|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 حزيران 2006 |
|
الدين ضد الدين *
كتابات - لـ د.عادل رضا
محتوى الكتاب
المقدمة استهلال الفصل الأول الأيديولوجية التي نريد
أمثلة على الفكر الإنساني التأثير المتبادل بين عالمين القومية الذات المزيفة مثلث الدين الاختيار الأيديولوجية في الدين
الفصل الثاني استهداف المجموع بالأيديولوجية
بين الكامل والهدف التقدمية والرجعية حسب مفهومنا وفهمنا 1. الرجعية 2. التقدمية ماذا حدث وجرى ؟
الفصل الثالث المرأة كمثال
المرأة كمثال لا ونعم في موضوع المرأة الحجاب بين دينين زيادة الكلام في موضوع المرأة دعاة نعم والمرأة الخروج من المتاهة
المقدمة في بداية عمل أي شخص وإنسان في معترك الحياة العملية والاجتماعية والسياسية بالذات ، يكون همه وشاغله الأول البحث عن تيار وأيديولوجية فكرية يلتقي ويشترك معها قدر المستطاع في الميادين والتطلعات والاتجاهات ، وهو قد يتطور ويرتقي ليصبح هو صاحب تيار و حامل لأيديولوجية وفكر يكون هو صانعه أو مطوره عن قديم أخذ منه ، أو ظروف فهم هو منها واستخرج مفاهيم وأفكار جديدة . إذن كل شيء يتلخص في معرفة الحقيقة ، التي بواسطة وعن طريق العلم والمعرفة لها يبدأ العمل على نشرها وانتشارها ، وعلى محاولة تقديمها وتسويقها إلى الآخرين والجمهور ، راغبا وهادفا إلى إيجاد والعثور على أكبر كم وكمية وعدد من الاستقطاب والتجمع البشري الإنساني حولها ، ليتم صنع وخلق قوة ضغط بشري تدفع نحو تغيير وتحويل واقع موجود أو تشجيعه ، أو إلى تغيير واستبدال قناعة فكرية واجتماعية مسلما بها منذ الزمان القديم أو لطارئ وحدث استجد ووجد حديثا . إن هذه الحقيقة تشمل في نظري كلمة واحدة عامة جامعة وهي الأيديولوجيا الشاملة ، وأعني بها البناء الفكري المبادئي الموسع الشامل والكامل ، المحرك والمنشط للفرد في محيطه ووسطه المجتمعي ، فهي أفكار ومبادئ محددة تتوافق مع الضمير والروح الإنسانية ، وتتفق مع القناعة العقلية والمنطق السليم ، وتنسجم كذلك مع الواقع المعاش ، وتتطور في المستقبل المنظور المرتقب ، فهي ما تجعل الفرد والإنسان يتحفز وينشط للمشاركة والعمل على تغيير ما هو خطأ واستبداله بالصواب ، وهذا التغيير والاستبدال قد يكون شخصيا أي خاصا بالفرد ، أو عاما يختص ويتعلق بالجانب الاجتماعي . إن الأيديولوجية الشاملة هي الباعث إلى الحياة بعد الموت ، والى النور بعد الظلام ، والحركة بعد السكون والكلام بعد السكوت ، والفعل بعد اللافعل ، والاهتمام بعد اللامبالاة ، والإرادة بعد انعدامها وفقدانها . هي ما يقتل الأنا الشخصية الذاتية الخاصة بالفرد ، فهي تذبح وتقتل أنانيته الذاتية ، تجعله يقاوم نفسه لأجل نفسه ، تجعل فيه الإنسان الواعي المدرك لذاته ، الفاهم للغاية من العيش والوجود ، المدرك لأساس حدوث الأمور ، والفاهم لأسباب حدوثها ووقوعها ، القادر والمقتدر على التعامل معها ، والمسيطر على نفسه ، والساعي إلى تغيير ذاته ومجتمعه . إن الهدف الأسمى والأول لهذه الأيديولوجية الشاملة هي وضع الإنسان في طريق واتجاه إلى الكمال ، وجعله في طريق يلتزم فيه بقدوة ورمز وبمثال ليصبح هو الساعي إلى الكمال والتكامل ، وهذا هو الإنسان الذي نريد تحقيقه بواسطتها وعن طريقها . إن الاحباطات والمصاعب والمشاكل التي يواجهها ويقابلها الإنسان المهتم بأمور مجتمعه كثيرة ومتعددة ، ولعل وجود جسر رابط بين هذا الشخص والجماهير هو أحد العقبات والمشاكل ، ولعل وجود قبول لهذا الشخص لدى الناس لما يقوله ويطرحه إليهم مشكلة وعقبة أخرى أيضا ، مع أمور أخرى كثيرة ومتعددة . إن من يحل ويرفع هذه المشاكل والأمور ومن يشرحها ويحللها ويناقشها ومن ثم ينسفها ويدمرها ويبخرها من الوجود هي الأيديولوجية الشاملة . في هذا الكتاب لست في صدد إعطاؤها وتقديمها ـ أي الأيديولوجية الشاملة ـ فهذا أولا يستلزم ويتطلب عملا وجهدا ضخما وجبارا وجماعيا بالدرجة الأولى و مجتمعي بالدرجة الثانية ، ولكن ما أنا بصدده هو نوع من إحداث الوعي وتنشيط عملية التفكير والتفكر ، وتفعيل العملية التحليلية للقارئ ، ما أريده هو إلقاء حجرا ضخما في المياه الراكدة والساكنة ، أرغب وأريد في خلق ووضع أسئلة كثيرة ، وأطالب لها بأجوبة ، كل هذا ما أتمناه وأريده وأرغبه كبداية لما أصبو وأهدف إليه ، وهو بناء وعمل أيديولوجية شاملة يكون معها استمرار لأحداث تكوّن الوعي الذاتي لدى الفرد لما يدور حوله وما في داخل نفسه وما سيؤول وينتهي إليه مصيره وكيف تكون مسيرته . في هذه البداية لا أزعم ولا أقول إني أمتلك الحقيقة الكاملة ، بل إني كالقارئ باحث عنها ، طالب لها ، قد أخطئ وقد أصيب ، ولكن دعونا نفكر ونتحدث بصوت عالي مسموع للجميع ، فان أحد تعاريف الإنسان هو الباحث والمنقب عن الحقيقة ، فها نحن نبحث وننقب ونسأل من ا …… التوفيق وحسن العاقبة والثواب على حسن نوايانا ، انه سميع مجيب الدعاء .
عادل رضا / 24 يوليو 1999
استهلال إن وجود بناء فكري مبادئي متكامل وشامل عند تلقينه وإعطاءه وتدريسه للفرد يكون حجر الزاوية والأساس في عمله وآلية اتخاذه للمواقف وفي طريقة تعامله مع الأحداث المستجدة على المجتمع بكل أنواعها شيء مطلوب وضرورة لكل إنسان يتحرك ويشارك في الحياة . إذن نحن نريد وبحاجة إلى أيديولوجية نستطيع معها تقليل وتقليص المسافة بين المفكرين والمنظرين والعامة من الناس ونستطيع أن نلخص ذلك بالقول إننا نريد تحقيق الاستقطاب . ونحن إذا كنا نتفق ولا نختلف حول ضرورة صنع وصناعة هذه الأيديولوجية وجب علينا أن نبحث ونقرر عن ماهيتها وأساسها والمنطلق لبنائها . باعتقادي ، نحن نريد خلق وصناعة حركة جماهيرية شعبية عريضة ، متفاعلة ومتواصلة حول هدف سامي رفيع ونبيل المطلوب الوصول إليه والسعي والاتجاه بطريقه ، إذن علينا أن نفكر ونضع في حسابنا وأذهاننا إننا نصبو ونرغب ونريد الكل وليس الجزء . نعم عندما نقول حركة شعبية ، لسنا نقصد جزءا من طبقة ، فئة أو تجمع معين ، بل نقصد ونهدف إلى المجموع ككل . إذن نحن هنا اشترطنا شيئين اثنين : الأول هو أيديولوجية وفكر استقطابي جاذب وشامل وكامل ، والثاني هو استهداف المجموع بالشرط الأول وهو الأيديولوجية .
الفصل الأول الأيديولوجية التي نريد
طرحنا فيما سبق تساؤلات حول ضرورة الأيديولوجية المرغوبة وماهيتها وأساسها والمنطلق لبنائها ، فلنبدأ هنا بالأساس الذي ننطلق منه للبناء . إن العالم الإنساني كل ما فيه من فكر ومبدأ ينطلق من ثلاثة منطلقات : الإلهي والإنساني والخليط بين الاثنين الإلهي الإنساني بمعنى الفكر الإنساني المستخرج والنابع من الفكر الإلهي .
أمثلة على الفكر الإنساني إن الفكر الإنساني هو المبادئ والأفكار مما صنعه عقل الفرد وتفكيره على مر الزمان ، بناءا وتأسيسا على ما واجهه وصادفه في مساراته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية .. الخ ، فهي ما فهمه من أشياء وأمور تجعله يعيش بشكل أفضل وأحسن . وهو ما توصل إليه بعد تجارب مع ما يحيط به . إذن الفرد في زمان ما في الماضي ، الحاضر أو المستقبل صادفته وواجهته مشكلة ومعضلة ما ، فأصبح وجود حل رغبة وغاية لديه ، فتكونت وتبلورت لديه فكرة ، طبقها ونفذها ، إذا فشلت ألغاها من عقله ، وان نجحت خزنها وثبتها وأصبحت لديه كقاعدة للتعامل مع المشكل والمعضل المشابه ، بل يمكننا أن نضيف ونزيد أن كيفية وآلية إيجاده وعثوره لهذا الحل ، وأيضا الحل نفسه ، يصبحان لديه قاعدة في التفكير وثوابت مبادئية يتعلم ويتكيف بواسطتها مع واقعه ومحيطه الذي يعيش فيه . مثلما حدث في أوروبا عندما تطورت الآلة فزاد الإنتاج وأصبح من يملك الآلة يسيطر على الإنتاج ومن ثم بطريقة تلقائية على الربح وأصبح هناك من يحتاج إلى الآلة والى من يسيطر عليها للمعيشة ، فأصبح هناك طبقة للعمال تسيطر عليها البرجوازية مالكة الآلة والحاصلة على الربح ، مع فروق واختلافات عميقة وشاسعة بين الطبقتين ، ترتب عليه حصول ظلم كبير على الطبقة العاملة الكادحة وانعدام للمساواة فظيع ، أدى إلى زرع البذرة للتفكير في حل المشكل الموجود وجاء هذا التفكير على أساس من قاعدة من الواقع نظرت على أن حل المشكل هو بتدمير من يسيطر على الآلة والربحية وهم البرجوازيون ، وانتقال السيطرة والتحكم إلى العمال الكادحين على الآلة والربحية ومن ثم يتم حل المشكل وهذا ما شكل أساس الفكر الاشتراكي . إذن الواقع في هذه الحالة من تاريخ البشرية كان هو قاعدة التفكير والماركسية كانت هذه الفكرة . وفي فترة مقاربة من تاريخ البشرية في أوروبا كانت الجماهير والشعوب تسعى وتريد الفكاك و الخلاص من سيطرة الإقطاع والإقطاعيين والنبلاء على مقدراتهم ومصيرهم ، فكان أن تعاونت البرجوازية مع الجماهير لإسقاط الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية المسيطرة . فكان هنا المشكل هو التسلط الإقطاعي بالتعاون مع الكنيسة وهي ما يمثل الدين في أوروبا فكان الوضع أنه باسم الدين والرب يكون التسلط والظلم على المظلومين والمحرومين في الطبقات الدنيا ، فكان أن وجدت وخرجت فكرة العلمانية أو علمنة المجتمع والدولة ، وتنص وتقول بفصل الدين عن المجتمع والدولة ، أي برفع الارتباط الذي خلق وصنع المشكل ، إذن برفع القدسية والتبرير الإلهي المزعوم لظلم الإقطاع وتسلطه حلت المشكلة الموجودة ، وكان التعاون المصلحي المشترك ، حيث التقت وتلاقت مصالح البرجوازية مالكة رأس المال والآلة مع مصلحة الكادحون والعمال في إلغاء الإقطاع ، فكانت أن بذرت بذور الدولة الحديثة في أوروبا وتبعاتها . ما سبق كان أمثلة على نتاج الفكر البشري والأمثلة التي ذكرناها وقلناها هي الماركسية والعلمانية وهي مثال على ما حدث في الغرب من تطورات فكرية إنسانية مهمة ، ساهمت وأسهمت في نهضة ورقي أوروبا . إن انتقال هذه الأيديولوجيات من الغرب إلى الشرق ، بالتخطيط المتعمد أو بالتأثير الطبيعي قد أدت إلى إحداث مفعولها وتأثيرها على الواقع الشرقي من فرد ومجتمع ودولة .
التأثير المتبادل بين عالمين إن الأفكار الإنسانية كما أسلفنا وقدمنا ، كانت لحل مشكل ضمن واقع معاش في فترة زمنية معينة ، وقد أدت وعملت أثرها الإيجابي والسلبي معا في مجريات الأمور وواقع الحال ، فالماركسية الاشتراكية التي اكتشفنا فشلها العملي الذريع والشبه تام بانهيار الدول والمنظومات التحالفية التي حاولت تطبيقها وتنفيذها ، وليس الأمر يقتصر على فشل التطبيق والتنفيذ وحسب ، فعندما وصل إلى مراكز القرار والسلطة من آمن واعتقد بالماركسية كأيديولوجية مخلصة ومنهية لمشاكل الإنسانية وكقاعدة للتفكير ، أكتشف عجز النظرية الأولى واكتشف أنها غير منطبقة مع واقع الحال ، فأخذ يغير فيها ويبدل ويعيد بناء المصطلحات والاتطلاقات التطبيقية مرات ومرات حتى تبدلت النظرية الأولى بنظريات أخرى لا تشترك مع الأولى إلا بالتسمية والاسم ، وهذا التغيير والتبديل الذي بدأ منذ البداية لم يؤدي إلى شيء من النجاح اللهم ماعدا الانهيار الكبير والعظيم والتآكل الفظيع الذي حصل وجرى لمنظومة الدول الاشتراكية . فاختصارا ما آلت وانتهت إليه الاشتراكية نظريا وعمليا وتاريخيا هو الفشل والموت والنهاية حيث لا يجدي الآن ولا توجد فائدة من حتى النقاش حولها وعنها لأنها بكل بساطة فشلت من هنا وهناك وفي كل مكان بل إنها ملغاة من الذين ظلوا السنين الطوال يحملون شعارها ، واكتشفوا عجزهم عن التطبيق ، فما هو فائدة الشعار المرفوع في ظل عجز وجمود الفكرة عن التنفيذ . وهذه الماركسية انتقلت إلى الشرق العريق فماذا حدث وماذا جرى عندنا نحن من في الشرق .. جاء أحدهم وهو الشرقي المتغرب بالماركسية يتكلم ويقول هو يريد زراعة شيء في غير أرضه كمن يريد زراعة أشجار الموز في الصحراء الصفراء ، تناسى ونسي شرقينا المتغرب أن وجود الماركسية كان لمشكل في أوروبا والغرب ، وهو كما قلنا وذكرنا : سيطرة البرجوازية على رأس المال والآلة واستغلالهما بذلك للطبقة العاملة الكادحة .. الخ ، فبكل بساطة ووضوح أين هو هذا المشكل في شرقنا ، هل هناك آلة أصلا وعمال . إن الاثنان مفقودان وغير موجودان فكيف هداه التفكير إلى تطبيق وتنفيذ حل على مشكل غير موجود أساسا ؟!! وأيضا يا ليت شرقينا المتغرب هذا اكتفى بذلك وسكت ، بل أخذ يردد كالبغبغاء وكآلة التسجيل مصطلحات غريبة وعجيبة على فلاح بسيط أو بدوي راعي بعجرفة وتعالي على الآخرين وبغرور ما بعده غرور ، هو ( شرقينا المتغرب ) يضع نفسه في برج عاجي وعالي ويقول : أنا من يفكر لكم ويضع لكم الحلول تعالوا اتبعوني ، لايهم أن تفهموني فأنت راعي وهذا فلاح ، وهو يصرخ بهما لماذا لا تفهمون لماذا لا تتبعوني تعالوا كوني نفسي متغربين تعالوا واصعدوا معي في البرج . وما أعظمه من رد فطري تلقائي يرد فيه هذا الفلاح وذلك البدوي عليه ، حين يقولون : ما بال هذا الإنسان كان في الأمس القريب منا وكان مثلنا ذهب وعاد مسخا لا نعرفه ولا نفهمه يطالبنا بحل مشكل غير موجود بشكل غير مفهوم تعال يا صاحبي ـ يقول الفلاح للراعي أو العكس ـ دعنا نتركه فليس هذا من عرفناه وكان معنا . ويا ليت شرقينا المتغرب يفهم ويعي ويدرك ، ولكنه يغلق ويقفل عليه باب برجه العاجي ويبدأ الإعادة وتكرار ما هو مكرر وهو في برجه العاجي لا يرى الأرض ولا يريد ولا يرغب بالنزول . والعلمانية التي أحدثت النهضة في الغرب يأتي ويجيء بها شرقي متغرب آخر إلى الشرق وها هو يخاطب صاحبه في البرج العاجي ويقول له انتظر وسترى ماذا ستفعل العلمنة مالنا وماركسيتك ، ويأتي هو ويقف أمام صديقينا الراعي والفلاح ويتكلم ويقول : حسنا فعلتم إذ لم تسمعوا صاحبي الماركسي ، دعوكم منه فها آنا ذا اسمعوني : إن أساس تحقيق وضمان حدوث التطور والنهضة هنا في الشرق كما في أوروبا والغرب هو أن تتركا وتلفظا هذا الدين كما تركوا ولفظوا هم ذلك الدين ، لأن …………… وقبل أن نسمع شرقينا المتغرب الثاني يكمل كلامه وأقواله نجده يركض تسبق رجلاه الريح ، فها هما يطردانه ويلاحقانه ، بل أنهما يريدان قتله . إن هذا الذي يقوله ذلك المتغرب يتجاهل حقيقة أن ما يجعل الشرق شرقا هو هذا الدين . نعم صحيح أن الغرب نهض وتطور وانتعش بعد مئات السنين من الظلام والتخلف الشديدين بعد العلمنة ، وصحيح أن العلمنة هناك فجرت الثورة العلمية ، وصحيح أن تطور الأمم والشعوب هناك إلى دول قطرية والى قوى رأسمالية ومن ثم استعمارية جاء بفضل العلمنة التي من غيرها وبدونها كل ذلك لم يكن ليحصل في أوروبا بعد الظلام الدامس للقرون الوسطى ، ولكن واقع الأمور في أوروبا يختلف عن واقع الأمور في الشرق ، إن ما حصل ونشر الظلام والاستبداد والتخلف في أوروبا كان الدين ، لذلك كان استبعاده وإلغائه وإقصائه من الحياة والمجتمع والدولة ، نهض وارتقى بهم وطورهم ، وفي نفس الوقت واقع الأمور في الشرق يختلف ، فما وضع العصا في العجلة في الغرب ، هو ما يحرك ويدفع العجلة في الشرق ، إن من يطور وينهض ويرتقي بالشرق ضمن واقع الأمور وضمن طبيعة هذا الدين وضمن فطرة شعوب المنضوية تحت راية هذا الدين هو نفسه هذا الدين ، فالعلمنة هنا مدمرة وقاتلة وموقفة لحركة المجتمع والدولة نحو التطور والرقي وهي هناك صانعة ومطورة ومحركة . إذن هذا الدين يختلف عن ذلك الدين ، ما هو دين في الغرب يختلف عن ما هو دين في الشرق ، وهذا الفلاح والراعي لديهما القناعة القلبية الفطرية بذلك وأي محاولة لتغيير واستبدال ذلك مستحيلة إلى حد كبير لأن الناس في الشرق لن يتركوا دينهم كما تركه الغربيون وأبسط دليل تلك الأرجل التي تسابق الريح . يصرخ الشرقي المتغرب الثاني ما لكم لا تفهمون ولا تعون ما أقول ، ولكن جريه وكلامه يؤديان به إلى نفس البرج العاجي لصاحبنا الشرقي الماركسي المتغرب وهو يطرق الباب عليه ويدخل يجلس معه يتناقشان ويتكلمان لا يسمعهما إلا أنفسهما ، ومن أراد ورغب في دخول البرج معهما لا يشاهدون الأرض ولا تراهم هي أيضا .
القومية الذات المزيفة إن القومية أي التمسك والدعوة إلى الانتماء إلى عرق وجنس معين وتفضيله والدعوة إلى ارتقائه على باقي الأعراق الإنسانية بناءا على ما يحمله هذا العرق من أصول مشتركة والعيش على أرض واحدة في فترة زمنية امتدت من القديم إلى الحاضر وعلى خلفية وأرضية من القواسم المشتركة . وأتت وجاءت القومية في الغرب كنتاج للتطور الاجتماعي والسياسي عند نشوء وبروز الدول القطرية في أوروبا ذات الدستور المقنن والمحدد لصلاحيات وسلطات الحاكم والمحكوم ، ونتيجة لهذا البروز والنشوء هناك انتقلت هذه الفكرة طبيعيا بواسطة التأثر الثقافي العادي الذي يحصل أو بتعمد مخطط ومدروس لما تمثله هذه الفكرة من وجود في مكان خارج أوروبا من مصالح وفوائد تخدم هذه الأخيرة ( أوروبا ) وتقدم لها المنفعة. فلنناقش إذا هذه الفكرة ولنغمض أعيننا عن فكرة وأمر التعمد في النقل مؤقتا ، لكي لا نتهم بأننا نبحث عن شماعة للإلغاء والإقصاء الفكري عن طريق القول بنظرية المؤامرة والتخطيط المسبق للأحداث وثانيا لأننا نريد ونرغب أن نعمل في التفكير والتحليل لهذه الفكرة القومية في حياتنا ومجتمعنا وأيضا لكي نعرف ونفهم محل هذه الكلمة من الإعراب عندنا نحن من في الشرق . إن القومية قد تأتي وتظهر كنتيجة طبيعية وكحالة ردة فعل متوقعة لمحاولات الإلغاء والسيطرة والاستغلال والتبعية المفروضة على شعب من الشعوب بواسطة ومن قبل شعب آخر أو أمة أخرى . إن قومية من هذا النوع هي قومية دفاعية وقائية طبيعية مشروعة إلى حد ما ومطلوبة في حدود معينة أيضا وهي تجيء وتأتي رغبة في الحماية والبقاء والاستمرار في الوجود وكل هذا أمر مشروع ، ولكن ماذا يحدث عند فشل ردة الفعل في إيقاف الإلغاء والهيمنة والاستغلال ؟ إن ما يحدث ويحصل هو انتقال القومية من قومية تحررية وقائية طبيعية إلى قومية عنصرية تعصبية شيفونية ، تساوي وتضاهي وتقابل الاستغلال والهيمنة والإلغاء الذي حصل وجرى على الشعب المقهور والمستغل وتحوله إلى شعب يحاول القهر والاستغلال والإلغاء على الآخرين بعد أن كان ذلك يمارس عليه ، وهكذا ندخل في دائرة لا تنتهي فكل ما نصل إليه هو الفرقة والتفرق ، والبقاء متغنين بأمجاد وآثار فارغة ، والبحث عن قديم أمة سحيقة ألغاها التاريخ ونساها الناس لنقول نحن كنا هنا نحن ننتمي إلى هنا إلى هذه الآثار والآخرين يقولون نفس الكلام ، عن آثار موجودة في أرضهم وهكذا الكل يدخل إلى دائرة لا تنتهي ولا تتوقف من أقوال وأفعال لا تفيد بل تضر ومن تباهي وافتخار وفخر زائف وخائب . إن تحول الإنسان إلى كائن يلغي الآخرين الذين هم إخوانه ورفقائه في الإنسانية وتفضيل نفسه وعرقه عليهم ، وبالمقابل وبالموازي هم أيضا يفضلون أنفسهم وأعراقهم عليه ، وهكذا بدورة لا تنتهي كالإعصار المدمر يبدأ صغيرا وينتهي كبيرا يدمر ويحطم كل شيء في طريقه . إن هذه الدورة المجنونة تفضي بالبشر إلى إلغاء إنسانيتهم وضمائرهم والى تحولهم لعناصر في الغابة بلا رحمة أو شفقة ، تحاول أن تلغي وتشطب الآخر لأسباب تفاضلية متبادلة بين الطرفين هي بقمة السخف والسخافة ، وما هي كمحصلة وناتج نهائي إلا شطب لإنسانية الإنسان من داخل شعوره ووجدانه وأحاسيسه واستبدالها بالمصلحة والمنفعة القومية العرقية ، والذوبان في آثار ماضي سحيق لا يهم الشعوب والناس ، بل يهم فقط من هم يدرسون وحدهم ويتناقشون فيما سمي حضارات الماضي القديم ، وهم المتخصصون والأكاديميون المنظرون والمتكلمون بالقومية ، أو المهتمين حقا بالآثار كالآثار فيما يتعلق بجوانب تخصصهم الدراسي وحسب . هذا ما كان يتعلق بالقومية من ناحية فكرية نظرية . فلننتقل الآن إلى نقاش وتحليل الواقع العملي ولننظر إلى أمر التعمد في نقل وانتقال الفكرة القومية من الغرب إلى الشرق . إن القوى الاستعمارية الإمبريالية الناشئة في الغرب نتيجة لبروز الآلة والعلمنة وانتقال الرأسمالية البرجوازية إلى مرتبة الإمبريالية الباحثة والمنقبة عن مصادر الثروة وأسواق جديدة للاستهلاك ، هذا البحث والتنقيب يتلخ |