الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  تــمــوز  2005

الديوان العراقي *

 

كتابات - إبراهيم المصري

 

إلى :

أم باسم، أم عمر، نور، آلاء، فائزة، جواد، سهيل، هند، ماجد، سبأ، بلقيس، فيفيان سَيَّار، دثار، حميد، بتول، عبد العظيم، محمد، فاروق، ناجي، حنين، ليلى، هناء، كامل، رعد، برهان، بدر، كريم... كيف أحصي أسماءكم أيها العراقيون وأنا أحدق في الشمس .

 

 

 

* لم يكن باستطاعة مواطن عراقي

أنْ يضع طبقاً لاقطاً فوق بيته

كانوا.. يخافون عليه من الدعايةِ المُغرضة

وكان يأمل في التقاط ملائكة

تساعده بالدعاء

على أنْ يُعجَّل الله برفع الغمَّة.

  

 

1

ساحة الفردوس

في الواقع...

أصغر ممَّا تبدو عليه

في أي صورةٍ فوتوغرافية

لكن بغداد.. أكبر

من أي صورة.

 

 

2

حفرةُ نفطٍ مشتعلة

بوميض نار تحاول أن تتنفس

تحت دخان كثيف

هل هذه.. عين بغداد التي

كان يجب أن تحرسها من الغزاة

ومن القصف بطائرات B52

العابرة للقارات.

 

 

3

على جسر الأئمة

تطلب مني سيدة مُتشحة بالسواد

أن أوجه نداءً تلفزيونياً

إلى ابنها الغائب في غربةٍ لا تعرفها

يا خالتي...

ويا أرض السواد

نحن على جسر.

 

 

4

كأنَّ النخيلَ في بغداد

لا يعبأ بما يحدث

كأنه في اصطفافه يتهامس

بأسرار لا نعرفها

عن زمن أبيض

لم يكن فيه الدخان الأسود...

خيمة شاسعة.

 

 

5

حينما ذهبت إلى بغداد

رافقني الجواهري

بـ.. حييتُ سفحكِ

والسياب

بـ.. عيناك غابتا نخيل

عينا بغداد كانتا من نخيل

ولكن.. بدون مطر.

 

 

6

كان رأس التمثال

بملامحهِ المشهورة

مُدحرجاً بفوضى جمهور يثأر

وبأقدام تركله

وكنت أفكر...

إنْ كان صاحب الرأس

يشعر بالألم؟

 

 

7

( نساءنا في العراق.. حاجة ضرورية )

المتظاهرات يهتفن سعياً

إلى لفتِ الأنظار

صوب وردهن المحترق

نعم...

هنَّ حاجة ضرورية

ولكن في طريق مختلفٍ

عن طريق القائد الضرورة.

 

 

8

تبتسم الطبيبة.. بان

وكأن الحزن قد فاض

حتى أصبح لا لزوم له

غير أنَّه عبرَ وجهها

بجناحين من شفافية

حين قالت...

حان وقت الأمل.

 

 

9

أحتفظ بنسبي...

إلى أم باسم

منذ أنْ قالت لي

أنت مثل ولدي

ثم سردت ما تسرده أمي

من أوجاع جسدها.

 

 

10

كلُّ هؤلاء ماتوا؟

نعم...

وما تبقى منهم.. ركامٌ من عِظام

لا يدل على ملامح أصحابه الذين عاشوا بصمتٍ

في هذه المقبرة الجماعية

لكن أحداق الجماجم تومضُ

بفرح العائد من غربةٍ طويلة

إلى بيته.

 

 

11

جرِّب أن تتخيل

أنك مقطوع اليد

حتى تعرف

لماذا كان قيس

يبتسم حزيناً هكذا

وهو يمد يده اليُسرى

لمصافحتي.

 

 

12

يقرأ محمد

قصيدةً عن انطلاقهِ في الشارع

صاعداً بدراجتهِ النارية

إلى الفضاء...

الحمد لله

لم تعد ثمة صور للقائد الضرورة

تحجب الأفق.

 

 

13

لماذا يبدو أهل العراق

عنيفين هكذا

وطيبين إلى حدِّ الوداعة

ثمة سر لا يعرفه

إلا من يقبض أنهاراً تجري

بين يديه.

 

 

14

مثل أي شعب...

يوجد الكثير من العراقيين

من هو : وردة

وهناك من هو : رصاصة

وهناك أيضاً

من يصلح قاعدة

لرفع تمثال طاغية.

 

 

15

لن تحتاج الكثير

لكي تدمر بلداً

فقط : بيان أول لانقلاب

مليون قتيل في حروبٍ داخلية وخارجية

أربعة ملايين مشرد عن وطنه

والكثير من الأغاني الحماسية التي

تعفينا من الحاجة...

إلى رؤية القيء.

 

 

16

حينما تشاهد صور قتلى حلبجة

لن تصدق

أنَّ هؤلاء البشر المشوهين

بالأسلحة الكيماوية

كانوا مثلك

قبل ارتطام رأسك بالفزع.

 

 

17

لقد قتلوا محمود البريكان

وماذا في ذلك؟

ألم يقتلوا أبي الطيب المتنبي

والفرق...

أنَّ الثاني قتل في مبارزةِ هجاء

بينما قتل البريكان

بانسحابه إلى نقاءٍ

عبأ حتى الحافة

حنجرته بالدم.

 

 

18

الجامعة العربية

مُمثلة بشعوبها

وبقمتها السامية

تنظر في أمر.. العراق

حسناً...

ليتهم يرسلوني.. طبيباً.

 

 

19

( مَا حفـَّزونا )...

تقول مريم بانفعال

وعيناها الخضراوان

تحفزان حياةً

تحاول أن تنهض بها مريم

من الركام.

 

 

20

يمرُّ نهر دجلة صامتاً

تحت جسر الجمهورية

تمرُّ فوق الجسر

دبابة أمريكية صاخبة

ولا يلتفت النهر.

 

 

21

في سوق مزدحم

يتبادل العراقيون البيع والشراء والصراخ

وفي خلفية المشهد

لازالت صورة القائد في انتظارها

أنْ يصمت هؤلاء...

حتى يلقي عليهم خطابه الماجد

لا يا سيدي...

لقد عادوا إلى الحياة

ولن يصمتوا.

 

 

22

أمَّا وقد مرت الحرب

فقد بدأ الجميع في إحصاء غنائمها

وحدهم العراقيون

يحصون أنفاساً شاحبة للحرية

والكثير من القتلى

والمفقودين.

 

 

23

أنا وصديقي العراقي

نشاهد قصف بغداد

كانت الصواريخ تمر أمام عيني

ثم تستقر على أهدافها

وكانت الصواريخ تمر أمام عينيه

وتستقر في فؤاده

لم أكن بحاجة إلى دليل

كان وجهه يتقلص مُرتعشاً

بتوالي الانفجارات.

 

 

24

( فـَتحُ صَدر )

هذا ما يُطلقه العراقيون

على إصلاح مُوتور السيارة

وكم كانت تخيفني هذه العبارة

( فـَتحُ صَدر )...

وأنا أشاهد الدبابات مُنطلقة

إلى صدر بغداد.

 

 

25

العلوج هؤلاء...

نعم...

ما بهم العلوج هؤلاء؟

يجب أن يرحلوا

نعم...

يجب أن يرحلوا

ويجب أن ترحلي معهم

يا امرأة تقيم في الماضي

ولا تساعد على كشط كثافته الدموية

حتى بأظافرها.

 

 

26

من على سطح فندق أرض الزهور

تبدو بغداد

وكأنها تقف على أصابع قدميها تحت الليل

والتوجس الذي تقطعه أحياناً

طلقات الرصاص

يبدو ملموساً إلى حدِّ الخوف

من انفجار كوني.

 

 

27

حرامٌ أن نكتب المصحفَ بالدم

كلمة الله.. تتجلى في سوسنة

لكنها كانت مشيئة القائد الذي

كتب بدمه.. كلمة الله

وكتب بدماءِ شعبه.. مجداً

تقوضه صورايخ توماهوك كروز.

 

 

28

بحيرة على هيئة

خارطة الوطن العربي

يتوسطها مسجد ( أم المعارك )

الآن فهمت

لماذا يحب العرب صدام حسين

لقد كان مثلهم الأعلى

هذا الذي يمسح الدم عن سكين القاتل

في سجادة الصلاة.

 

 

29

الشاي المغلي

بمرارته الداكنة

والسكر المُذاب

بحلاوته الحادة

يمزجهما العراقي في.. استكان.. زجاجي صغير

ربما يحاول الموازنة

بين الفاجعة والأمل.

 

 

30

كربلاء صباحاً...

الشوارع شبه خالية

وقبة مرقد الحسين الذهبية

تتوهج تحت شمس تشتدُّ حرارتها

ورؤوس مقطوعة...

تتجول في الخفاء بحثاً عن الماء

أو الطمأنينة.

 

 

31

كبابٌ.. لإفطار العراقيين

فولٌ.. لإفطار المصريين

ثمة من يُقبل على لحم الحياة

ومن يُقبل على نباتها

لهذا...

مصائبُ العراقيين أكبر.

 

 

32

كظاهرةٍ عامة

يُخرج العراقي ذارعه

من نافذة سيارته المسرعة

كأنه سيلتقط دبابة أمريكية

ويضعها سريعاً على رف التاريخ

ألم يفعل العراقيون هذا...

مع التتار.

 

 

33

أصبح العراقيون في بطالةٍ مزمنة

لقد أعطتهم الحرب

الكثيرَ من الكسل

لكنها أخذت منهم...

لقمة العيش.

 

 

34

لم أشاهد جنازةً على الواقع

في العراق

الحياة هناك...

أوفر من الموت الذي

اختبره العراقيون طويلاً

لكن هناك.. من يتلصص بكاميرا

على تصوير موتهم.

 

 

35

شمسٌ نحاسية

ترتفع فوق النخيل

والنخيل.. ذاهلٌ في الغبار

الصمتُ أجش

والمشهد باستنادهِ

على واجهة مبنى وزارة التخطيط العراقية

تلك التي كانت مرئية

بملاسنةٍ نارية بين الرصاص والزمن

غداً يعيد العراقيون طلاءها

لا لإخفاء الحقيقة

ولكن.. لمجرد التفاؤل.

 

 

36

داخل كل عراقي

حياة كاملة

لهذا يبدو إنساناً غيرَ آيل للسقوط

والمقبرة الجماعية

ليست أكثر من حفرة

يعبرها العراقي بالكثير من الحزن

لكنه.. يعبر.

 

 

37

الحزن العراقي...

ليس مناحة

ولا تشييع حياةٍ تنهض كل صباح

إلى حظها من الخلق

الحزن العراقي.. نبيلٌ

ضلله القتلة عن حاجته

إلى طلاء الحياة بالضوء.

 

 

38

أرض الأهوار الجرداء

كانت بلا رائحة

لكنها لم تكن ميتة

هل قطع المياه عن أرض

يمكن أنْ يحرمها من الحياة هكذا