|
هــيــئــة الــتــحــريــر |
كــــتـــــابـــــات |
الكتابات المشاركة تمثل رأي اصحابها |
||||
|
انــــــتــــــم |
صــحــيــفــة عــامــة مــســتــقــلــة |
الــبــدايــة |
||||
|
المالك ومـراقـب الـتـحـريـر |
تحتضن الرأي وتساند الرأي الآخر |
1 ايـــلـــول 2002 |
||||
|
ايـــاد الـــزامـــلـــي |
مسائية يومية تصدر الساعةGMT21:00 |
|||||
| الصفحة الرئيسية | محاور | بحوث ودراسات | 21 آذار 2004 | كتب | الارشيف | كلمة التحرير |
|
فقط خاص لـ كتابات الــــزمـــن الآخــــر هنا بغداد ... هنا الضفة الأخرى كتابات - أيـــــّوب 1 في الطريق الى هناك يخُيّل اليك أنك تسعى ، لكنك لا تسعى بل أنت واقف فوق رقعة الماضي الذي توقف يوم تركتـَه ، والزمان والمكان هما من يتراجعان أمام قرار عبورك الى الضفة الأخرى ، وسترى بعينك وتسمع بقلبك صوت الحب الذي ظلّ يحاصرك كل سنين المهجر ، ومن أولى خطواتك سترتجف عروقك وتنشط ذاكرتك وتنسلخ من عالم الناسوت واللاهوت الى عالم الشاكوش عالم الكفتة والطيلسان ! كنـّا خمسة قد قرّرنا النزوح الى الضفة الأخرى وكلٌ يشدّ وثاق صاحبه ويقـّوي عزيمته كأننا راحلون الى ملاقاة التتار أو ملتحقون بجيش الإفرنج يوم الكعكوان ! مرت الأيام وجاءت الأيام وربعي ما بين متحجج ومعذور فمال بعضهم الى صنوه ومالَ الآخر الى دكانه وقال آخرٌ من بني مالمَوان { عندي خطـّار ! } وواحد في بلد الضباب نعى لي نفسي المقدسة وتـنبأ بمقتلي بين ظهرانيّ أحد المدن ورثاني ببيت شعر من بحر ( الليّ يروح ما يرجع ) ثم توادعنا جميعا ً تحت شعار { اذهب أنت وربك ... }.. بسيطة !
لملمتُ
أغراضي ، بعثرتها ، لملمتها أخرى ، أوراقي ، ملفاتي ، سطوري ، أشيائي ، كل
أشيائي ، إنني راجع الى الأمام ولا أدري هل سأعود ؟ ساعة السفر عند الفجر، وهذا يعني تواصل الليل بالنهار في قلق الحوار والى المطار . كان شعوري بين الفرح المأزوم والحزن المبهم فأصابني صمتٌ وبوادر ذهول وآثار هول ! وشيء ما لا أستطيع بالضبط تحديد ملامحه لكنه كان يشبه الى حد ما شعور خروف تحت سكين قصاب غير حاد وكل مرة يحاول القصاب الذبح وماكو قبض . على خط الطائرة المتوجهة الى سوريا كنـّا سبعة أو ثمان عراقيين { امرأتان بمعّية كمية من الأطفال ! وشيخ كبير وشابٌ من ماركة مولاي وأفندي علماني و بقية من آل كابوني موديل 1950 وغيرهم } كان الأطفال غير ودودين وعلى تصرفاتهم ملامح بدائية عدائية فتحولوا في صالة الترانزيت الى جوق موسيقي على الهواء ! كنت أراقب حركاتهم عن كثب وكيف يتعاملون مع موجودات السوق الحرة وعارضات العطور وكل لحظة يذهب واحد منهم ويفتح يده ويطلب ( بَخـّة ) عِطر ! حتى تقزمتْ إحداهن وتركت مكانها وأعطت الزجاجة للطفل ! في حين كانت أمُهم ( عَمّتهم ! خالتهم !) مشغولة ومنهكة بتوصيل أغراضها الى الطائرة ، كانت تحمل 16 حقيبة صغيرة وأكياس للفاتْ والجرزاتْ وممّيات الأطفال ! ومدرعتين ... عفوا ً عربيتي أطفال . أما الشاب المولائي فقد كان هائما ً في ملكوت آخر بعيدا ً عن عالم الذر ! ونحن بين راكع وساجد نؤدي صلاة الفجر . نادوا على رحلتنا فتهيأنا ولملمتْ الأم أطفالها لكن عددهم ازداد واحد بعد التعداد ولم تستطع كشف الدخيل إلا ّ بعد استدراجهم وسؤالهم الواحد بعد الآخر عن اسمه وتبين أن الجماعة صادقوا طفلا ً لاتينيا ً وأقنعوه بالسفر الى العراق ! قالت الأم : يُمـّة هسّه آنه حايره بظيمي ... خلي أوصّـل فروخي بالأول ! وبدأنا بالمسير نحو الطائرة ... نحو قدس الأقداس والبلد الأمين . استقرينا في مواقعنا وكان أمامي الشاب المولائي وبجنبه ركاب أجانب ولايزال هائم في تسابيحه مأجوراً أما أنا فكان موقعي قرب النافذة وجلس بجانبي هولندي ونمساوي ، والنسوة العراقيات مع الفريق الأولمبي كنّ خلفنا بخطين أو ثلاث ، وقبل أن تشرع الطائرة بالمسير أشرع الأطفال بمعزوفة { شكشك لا لا } ! ورضيعٌ بحِجر الأم كأنه تذكر مصاب الحسين ع وبدأ بالنوح وعلى ثلاث طبقات ( سيكَا ونهاوند ودشت ! ) وطارت الطيارة ... يا ربي يا رب البيت سهّل لنا الأمور واحفظنا من المحذور كان معنا رجل أعمال بريطاني قد قرّر أن يقتصد في هذه الرحلة من مصاريفه ولم يحجز في الدرجة الأولى وكان موفقا ً في اختياره إذ صار مقعده بجنب الملحمة العائلية وكان ابتداءا ً ودودا ً مع الأطفال يبادلهم الحب والكلمات ! فلتَ طفلٌ من أمه وركض بالممر الوسطي كأنه البرق فلحقته المضيفة وأعادته الى مقعده ثم فلتَ أخر مارا ً بحضن رجل الأعمال ( مجفصا ً) بهندامه ساحبا ً نظارته مهللا ً بوجهه وطفر مسرعا ً نحو المرافق غالقا ً الباب على نفسه ! فتجمعن المضيفات حول المكان ليعالجن الموقف ! بدأوا بتوزيع الإفطار والمشروبات فيما انشغل الشاب بكتاب عتيق دفعني الفضول لمعرفة الكتاب الى أن أقوم من مقعدي وأمد رأسي كالنعام لأرى ... كانت الصفحة التي يطالعها تحت عنوان ( أعمال مسجد السهلة ) ! فرجعت الى مكاني يراودني شعور كستنائي مابين الصفرة والزرقة ! الذي بجنبي طلب كونياك ( على الريكـَ ) ! والذي بجنبه طلب علبة ( جعة ) وجلساء الشاب طلبوا الويسكي والنبيذ الأحمر ! ونحن مشغلون بلفات الخُضَرْ والشاي ومع الوقت اختلطت الرائحة بالروائح واختلطت أصوات الأطفال بأزيز الطائرة بمناجاة رجل الأعمال البريطاني الذي انشغل بقراءة مقاطع من أوبرا ( الرجل الذي فقد ظِلـّه ) بعدما تبعثر هندامه وصار رباطه غرضا ً بين الصبيان .
الشاب
المولائي أخرج كتابا ً آخر وسط كل ذلك الكم المتناقضات وحين مددتُ رأسي مرة
أخرى لأستشّف الأمر ما بين الكونياك والجعة وإذا بالغلام يقرأ كتاب فتاوى
شرعية والحكم الذي كان قيد الحفظ هو
هنا سقطتُ
الى الخلف نحو مقعدي من نور هذا العرفاني فاتت ساعتان والمهرجان الخطابي المقام على شرف رجل الأعمال في تصاعد حتى سمعنا الصيحة منه !!! ( الله أكبر ... غضبَ الله على راسج وراس جهالج )
نطق المسكين
من شدة المعاناة وأعلن إسلامه على يد الأطفال وصار كأنه ببغاءٌ محبوس يهزّ
رأسه بحركة توافقية ويردد اضطرت المضيفات الى إصدار وثيقة اعتقال للأطفال بعدما هدّدوا الطيار في غرفته وصاروا مصدر قلق للركاب وأيدت الأم ذلك القرار : بجنهم ... يٌمّـة حتى الكروة عليّـه ... بس خلصوني منهم ! فقيدوهم بالأصفاد ... وكممّوا أفواههم باللفات ... وساد صمت جميل ونادى المنادي ... استعدوا للهبوط .
بغداد الحبيبة / الضفة الأخرى الموافق لـ 3/11/ 2003 ميلادي / الزمن الآخر 2 في الطريق الى هناك هبطت الطائرة وفتحت الأبواب ونزلنا الى أرض الشام ، مجموعة من الخرطوم ومجموعتنا مع موكب الأطفال بسيارة ويـّه صبي ! صالة الاستقبال تحوي صورا ً ومعلقات وشعارات فارغة ورجالا ً وركبانا ً ووجوه تذكـّرك بصبية صدام المطرودين ! الكل ينظر اليك نظرات غريبة عجيبة ! قلتُ في نفسي : لعل الشاب المولائي كان محقا ً في حفظ حكم نظر الرجل للرجل بشهوة وبدونها ! وقفت في أحد الطوابير المؤدية الى شباك الضابط المستقبل ولم يمض وقت طويل حتى رنّ صوت أحدهم قرب مسمعي الشريف ! : تعا بجنبي وأنا بسلكـّك ! كان العرق يتصبب مني وأنا بهذا المعطف الصوفي الأسود الغبي وتحته البلوزة والقميص ! ودرجة الحرارة قد جاوزت الـ 30 ! تجاهلتُ المنادي لكنه لم يتجاهلني ! بل نادى على زميل له : تعا شوف الاستاز ... بلاش يطوّل هُون ! لا أدري لماذا تذكرت أنور السادات يوم دخوله إسرائيل بابتسامته الصفراء ! راودني شعور بالاستسلام لفعلٍ منكر ! : نـــُو ! نــُـو ! ... قلت لهما : لــَكْ أنــو نُــو ! كـَمــــانْ ... مستر !... وحاول جَريّ نزل العرق من تحت قبعتي وزحف على جبيني حتى وصل الى أهدابي وطرف أنفي فأخرج الشرطي الأول منديلا ً وحاول مسح جبهتي ! : لا ... لا ... أرجوك .... وابتعدت عنه : إيْ ئول هيك من الأول ... منين الاستاز ؟ لا حول ولا قوة إلا ّ بالله ... جليّب ... خوما جليّب ؟ وصل دوري الى ضابط الاستقبال فأردتُ أن أعبّر عن شعوري ! : باسمي واسم العراقيين أشكر دولتكم الكريمة لفتحها الحدود أمامنا للعودة الى الوطن . استسْخفَ الضابط طرحي ورفع رأسه : إيْ وشو ؟ حدرتكْ عرائي ؟ شو ؟ معك ممنوعات ؟ ! تقدم أحد الشَرَطة بمجرد سماعه بكلمة ممنوعات وقبض عليّ ! : استاز ... ئول ... اعترف ... أنا بسلكك ! شو معاك ؟ { تعال طلـّـع هه الكركدن من هه الطينة } ! لكن الله سلـّم فقد تقدم أحد المسافرين الرشاشين للمصاري وانشغلوا به ورموا جوازي بوجهي المبارك فتلقفته بلهفٍ وشوق ليكون مدقق الأختام بانتظاري بعد الممر ! تناول الجواز مني سائلا ً بكل شفافية : شو ... وين الورئة ؟ وهو يتغامز ويحرك حاجبيه ! ابتسمتُ بهيئة المتابكي وأحسستُ أن ذيلا ً بدأ ينمو في مؤخرتي من شدة الإحباط ... أريته ورقة الدخول فانزعج الضابط ! : لك الورئة ... الدولارات ! : رسوم جديدة أستاذ ؟ : لكْ أنـــو رسوم ؟ ... سلـّكْ حالك : أستاذ معي فيزا كارت ... ينفع ؟ لكنه استغباني : امشي ولـَكْ ... ا ُحلئ ( أحلق ) ! هذا ليس مطار .. لا ورب الكعبة هذا ليس مطار ... هذا سوق مطيرجية وهؤلاء باعة كَـركَري على أقل التقادير ! ثم ذهبت غير بعيد لأسمع صوتا ً من الخلف يردد { كنباز ! جنباز ! أو كلمة آخرها باز ! } لم ألتفت لأني لا باز ولا كَرايب ابن باز ولا بطل كاز ! المهم كان طلسما ً لم أفهمه الى الآن ! استلمتُ حقائبي من بين فرث ودم وخرجت من المطار الى الجو الحار الى التراب والغبار والكم الهائل من الناس والمصيبة إن الكلّ يوجه نظراته وعباراته وتعليقاته اليك . الشاب المؤمن الحباب استأجر سيارة ودعاني لمرافقته الى منطقة السيّدة وفي ما أنا مشغول بتحميل حقائبي اختفت قبعتي ! وضرب النسيم العليل صلعتي ! وبعدما صعدت الى السيارة لاحظت أن برأس السائق قبعة تشبه قبعتي ! ولم أجرأ تأدبا ً سؤاله لكنه هو من بادر : شو استاز ... كيف هه الطاكَية ؟ حلوة ؟ مو هيك ؟ : أليست هذه قبعتي ... عفوا ً ... آسف ... أعتذر ... يمكن لا ! نزعها من رأسه ورماها نحوي بطريقة بدائية ! ثم طار بنا بسرعة جنونية الى منطقة السيدة . الشاب المولائي رغم كل عرفانياته ضربني دبــّة على الأحوط وجوبا ً إذ استغفلني وأدفعني الأجرة كاملة وأكتفى هو بالدعاء لي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ! الساعة 1600 ودرجة الحرارة سلكـَ إلا ّ دفرة ! وترابٌ ونزيز وصِبية في الشوارع وعرفاني مرّ وسلـّم عليّ وهو يتختم بـ8 محابس في 3 أصابع فقط ! وما أمامي يستحق الذكر من عنواين نورانية · · مطعم باجة الحسين ع ! · · مخلمة وشوربة المجتبى ع صباح كل يوم ! · · مستوصف الرسول الأعظم ص ! · · فندق أبو الفضل العباس ع ! · · محابس عليل كربلاء ع ! · · دولمة الرضا ع ! · · بهارات الجوادين ع ! وعناوين أخرى تم تعين أهل البيت عليهم السلام كل حسب اختصاصه وشعبيته ! تأخر من كنت أنتظره ليرشدني الى الطريق الى الضفة الأخرى الى بغداد الحبيبة وأنا مابين الانتظار والتعب والتعرق واللهفة غفوت على حقائبي وأغمي عليّ وكدتُ أن أكون غرضا ً لذوي النفوس الضيقة لولا مجيء صاحبي ... ويا صاحبي ما أخرّكْ ؟ لملمتُ أغراضي ورفضت المبيت ليلة واحدة وأنا في الطريق الحرية ، الى كوكبي الضائع وكليّ خوفٌ وقلق من أن لا أعيش لحظة اللقاء الرهيبة ، وبالفعل حجزتُ مقعدا ً مع أول سيارة مغادرة نحو الحدود بعد انتصاف الليل ... ويا ليل... قصّر ساعاتك ... يا ليل ... احفظ بغدادك
بغداد الحبيبة / الضفة الأخرى الموافق لـ 8/11/ 2003 ميلادي/ الزمن الآخر
3 مَنْ مثـلي ؟ انتصف الليل وزاد منه قليلا وركبنا العربة الراحلة الى أرض الوطن ... يا للوطن يهيم الإنسان ويطير في الفضاء المترامي الحاضن لهموم العودة وهموم الهموم ، وهموم الشيء الذي يذكرك بأشياء كثيرة كثيرة ... فيا ليلُ ما أنت من ليل ؟ أيّ ليلة هذه ؟ هل هي آخر ليلة من حداد الكون ؟ أم ليلة زفاف العاشقات الحزينات المنتظرات من ألف ألف عام قدوم العرسان ؟ أيّ ليلٍ هذا الذي صُبحه في الضفة الأخرى والأمل المفقود والأرض المسحورة ؟ يا مُذل الجبارين ويا قاصم الطواغيت وفاني بيوت المجرمين ... هل حانَ وقت النزوح ؟ أم أزفت ساعة اللقاء ؟ أم حقا ً كـُتبَ في لوحك المحفوظ أنه قد آن الأوان ليعود أيــّوب الى أرضه الخضراء؟ لم يبق من زمن الموت إلا ّ سويعات ولم يبق من مسافة التيه إلا ّ هذا الخيط الأخير ... و... { رُحماكَ من هذا العذابْ ... قلبي من الأشواق ذابْ } { ليلي ضنا ً... صُبحي أسا ً... عَـيْـشي على الدنيا سرابْ } سألت السائق : الى أين المسير ؟ وطلبت منه أن يجبني بهدوء وبطأ قال : الى العراق... الى بغداد ... وأدارَ المحرك وبدأ المسير !!! ما أن تحركت العربة حتى خنقتني العَبرة ... وبدأت أبكي وأبكي حتى علا صوتي وأجهشت بالبكاء ، بكاء الثـكلى ! مرّتْ عليّ أشباح الماضي وصور الذكريات الخرافية وتراتيل زمن الوطن الذي ضاع ، يا لحزني ويا لضياعي مع هذا الحدث الهول !!! سألني مسافر من الخلف لمّا رآني على تلك الحال : كم من الزمن أمضيت خارج حدود الوطن ؟ استفقت من حزني وأشعلت سيجارتي وأخذت حسرة طويلة ... : يا صاحبي لقد فقدنا الوطن من تلك الليلة المشئومة التي ضُربَ فيها علي ع في مسجد الكوفة والى الآن . نحن في تيه أقسى من تيه بني إسرائيل! لقد طالت المحنة وكـبُرَ الهّم وتراكمت سنين الغربة والعذابات وتزاحمت أصوات الشوق الممزوج بالظليمة والآن حيث الآن فنحن ننطلق الى هناك ... كانت النجوم أول مقطع جديد من اللوحة ، فمن سنين لم نرها في سماء المهاجر والغربة ، كانت أما مخنوقة بين الغيوم والظلام أو مسروقة في ليالي الرحلات الطويلة . هاهي النجوم يا أيوب فمُـدَ يدك المرتجفة وتلمسها ثم حاول أن تأخذها ... نعم خذها يا أيوب فهذه أول ليلة من ليالي الحرية في عمرك الثـقيل وهذه أول ليلة من ليالي المباحات ! وأخذ الجوائز الغاليات ! العربة تسير الى الأمام وأنا أتراجع الى الوراء ، الى ذلك الحلم المستحيل المقدس من حلم الشباب وسطور أيام الحرب المقدسة ضد الاحتلال البعثي ، أحار على أيّ محطة أركـّز ومن أيّ مقطع أبدأ رسم اللوحة ؟ أيام الطفولة والحارات والأزقة الشعبية وعربات الكـَسَبة المرهقين ؟ أم زمن النور والدار والدور وجرس الاصطفاف ؟ أم زمن البكالوريا وحرّ الصيف ودرس الكيمياء ؟ أم أيام الهندسة وقاعات التصميم والصبايا العاشقات ؟ أم الأمن العام وجلسات التعذيب والأصوات المعانقة لأطراف العرش ؟ أم أيام السجن والخوف والقلق المزمن ؟ كثيرة هي ألوان الماضي في ظلمة الذهن وأنا في هذا المسير . أدار السائق جهاز الراديو وكأن عبد الحليم كان يقرأ الخاطر ... العيون السُود ... خـَدوني ...آه يا ألبي وعلمّوك تسهر تغني ... علموك شوق الحبايب أول علامة دالة على الطريق برزت في هذا الليل أمامنا كانت لوحة زرقاء بسهمين ! الذي الى الأعلى يشير مدينة سوريّة والسهم الذي الى اليمين فوقه عبارة ...
بغداد إذا ً إنها الحقيقة وليست حلما ً خرافيا ً مستحيلا ً . أرسلت قبلاتي وفتحت النافذة ولوحت بيدي الى الحروف و{ فدوه لأسمج بغداد } حينها فقط أدركت أني في الاتجاه الصحيح الى المكان الصحيح . لم أغفو للحظة واحدة رغم الإرهاق والتعب ، والعربة تتقدم نحو الحدود ... ويا للحدود ... أين أنتِ يا حدود الوطن ؟ أين الوطن يا وطن ؟ نحن نخترق الليل ونسير نحو عالم جديد ، عالم لتوه خـُلق ، اسمه العراق. الحدود العراقية تغلق طوال الليل وتفتح عند السابعة صباحا ً للسيطرة على حالات التسيب الفوضوي وتسلل الإرهابيين ! عند آخر نقطة حدودية في الأراضي السورية قام الإخوة الضباط بتقديس أسرارنا وبطريقة جماعية وداعية ... والله معك استاز ! ولم يبق الآن إلا ّ الحد الفاصل بين هنا وهناك ... بين الضفة والضفة الأخرى ... من بعيد أنوار عالية ... العربة تسير ببطء لوعورة المكان ... الأقمار والنجوم وكل موجودات السماء تتسارع نحو الضفة الأخرى ، الكل يرغب في العبور ... ثم آخر وصلة من الطريق المعبّد وبعدها طابور السيارات المنتظرة للدخول ، صَفّ صاحبنا وقال : هذا حدنا وبس بعد . ترجلتُ منها وابتعدت من ذا لأقترب من ذاك ، أشعلت سيجارة ومشيتُ حافيا ً حاسر الرأس بدشداشتي العراقية وسط الجادة وعلى اليمين واليسار سيارات وعربات نقل وملتحفون ونيام ، كنتُ الوحيد الذي يسير نحو العارضة غير مكترث ٍ بتفاصيل ما أمامي من عربات ومدرعات وجنود ... دمعت عيني لا من بكاء أو عبرة ولكن من منظر جديد قديم صار أمامي وكأني طفل مولود للتو فتح عينيه ... أبطأتُ في خطواتي لأسمع صوت الناي الذي بدأ يشد قلبي وأرى ملامح الأرض التي هي وحدها الأرض وأشم نسيم الليل القادم من جنة الله ... أنا الآن على بعد خطوات منك يا عراق ... الى الجحيم يا صدام ... الى الجحيم يا ويلاد العوجة ... الى الجحيم يا زبانية الزمن الأرعن ... الى الجحيم يا قوانين الجور والظلم ... ها نحن هنا ... فأين السَـقـَطة أولاد السَـقـَطة ؟ ها نحن هنا ... فأين المحتلين البعثية الأنذال ؟ ها نحن هنا ... فأين من تجاهل حقنا واستخف بأمرنا ؟ ها نحن هنا...فأين من عوى ومن نهق وطالب بمصالحة وحل ثالث ؟ ها نحن هنا ... وسندخل من ها هنا ... وما ها هنا هو لنا ... هو الآن وطننا ... هو حاضرنا هو مستقبلنا .
بغداد الحبيبة / الضفة الأخرى 12/11/ 2003 ميلادي/ الزمن الآخر
4 رجعنا اليوم نحن ومن لاذ بحمانا الى كوكب الأرض ! بعد رحلة 90 يوما ً الى كوكب العراق ! فالعراق كوكب خاص فيه أشياء وأحداث كثيرة , فيه الحلو والمرّ والأسود والأبيض والصاعد والنازل والذي يأتي والذي لا يأتي ، هذا العراق سرّ من أسرار الخليقة وبعد أن يرث الله الأرض ومن عليها ( بعد عمر طويل ) وتمر آلاف السنين ويبعث الله أمما ً أخرى ويرسل الرسل ويذكرهم بأنباء الأمم السالفة ستكون قضية صدام وشعب العراق من المواد الدسمة التي ستتناولها الكتب السماوية القادمة !!! {{ هل أتاك حديث صدام بوادي العراق * وما فعله بالشعب العملاق * وما جنته يديه وأيادي الرفاق * إنهم كانوا شرّ البرية * فكلهم سَرسَرية * من أصول بربرية * وأمُهم غجرية * ترقص كالغبية * وولدت صدام * من نطفة الشيطان * فكان ما كان * إذ بدأ الحروب * وانتهك الأعراض * وأكثر الأمراض * وهاجت البلاد * طالت المحنة ومرت السنون * فبكت الأرض ومالت السماء * وتعب الملاك من كثرة الأهوال * ثم جاء من أقصى الأرض رجل يسعى * اسمه بوش * يصيح بصدام ولكْ هوش * كافي ظلم لا أهجم عليك الحوش * }} ... من زار العراق فقد زار الأنبياء والرسل في مراقدهم ومن لم يزر الى الآن فعليه أن يعرف أن الفرق بين من زار ومن لم يزر هو نفس الفرق بين دجاجة باضت وأخرى لم تبض حائرة بنفسها تصيح ( قاق قيق وين أبيض ؟ ) فزر يا عراقي يا حب |