك مظالم ضدهم من قبل المواطنين. ولما كانت هناك حاجة لارسال الوفود الى دول كانت تستجدي خبرة العراق ومساعدته. ولقد وصل الأمر في هذا المجال حد المفارقة والسوريالية الى درجة انك يمكن ان تتخيل ارسال وفد عراقي الى جمهورية أيرلندا الشمالية، مثلا، لتعلم فنون صعود النخيل! أو الوفد الفلاني الى الاسكا، حيث يعيش الاسكيمو، لتعلم فن شوي السمك على طريقة المسكوف أو ارسال وفد آخر الى أريتيريا أو التوغو للاستفادة من خبرتهم في اعداد المناهج الدراسية. والى آخر هذه الأمثلة التي لا يمكن ان تصادفك الا في عالم الفنتازيا!( ونبدي احترامنا العميق للدول التي وردت أسماؤها في الامثلة، فليس القصد الانتقاص من قيمتها المعنوية، على الاطلاق). والأمر نفسه ينطبق على الجيش العراقي، فقد كان حله جزء أساسيا من مشكلة يعاني منها العراق حاليا: الارهاب والعنف. فكيف يمكن تصور مسألة ان يجد آلاف المجندين، والذين كانت تشكل لهم وظيفة الجندية مصدر الرزق الأساسي والمضمون، أنفسهم خارج الوظيفة؟ بالطبع سيكون هناك، بطريقة أو أخرى، من يوفر لهؤلاء الاغراء المناسب للاستفادة من خبرتهم ومهنيتهم، سواء أكانوا يحملون رتبا عسكرية متقدمة، أو من الاصناف المهنية في الجيش أو من الجنود المشاة. وكما كان الأمر مع الجانب الأداري، كان بالامكان تفادي هذه الفوضى باحالة ذوي المراتب المتقدمة، من الموالين للنظام السابق على التقاعد، والاستفادة من خبرات الآخرين. مع اننا نرى، من زاوية نظر مختلفة، ان حل الجيش العراقي كان سلوكا أخلاقيا رفيعا، لم يفكر به من أقدم على اتخاذ ذلك القرار بالطبع. فليس من المنطقي، وما كان يجب ان يحدث، ان تتحول بنادق واسلحة الجيش العراقي الى صدور المواطنين العراقين، كما فعل النظام السابق في قمع انتفاضة الجنوب، وحركات التمرد في الشمال. فدور الجيش، كما هو متعارف عليه عالميا، يجب ان يتركز في مجال الدفاع عن سيادة الوطن ضد أي اعتداء خارجي. وكان يجب ان تترك جيوش الاحتلال كي تتدبر أمرها بنفسها ضد جميع العناوين المتداولة حاليا: تمرد شعبي، مقاومة، ارهاب، هم جزء من مبررات وجوده. وما لجوء الادارة الأمريكية الى زج القوات العراقية في هذا الاحتراب سوى مراوغة ماكرة للنأي بجيشها عن المسؤولية القانونية المترتبة على المذابح اليومية التي ترتكب في مناطق شتى من العراق. والغريب في هذا المجال ان صدام حسين يحاكم اليوم لنفس الأسباب التي تسوقها قوات الاحتلال والحكومة العراقية: الدفاع عن العراق، وبسط الامن، ودحر التمرد والارهاب، والقضاء على الغوغاء، ما الى ذلك من التسميات التي كان يعج بها اعلام النظام الساقط. فما الذي فعله صدام سوى انه حاول اخماد انتفاضة الشيعة في الجنوب بنفس الاسلحة الفتاكة التي تستخدمها اليوم قوات الاحتلال والقوات العراقية لاخماد تمرد السنة في المناطق الغربية! انه التاريخ يعيد نفسه بطريقة يندى لها الجبين. لكننا نرى ان قضية تفكيك الحكومة والجيش لم تكن محصورة في كون جل منتسبي هذين القطاعين الحيويين من البعثيين والموالين للنظام، بقدر ما كانت هناك حاجة الى تفكيك الدولة العراقية لأسباب تتعلق برؤية الأدارة الأمريكية لما يجب ان يكون عليه عراق ما بعد صدام حسين. وليس بالضرورة لما يريده العراقيون لأنفسهم. ومن يرى الوفود العراقية الساعية لطلب الخبرات، لا بد ان يتساءل ان كانت هذه الوفود عراقية وقادمة من العراق حقا! العراق الذي يمتلك من المؤهلات والكفاءات، وفي جميع مناحي الحياة، ما يفيض عن حاجة قارة! |